الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » الثقافة » التأسيس في الفكر العربي محمد الهادي عياد

التأسيس في الفكر العربي محمد الهادي عياد


التأســـيس فــي الفكر العربي ـــ محمد الهادي عياد

قراءة في التراث نطرح فيها إشكالية ما بعد التأسيس في بعض القضايا اللغوية، ذلك أن التأسيس في قضايا الفكر العربي- من وجهة نظرنا- كان، ولعله ما زال، ظرفياً تدعو إليه الحاجة، ويصبح من رواسب الفكر حالما تنتهي تلك الحاجة، ولا يقع الرجوع إله أو استثماره في كثير من الأحيان…

فماذا نفعل إذا ما اضطرتنا الظروف مرة أخرى لدراسة نفس الموضوع أو موضوع آخر يقرب منه؟

هل نستثمر ما وقع تأسيسه وننطلق من النتائج التي وقع التوصّل إليها ونطوّرها لنجعلها تواكب الحداثة أم نسقطه؟

وهكذا يكون العود إلي نقطة البداية، وبذلك يكون الفكر العربي في حالة تأسيس متواصل… وتلك قضية أخرى…

فما التأسيس؟ أهو تأسيس واكتفاء أم تأسيس واستثمار وبناء؟

التأسيس في اللغة من أسّ البناء يؤسّه أسّاً أي أسّسه تأسيساً. يقال: أسّست داراً إذا بنيت حدودها ورفعت قواعدها (اللسان 1/60).

هذا المفهوم المعجمي للكلمة شهد تطوراً ووقع التوسع في دلالته وأصبح يشمل ميادين فكرية وعلمية، فشاعت في الاستعمال عبارات مثل: تأسيس نظرية أو تأسيس اتجاه فكري أو سياسي أو ديني!

ولكن كيف يكون التأسيس؟

هل ينشأ من عدم أم يطوّر واقعاً اعتماداً على موروث؟

ثم ما هي الغاية من التأسيس؟ هل هو تأسيس من أجل التأسيس أم تأسيس يهدف إلى وضع نظام يُحتذى به ويكون مثالاً يُقدّ عليه بحيث يبقى مجالاً للاستثمار لا ينتهي، ومعيناً للبحث لا ينضب؟

وهل يكون تأسيس قضية “ما” أو نظرية “ما” مكتملاً وتاماً بحيث تُضفي عليه هالة من القداسة، أم يكون متطوراً ومسايراً لحاجة الفكر المتجددة واللامتناهية؟

إن القضية الأهم في طرح هذه الإشكاليات هي: جدلية الدافع أو الوازع، كما يسميه ابن خلدون، يعني: متى يكون التأسيس وما هي دوافعه؟ أهي الحاجة الملحة أم هو الهوى والرغبة؟

تمثل هذه الإشكاليات وجوه مضلع قضية التأسيس. وليست غايتنا في هذا البحث مناقشة مختلف هذه الوجوه وإنما أردنا تعميق النظرة في قضية واحدة عسانا نفلح في لفت الانتباه إليها لمزيد التعمق فيها، لأننا نرى أنها أم الإشكاليات التي تطرحها قضية التأسيس ألا وهي قضية استثمار ما وقع تأسيسه للتقدم بالعلم والإسهام في تطوير المعرفة الإنسانية. ذلك لأن فعل التأسيس قرين فعل النقد، فكل تأسيس يتبعه نقد، والنقد يوفر الأرضية الملائمة لتطوير التأسيس ويؤمن له انفتاحاً متواصلاً يجعله فاعلاً في صلب الحداثة ومتابعاً لخطى الفكر البشري.

ليس التأسيس في نظرنا خلقاً وإبداعاً فحسب!.. وإنما هو أيضاً استثمار وإضافة! هذه الإضافة قد تمليها ظروف حضارية أو اجتماعية أو سياسية…

ولئن كان تأسيس نظرية في الفلسفة أو في الأدب من الصعوبة بمكان، فإن التأسيس في مجال اللغة أصعب، ذلك لأن للغة قواعد تحدد مجال الإضافة.

