الرئيسية / موسوعة دهشة / علوم و تقنية / فلك وفضاء / فهم الكون المرئي لغز دائم

فهم الكون المرئي لغز دائم

فهم الكون المرئي لغز دائم 1 من 4

تساءل عالم الفيزياء وعالم الفلك الشهير هيوبير ريفيز ذات يوم قائلاً:” هل للكون معنى ؟ وجعل هذا السؤال عنواناً لأحد كتبه ، وكان ذلك أيضاً حلم البشرية البعيد المنال، بسبب ما تتمتع به من وعي وذكاء وعقل وتطور علمي وتكنولوجي، أي الحلم المتمثل في أن تتوصل البشرية يوماً ما إلى كشف سر الكون وإدراك المعنى الخفي لوجوده، أي معرفة كيف ولماذا وأين ومتى، المتعلقة بالكون المرئي الذي نعرفه ونرصده وندرسه كل يوم.الكون المرئي يوحي بالتعقيد وهذا المفهوم يقود لحالة الإتقان والفعالية الناجعة، بيد أن هذه الأخيرة لا تؤدي بالضرورة إلى كشف المعنى المستور بل ربما توصلنا إلى اللامعنى علماً بأن سؤال المعنى والجوهر لم يكن مطروقاً قبل ظهور البشرية على ظهر البسيطة، إلا أنه بكل تأكيد من المساءل الجوهرية التي درستها الحضارات الفضائية المتطورة والمتقدمة علينا بملايين السنين والتي يعتقد أنها منتشرة بكثرة في أرجاء كوننا المرئي الشاسعة، كما عبر عن ذلك عدد كبير من فطاحل العلماء في كتبهم ومحاضراتهم ونشاطاتهم العلمية. هناك بين المعنى واللامعنى تتكدس النظريات المتناقضة أو المتكاملة لطرح رؤيتها عن حقيقة الكون وسره المكنون. بعضها يقول أن كل ما في الكون من مكونات، من الذرة وما دونها من جزيئات إلى المجرات وحشود وأكداس المجرات وما بعدها ليس سوى وهم ظاهر يخفي واقعاً مخيفاً، ولكن يبدو الكون المرئي محكماً ومرتباً ومنظماً على نحو دقيق جداً ، وعلى نحو تدرجي وتسلسلي أو مراتبي مقصود سلفاً وبصورة تتعدى مقدرتنا الإدراكية المحدودة. ففي عصر التنوير كان يكفي الفيلسوف كانط أن يرفع نظره إلى السماء المظلمة لكي يرى كوناً منظماً ومتقناً ومتناسقاً يعمل وفقاً لقوانين الطبيعة الضابطة له حسب مبدأ العلة والمعلول والسبب والنتيجة.

إن هذا النظام اللغزي الغامض الذي يجعل الأشياء تبدو كما هو عليه حالها، يستند إلى مجموعة من الثوابت الكونية والفيزيائية الغامضة والتي لا نعرف إلا الجزء اليسير منها كسرعة الضوء والثابت الثقالي وزمن بلانك وكتلة الإلكترون الخ.. لقد أعطيت هذه الثوابت أرقاماً ذات قيم رياضية ثابتة ودقيقة للغاية، إذ أن تلك الأرقام موجودة ومنذ الأزل، أي منذ اللحظة الأولى للانفجار العظيم ولم يفعل الإنسان سوى اكتشافها والتوصل إليها بعد جهد دؤوب. و لا أحد يدري من أين جاءت تلك الأرقام وقيمها والتي بقيت ثابتة منذ بدء الزمن الذي نعرفه. فمن الذي وضعها ومن الذي حددها بتلك القيم الرياضية الدقيقة في الكون المرئي لكي تبدو الأشياء كما هي على صورتها الحالية؟ الذي نعرفه أو بالأحرى نفترضه اليوم، أنه في كل مكان في الكون المرئي، من أبعد مجموعة سديمية وحشود مجراتية إلى أصغر جسيم أو جزيء داخل أجسادنا، لا شيء يفلت من سلطة وتحكم هذه الثوابت الفيزيائية الكونية الشاملة دون أن نعرف من أين جاءت هذه الثوابت ولماذا وضعت ومتى وبأي طريقة ومن قبل من؟ كما أنه ليس بالإمكان التأثير عليها أو تغييرها أو تعديلها، وبفضلها يستقيم كل شيء ولا ينهار أو يتفتت الورق الذي نكتب عليه أو الحاسوب الذي نقرأ من خلاله ما نكتب، ولا يتحول إلى رماد أو غبار.