إن المعروف عند بعض الناس مثلاً هو أن “سيبويه” (ت 180هـ) هو مؤسس علم النحو! ولكن إلى أي حد يصدق هذا الرأي، خاصة وأننا نجده يروي معظم آرائه عن الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت175هـ)؟ فهل أتى بقواعد جديدة وهل ابتكر نظاماً نحوياً جديداً؟ طبعاً لا!..

إن مزية “سيبويه” تتمثل في كونه جمع التراث النحوي ودرسه ونظمه وبوّبه تبويباً جعله يُبرز من خلاله فكراً نحوياً يقوم على منطق اللغة وعلى الظروف الحياتية للمتكلمين بها، وهكذا يكون شرّع للتفكير اللغوي وأسّس فكراً نحوياً!

وكذا فعل ابن خلدون (ت808هـ) في تأسيسه لعلم الاجتماع، إذ انطلق من نقد التاريخ واستنتج قواعد سير المجتمعات البشرية فأسس علم العمران.

سقنا هذين المثالين لأنهما يمثلان محطتين هامتين في التراث العربي ويؤكدان قدرة الفكر العربي على تأسيس نظريات يمكن أن تكون مرجعاً للفكر البشري.

إن قضية التأسيس تمثل مشكلاً عويصاً كثر فيه النقاش وما زال، وهو في نفس الوقت موضوع انقسام في الآراء بين الباحثين. لأن الباحث يجد نفسه أمام إشكال هام يمس هويته: هل يؤسس من جديد؟ أم يرجع إلى التراث ليدرس ما وقع تأسيسه لنقده واستثماره وتطويره، أم يأخذ النظريات الجاهزة التي أسسها علماء الأمم الأخرى ويسقطها إسقاطاً بحيث يجعلها قالباً يصب فيه موروثه الفكري ويخضعه إخضاعاً حتى ينصاع للقالب كما هو الحال اليوم في بعض الدراسات اللسانية العربية التي تأبى إلا أن تُخضع نتائج الفكر العربي لمقولات غربية؟

لعل الإعجاب بالغرب وسيطرة الثقافة الغربية على البلدان التي عاشت الاستعمار والتشكيك في الهوية والتنكر للتراث عوامل سيطرت على الفكر العربي الذي ظل يحاول التأسيس وبناء النهضة على مختلف الأصعدة منذ ظهور حركة الإصلاح في أواخر القرن الماضي وحتى اليوم. وها نحن ما زلنا نتوق إلى التأسيس ولم ننته منه بعد!.. وهذا أوجد فينا شيئاً من التشتت وعدم الثقة بقدرتنا على الإبداع!.. وذلك يعود-حسب رأينا- إلى أننا لم نستثمر بعدُ ما وقع تأسيسه، وكمثال على ذلك نسوق مثالين لنمطين من أنماط التأسيس في علم اللغة.

الأول: تأسيس انطلاقاً من مبادئ وقع إقرارها من قبل، أي استثمار لتأسيس سابق وتطويره ومثال ذلك: تأسيس نظرية الدلالة عند الأصوليين.

الثاني: تأسيس في ميدان بكر، ومثال ذلك تأسيس مبادئ استحداث المصطلحات العلمية العربية.

إن التأسيس، انطلاقاً مما وقع تأسيسه سابقاً، يُعدُّ عملية فكرية واعية أدرك أبعادها علماء الأصول، لذلك سعوا إلى استثمار البحوث السابقة في علوم اللغة ليتمكنوا من استخراج الأحكام الفقهية. وبما أن التأسيس يقتضي تشريعاً، فإن نظرية الدلالة عند الأصوليين شرع لها الإمام الشافعي (ت205هـ) ثم الغزالي (ت505هـ) ثم الآمدي (631هـ) وغيرهم…

إن البحث في دلالة النص اضطرهم إلى البحث في دلالة الكلمة، فدرسوا دلالة الكلمة اللغوية ودلالتها النحوية، كما تعمقوا في بحث الدلالة الإفرادية والدلالة التركيبية.

ونظرية الدلالة هذه تنصهر في منظومة فكرية متكاملة العناصر، “إذ كان مصطلح “بيان” يشمل كافة الأساليب والوسائل التي تساهم في تحقيق كل ما يتم تبليغه”.(1) بل إن البيان عند الجاحظ (ت255هـ) هو اسم جامع لما تتحقق به عملية الإبلاغ والإفهام، أي التبيين.

والدافع إلى نشوء نظرية البيان هو فهم النص الديني والقرآن بالأساس. “وهذه الدراسات البيانية انتقلت بالبيان العربي من حالة اللاوعي، حالة العفوية اللغوية، إلى حالة الوعي: حالة التفكير المنظم.”(2)

لقد كان الدافع الأساسي لظهور نظرية الدلالة العربية ومن قبلها علم البيان العربي محاولات العلماء فهم ما استغلق عليهم من آي القرآن. ويمكن اعتبار الخطوط الأولى لتأسيس علم الدلالة قام بها ثلاثة فقهاء هم:

1-مقاتل بن سليمان (150هـ) إذ اهتم بتعدد معاني القرآن في كتابه “الأشباه والنظائر في القرآن الكريم”.

2-يحي بن الفراء (207هـ) مؤلف كتاب: “معاني القرآن” الذي طرح فيه إشكالية التجوز في معاني القرآن.

3-أبو عبيدة معمر بن المثنى (215هـ) الذي درس الأساليب البلاغية في القرآن في كتابه: “مجاز القرآن”.

ولعل محمد بن إدريس الشافعي يُعتبر واضع حجر الزاوية في علم الدلالة فقد عرّف البيان بأنه “اسم جامع لمعاني مجتمعة الأصول متشعبة الفروع”(3).

لقد كان الشافعي لغوياً وفقيهاً ورأى أنه لا يمكن استخلاص المضامين الشرعية من القرآن إلا بالرجوع إلى اللغة واستثمار النتائج التي وصلت إليها نظرية البيان العربي. “لذلك كان المنطلق عند علماء الأصول منطلقاً بيانياً يهتم بدراسة الألفاظ والتراكيب والسياقات من حيث دلالتها على معاني النص الديني التي تُمكنهم من استنباط الأحكام. وهكذا تأسست لديهم نظرية دلالية تعتمد علوم اللغة أساساً للبحث فلا يعتد باللفظ المفرد، وإنما يدرس ضمن منظومة اللغة التي تحدد شكل اللفظ ووظيفته داخل شبكة العلاقات التي تربطه مع النص”(4).

هكذا أسس الأصوليون نظريتهم في علم الدلالة انطلاقاً من الدلالة الوضعية للكلمة، لأن اللفظ يجب أن يكون “على هيئة تكوينية ودرجة وضوحية في مساق أدائي يهيئ للسامع العالم بمواضعات اللغة القدرة على إدراك المعنيّ له ذلك اللفظ في شرعة المتكلمين.”(5) لهذا سيفرق الأصوليون بين: دلالة الكلمة والدلالة بالكلمة. إن محل دلالة الألفاظ القلب، ومحل الدلالة بالألفاظ اللسان. وكلتا الدلالتين تنقسم إلى أصناف تنضوي تحتها أصناف.