ويعتقد العلماء بأن هذه الثوابت الفيزيائية هي التي سمحت للكون المرئي بالتطور إلى درجة أنها أتاحت له أن يولد الحياة العاقلة بداخله مما دفع بالعديد من العقول الفذة إلى التفكير بأن هناك مشروع كوني مسبق ومعد سلفاً وليس وليد الصدفة، فلو تغيرت فارزة أو تغير رقم واحد بسيط في تلك القيم والثوابت الكونية، كما يقول عالم الفيزياء الفلكية روبرت ديك ، فإن الكون برمته كما نعرفه، بما في ذلك الحياة المتولدة في داخله، سينعدم وجودهما كلياً ولما كان بالإمكان انبثاقه أو ظهوره. وقد ثبت ذلك من خلال تجارب المحاكاة التي أجريت في هذا المجال على الكومبيوترات العملاقة وكانت النتائج متطابقة مع الاستنتاجات النظرية والرياضية، أي استحالة إجراء أي تغيير أو تعديل مهما كان طفيفاً على تلك الثوابت الفيزيائية والكونية، كثابت سرعة الضوء الذي حدد بــ 299792458 كلم / ثانية، والثابت الثقالي الذي حدد بــ 6،67 و لا أحد يعرف لماذا هذه القيم الرياضية الدقيقة وليس غيرها.

هناك مجموعة أخرى من الثوابت الكونية الغريبة المعروفة باسم الثوابت الخالية من الأبعاد لأن قيمها الرقمية شمولية أي أنها تبقى هي ذاتها أيضاً أياً كان نظام القياس المتبع لحسابها. وقد توصل العلماء إلى أن النموذج القياسي أو المعياري للفيزياء يستند على حوالي العشرين من هذه الثوابت الفيزيائية الجوهرية المكتشفة لحد الآن والخالية من الأبعاد، وأحدها هو ثابت البنية الدقيقة الذي يدير ويتحكم بالقوة الكهرومغناطيسية. تم اكتشاف هذا الثابت سنة 1916 على يد العالم الألماني آرنولد سومرفيلد الذي كان مقرباً من آينشتين وأستاذاً للعالمين الفائزين بجائزة نوبل فولفغانغ بولي و فيرنر هيزنبيرغ ، وتم تأكيده بشكل نهائي سنة 2006 وتحديد قيمته القطعية بواحد مقسوم على 137،035999679 حيث يعطي الرقم التالي 0،0072973525376 ولو تم تغيير عدد واحد من هذا الرقم فسوف تنتفي القوة الكهرومغناطيسية مع ما سيترتب على ذلك من تداعيات كارثية ليست أقلها أن يتوقف الكون المرئي كله عن الوجود وهو الأمر الذي حير عقل العالم الفيزيائي الألماني ماكس بورن الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء سنة 1954 وهو أحد آباء نظرية الكوانتا أو ميكانيك الكم والذي صرح بهذا الخصوص:” لو كان لثابت البنية الدقيقة قيمة أعلى بصورة طفيفة جداً عما هي عليه الآن لما كان بإمكان أحد التمييز بين المادة والعدم، وسيكون من المستحيل الفرز بين قوانين الطبيعة وبالتالي فإن قيمة هذا الثابت هي بكل تأكيد ليست وليدة الصدفة بل هي ناجمة عن أحد قوانين الطبيعة الأزلية. ومن هنا يمكننا القول أن شرح هذا الرقم يجب أن يكون أحد المشاكل أو المساءل المركزية للفلسفة الطبيعية”. وهذا هو أيضاً رأي عالم الفيزياء الشهير ريشارد فينمان حيث عبر عن رأيه بطريقة إيمانية عندما قال :” أعتقد أن يد الله هي التي تقف وراء هذا السر لأن هذا الثابت هو أحد الألغاز الكبرى للفيزياء وهو رقم سحري أعطي للإنسان أو لنقل أتيح له أن يكتشفه دون أن يفهم أي شيء عنه وعن كيفية تحديده وتثبيت لذلك يمكننا أن نقول أن يد الله هي التي خطت هذا الرقم ولا نعرف لماذا و لا متى لكننا نعرف الطقوس التجريبية المتبعة لقياسه، ولا يوجد برنامج حاسوبي كومبيوتري على الأرض كلها قادر على إخراج مثل هذا الرقم.