وتبعاً لذلك تكون الدلالة عندهم إما دلالة ثبوتية أو دلالة إدراكية. فالدلالة الثبوتية هي التي تدل على مقاصد النص الحقيقية، أي مقاصد الشريعة، “وهي دلالة قصدية ثابتة لا حول ولا تزول، فهي دلالة حقيقية تابعة لقصد المتكلم وإرادته”(6) كما يقول ابن قيم الجوزية (ت751هـ)، وهذا المعنى القصدي بعيد المنال فهم يقولون في بيان النص الديني ما يفهمون منه، لا ما هو مراد ومقصود من الصادر عنه النص- أي الله- ولذا تكون الدلالة الحقيقية للنص الديني أمراً مُعجزاً. أما الدلالة الإدراكية فهي الدلالة التي يفهمها الناس من النص الديني وهي “دلالة حائلة متغيرة تابعة لفهم السامع وإدراكه وجودة فكره ومعرفته بالألفاظ ومراتبها.”(7)

وبواسطة الدلالة الإدراكية يعللون تفاوت درجات فهم النص عند المتلقين، فمن كان متقدماً في المعرفة وعالماً باللغة أكثر من غيره كان فهمه أقرب لمقاصد النص، لذلك اعتنوا عناية كبيرة بدراسة اللغة وبتدقيق دلالة الألفاظ لأن اللغة عندهم آلة فهم النص والدلالة مركب العبور للارتقاء إلى معرفة مقاصد النص. لذلك نراهم يدققون في فهم الدلالة اللفظية تدقيقاً يبعث على الإعجاب من تمكنهم من الإحاطة بمختلف المعاني التي يدل عليها اللفظ.

وكمثال على ذلك نورد المعاني التي أسندوها لصيغة الأمر كما جاءت عند الآمدي.(8)

هذه الصيغ تصل إلى خمس عشرة صيغة أي خمسة عشر معنىً اتفق أهل الأصول على أنها مجاز ما عدا الطلب والتهديد والإباحة وفي ذلك مسائل فتحدثوا عن:

المندوب والإرساء والوجوب. (ج2/144).

صيغة الأمر العُري من القرائن (ج2/155).

الأمر المتعلق بشرط (ج2/161).

الأمر المطلق (ج2/165).

الأمر بالشيء على التعيين (ج2/170).

ورود صيغة: افعل بعد الحظر وكيف تدل على الوجوب عند البعض وعلى الإباحة عند البعض الآخر (ج2/178).

الأمران المتعاقبان (ج2/184).

إن مثل هذا التدقيق في دلالة صيغة الأمر يدل على وعي عميق بقيمة الدلالة، كما يدل على أن علماء الأصول كانوا واعين بأنهم بصدد تأسيس علم جديد انطلاقاً من استثمار البحوث اللغوية والبيانية السابقة.

هكذا يبدو جلياً أن المرجع الأول لعلم الأصول هو البحث في علاقة اللفظ بالمعنى وهذا البحث جرّهم إلى التعمق في درس اللغة. لقد ناقشوا عديد القضايا اللغوية والبلاغية واستطاعوا أن يضعوا الأسس لنظرية متكاملة في الدلالة بحثاً ومنهجاً تتعالق فيها علوم اللغة وعلم الأصول استخرجوها من تدبُّر النص الديني ومن دراسة الكلمة من حيث الشكل والمعنى، لم يدرسوا الكلمة بصفة منعزلة، بل درسوها كوحدة منضوية تحت نظام، مندرجة ضمن شبكة من العلاقات، وهي رؤية تجعل مختلف العلوم منضوية تحت نظام النحو الذي يؤسس الدلالة ويحقق التواصل، ونظام النحو هو منطلق اللغة الذي يسير مختلف العلاقات التي تربط الكلم بعضه ببعض.

نلاحظ إذن أن علماء الأصول استثمروا ما جاءت به النظرية البيانية العربية وأضافوا إليها ما توصلوا إليه وأدى بهم البحث إلى تطوير نظرية البيان وأسسوا علم الدلالة.

والسؤال الذي نطرحه نحن اليوم هو: هل استفدنا من تجربة علماء الأصول، وهل حاولنا استثمار ما أسسوه في علم الدلالة، أم إننا تركناه جانباً واستوردنا نظريات الغرب في الدلالة وأسقطناها على تراثنا إسقاطاً وجعلناها مثالاً يُحتذى، وعلماً يصعب التوصل إليه؟

إننا نرى أن فيما وصل إليه علماء الأصول من تصنيف لأنواع الدلالة أمراً لافتاً للانتباه ولا يقل قيمة عن محتوى النظريات الغربية الحديثة، لقد اكتشفنا الكثير من نقاط التقاطع بين الفكر اللساني والفكر اللساني الغربي، وهذا أم سنبيّنه في بحث آخر. فهل آن الأوان إذن لاستثمار هذا الموروث الهام والاستفادة مما جاء فيه؟

كانت تجربة علماء الأصول هذه مثالاً سُقناه لنبين أن التأسيس قد يكون مواصلة لما وقع تأسيسه واستثماراً له يؤدي إلى تطويره وجعله مواكباً للحداثة.

والمثال الثاني الذي نسوقه الآن لمناقشة قضية التأسيس في ميدان بكر يتمثل في تأسيس علم المصطلح العربي إبان حركة النهضة العلمية العربية التي اعتمدت بدرجة أولى على تعريب علوم الأمم التي شهدت حضارات متقدمة، ولم تكن حالهم آنذاك بأفضل من حالنا اليوم، إذ كانت الترجمة بالنسبة إليهم عائقاً كبيراً وكانوا بين أمرين: أخذ العلوم بلغتها الأصلية أو تعريبها. فمالت همتهم إلى التعريب واصطدموا بالمشاكل التي تطرحها الترجمة وأهمها: كيف سيؤسسون مصطلحات للتعبير عن المفاهيم العلمية المستحدثة؟ كيف سيؤسسون خطاباً علمياً عربياً؟..

لقد كانوا واعين بأنهم بصدد تأسيس خطاب علمي مستحدث في اللغة ورأوا أن قانون حياة اللغة يقتضي أن تثري اللغة نفسها بنفسها لتواكب ما يجدّ، وتفرض نفسها كأداة بإمكانها أن ترتقي إلى ما يرغب فكر متكلميها في التعبير عنه، فأسسوا ثوابت نظرية لخلق المصطلح قوامها ثلاثة مبادئ أساسية تمثل في:

1-الاتجاه إلى رصيدهم اللغوي يبحثون فيه عن مقابلات للمفاهيم العلمية المنقولة فأسعفتهم اللغة “بما كان العربي يستعمله للتعبير عن واقعه وعما يعتري حياته، من ذلك نجد أسماء النبات وأسماء الحيوانات الموجودة في الرسائل، كرسالة الإبل للأصمعي…”(9).

2-الاتجاه إلى توليد مصطلحات جديدة إن لم يجدوا المقابل لها في الرصيد اللغوي. وللتوليد عندهم مستويان: مستوى عربي فصيح ومستوى أعجمي (والمولّد من الألفاظ هو المستحدث، أي الذي لم يكن موجوداً في معجم اللغة والذي وقع توليده تحت ضغط الحاجة). ولتوليد المصطلح طُرق عديدة يمكن تصنيفها إلى صنفين: توليد شكلي وتوليد دلالي.

يعتمد التوليد الشكلي على ما توفره اللغة من إمكانيات ذاتية للتطور ويتمثل في تغيير شكل الكلمة بالاشتقاق أو بالتركيب أو بالنحت. هذا النوع من التوليد يوقر إمكانيات كبيرة لخلق المصطلح انطلاقاً من الوحدة المعجمية البسيطة ومن التغيرات الشكلية التي تطرأ عليها وفقاً للموازين الصرفية، فهو استحداث في صلب اللغة، اعتماداً على قواعد اللغة.

أما التوليد الدلالي فهو كذلك وسيلة من وسائل الخلق المعجمي ويتم عن طريق تحويل دلالة الألفاظ من معناها الوضعي إلى المعنى الاصطلاحي.

إن الحاجة هي أم الاختراع كما يقال، والحاجة هي التي تدفع الباحث أو الناقل إلى استعمال المجاز لإيجاد المقابل للفظ الذي ينقله. إن إيراد المعنى المقصود بغير اللفظ المعتاد هو اجتهاد يقوم به المترجم حتى يتجاوز ما يعترضه من صعوبات.

3-الاتجاه إلى الاقتراض، ويتفرع إلى الدخيل والمعرب.

هكذا نشأ علم المصطلح العربي وهكذا وضع المترجمون الأوائل الأسس النظرية لاستحداث المصطلحات العلمية حتى تبقى اللغة دوماً تُغني نفسها بنفسها.

لقد كان العلماء العرب مدركين أنهم بصدد تأسيس مصطلحات لم تكن موجودة في لغتهم فأخضعوا اللغة للتعبير عن هذه الإحداثات الجديدة فخضعت لهم واستجابت لرغباتهم الشيء الذي يدل على قدرة العربية على التعبير عن المفاهيم العلمية الدقيقة.

نستنتج مما سبق أن العلماء العرب قد أسهموا في تطوير لغتهم في نفس الوقت الذي كانوا يؤسسون فيه علماً جديداً ويصنعون معرفة غير مألوفة!..

فما هوموقفنا اليوم من هذا الإرث الذي أسسوه؟ كيف نستغله ونطوره لنواكب النهضة العلمية الكونية؟

هل بإمكاننا اليوم أن نستفيد من تجربتهم ونؤسس خطاباً علمياً معاصراً نطوع له لغتنا ونوجد له من تصاريف أوجه الكلام ما به يستطيع أن يعبر عن أدق المعلومات العلمية؟

إن القضية التي تطرح اليوم هي قضية توحيد المصطلح، وإننا نتساءل عن دور مجامع اللغة العربية وعن مواقفها من اختراع المصطلحات والاتفاق على توحيدها وتعميمها، فكيف نستفيد إذن من تجربة السابقين لنبني نهضة علمية ونكتبها بلغة عربية؟ هل نرجع إلى المصطلحات القديمة ونأخذ منها ونحييها ونعمل على تطويرها لمواكبة الحداثة؟ هل نستفيد من المبادئ التي أسسها القدماء لاستحداث المصطلح أم نطرح من جديد قضية التأسيس ونبقى في حلقة مفرغة ونحدث من اللاقضية قضية ونشتت الجهود؟

إن تأسيس علم المصطلح عندنا ليس أحادي المصدر، لأن الوحدة الجغرافية والسياسية متصدعة عند الناطقين بالعربية، بل إن بعض الناطقين بالعربية يتنكرون لانتمائهم العربي ويقاومون فكرة تأسيس علم مصطلح عربي. وإننا نتساءل: بما أن لغة العرب واحدة لماذا لم يؤسس العرب مجمعاً واحداً للغتهم؟

إن تعدد المصطلح الواحد في نفس اللغة يفرق ولا يوحد!.. إن العلماء يجدون أنفسهم اليوم في تمزق: أي مصطلح يستعملون؟

وللخروج من المشكل يهجر علماؤنا في بعض الأحيان اللغة العربية ويكتبون بلغات أجنبية لأنهم يعرفون أن تمرير العلم، باستعمال مصطلحات أجنبية يفهمها كل العرب، أجدى وأنفع. فهم يتوقعون أن الجدوى لا تحدث إذا ما استعملوا مصطلحات عربية، ذلك أن كل بلد عربي تقريباً له مصطلحاته التي أنتجها مجمعه وكمثال على ذلك نسوق اختلاف مصطلحات علم الألسنية من بلد عربي إلى آخر!

لقد كانت اللغة العربية قوية إبان النهضة الفكرية في القرون الإسلامية الأولى فأسست خطاباً علمياً متطوراً. إن اللغة التي أدت هذه المهمة في السابق طوال ثمانية قرون تبدو، في نظرنا، قادرة على تأديتها في الحاضر وبإمكانها استيعاب المفاهيم العلمية الحديثة!..

إن تأسيس وحدة المصطلح يقتضي تأسيس وحدة الأمة، إذن أين يكمن العجز؟.. هل يكمن في اللغة أم في المتكلمين باللغة!..

إننا نوافق ما ذهب إليه الأستاذ المسدي في قوله: “إن مدار الحديث عن قدرة أي لسان من الألسنة على صياغة المصطلح العلمي أو قصوره عنها إنما هو من القضايا الزائفة لأنه إشكال غير ذي موضوع، فما من لغة من لغات البشر إلا وهي في ذاتها مهيأة بالطبع والحيلة لاستيعاب الصوغ الدلالي الجديد عن طريق التوليد الاصطلاحي المستحدث وإنما القدرة أو القصور في أهل اللغة لا في اللغة ذاتها.”(10)

ونحن نرى أن تأسيس نظرية “ما” في علم “ما” يقتضي الرجوع إلى التراث واستثمار ما وقع فيه من تأسيس مادة ومنهجاً بالنقد والإضافة وتدعيم حاصل هذه العملية الإجرائية بالتفاعل مع الواقع الحضاري للأمة والمستجدات الفكرية التي يفرضها العصر والاستفادة مما توصل إليه العلم في الكون والاطلاع على تجارب الغير دون الذوبان فيها، ذلك أن لكل شعب خصائصه الجغرافية والاجتماعية والفكرية، ولكل لغة خصائصها الذاتية وسماتها الخاصة التي يطبعها بها نمط حياة المتكلمين بها.

تطرح اليوم قضية الحداثة والمعاصرة، ولكن الإشكالية التي تعترضنا هي: هل علينا مواكبة الحداثة أم المساهمة في صنعها؟

إن مواكبة الحداثة أمر ضروري ولكن المشاركة في صياغتها أوكد وأجدى!…

الإحالات

1-الجابري محمد عابد: بنية العقل العربي- ط1/ المغرب 1986/ ص:20.

2-نفسه/ نفس الصفحة.

3-الشافعي محمد بن إدريس: “الرسالة” تحقيق أحمد شاكر- ط عيسى الحلبي القاهرة 1358هـ ص:20.

4-عياد محمد الهادي: الخطاب العلمي في التراث: خصائصه الأسلوبية- أطروحة دكتوراه/ مخطوط/ ص:24.

5-توفيق محمود سعيد: دلالة الألفاظ عند الأصوليين- ط1/ مصر 1987/ ص:11.

6-ابن قيم الجوزية: أعلام الموقعين عن رب العالمين- تحقيق طه عبد الرؤوف سعد ط1 بيروت 1993/ ج3/ ص:350.

7-نفس المرجع ص:307.

8-الآمدي علي بن محمد: الإحكام في أصول القرآن- تعليق عبد الرزاق عفيفي- ط2 1402هـ بيروت ج2.

9-ابن مراد إبراهيم: المعجم العلمي العربي المختص حتى منتصف القرن الحادي عشر الهجري، دار الغرب الإسلامي 1993/ ص:92.

ويمكن الاستفادة في هذا الموضوع من كتابي المؤلف:

1-المصطلح الأعجمي في كتب الطب والصيدلة العربية ط/دار الغرب الإسلامي 1985/ حيث حلل طرق توليد المصطلح وعدّد أصنافه وبيّن أصوله بكل دقة.

2-دراسات في المعجم العربي/ ط دار الغرب الإسلامي 1987.

10-المسدى عبد السلام: تأسيس القضية الاصطلاحية- تأليف مجموعة من الأساتذة/ ط بيت الحكمة تونس 1989- مقال: صياغة المصطلح وأسسها النظرية.

مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 81-82

75 Views

عن

إلى الأعلى