ولو قسمنا هذا الثابت على الثابت الذي يتحكم بالجاذبية أو الثقالة فسوف نحصل على ثابت جديد من نوع عديم البعد ذو أهمية قصوى ومصيرية وهو الثابت ذو القيمة التالية 1036، والحال أننا لو أسقطنا صفر واحد من هذا الرقم، حسب فينمان، فسوف يتجمد توسع الكون ويبقى الكون محصوراً في حجم ضئيل مما يعني استحالة نشوء الحياة فيه، وإذا أضفنا صفر أو صفرين لهذا الثابت فسول لن يكون بوسع النجوم والكواكب والمجرات أن تتكون أو تتشكل “. أما عالم الفلك والفيزياء الفلكية الانجليزي مارتن ريس فيقول أن الكون المرئي يستند على ستة ثوابت خالية الأبعاد والتي كرس لها العديد من الكتب والأبحاث والتجارب والمحاضرات والمؤتمرات حتى يخيل إلينا أنه كرس لها حياته كلها.

وفي إحدى المرات صرح أمام مجلس اللوردات البريطاني أنه لو مس شخص ما أحد الأعداد في تلك الثوابت الستة الجوهرية فإن ذلك سوف يؤدي إلى اختفاء مجلس اللوردات فوراً عن الوجود ومعه الكون بأكمله. من الثوابت الستة المشار إليها يوجد الثابت الشهير المسمى بالثابت الكوني الذي يشكل أحد أهم المفارقات في الفيزياء المعاصرة والذي يقف وراء درجة الضبط القصوى، إلى حد الإعجاز، للكون المرئي منذ لحظة ولادته إلى يوم الناس هذا وحتى آخر لحظة من حياة الكون المرئي. فالانفجار العظيم، حسب رأي العالم جورج سموت هو الحدث الأكثر كارثية الذي يمكننا تخيله ومع ذلك يبدو في غاية الضبط والتنظيم والتنسيق والهارمونية.

والجدير بالذكر أن قيمة هذا الثابت الكوني هي التي مكنت الكون المرئي لكي يبلغ هذه الدرجة من الكثافة القصوى أو الحرجة المحاذية للقيمة واحد حيث يبدو الكون المرئي بفضلها وكأنه مسطح. وهناك نتيجة مدهشة أخرى لحالة الضبط الكوني القصوى في لحظة الولادة أشار إليها العالم الروسي غاموف والعالم الأمريكي وينبيرغ ، صاحب الكتاب الرائع الدقائق الثلاثة الأولى للكون ، حيث، وحسب هذا العالمان، فإنه بعد مرور 200 ثانية على الانفجار العظيم البيغ بانغ فإن متوسط الكثافة كان يعادل كثافة الماء أي بمعدل غرام واحد لكل سنتمر مكعب مما يعني أن العلاقة بين متوسط الكثافة والكثافة القصوى المشار إليها أعلاه والمسماة أوميغا تختلف بقيمة واحد فقط إلى 10-13 وفي زمن بلانك أي 10-43 كانت قيمة أوميغا مذهلة وقريبة من واحد وهي كالتالي 1،000000000000000000000000000000000000000000000000000000000001 وهي قيمة كما نرى قريبة من واحد بحيث لا يمكن أن تكون بفعل الصدفة وبالتالي يحق لنا القول أن شيئاً ما أرغم الأوميغا أن تكون قريبة جداً من واحد وبأن هذا الشيء يمكن أن يكون هو الثابت الكوني ، ولكن لماذا وصل الثابت الكوني بقيمته إلى هذا الرقم بالذات وليس إلى رقم آخر؟

هناك حالة من التعادل والتوازن بين المساهمات الإيجابية الناجمة عن القوى الجوهرية الأربعة الجاذبية أو الثقالة، والكهرومغناطيسية، والقوة النووية الضعيفة، والقوة النووية الشديدة والمساهمات السلبية الناجمة عن المادة وهي تنفي أو تفني بعضها البعض إلى حدود أو درجة الكسر العشري 120، مما يعني حسب وحدات بلانك القياسية أن الثابت الكوني المذكور يحدد بصفر وبعده فارزة وبعدها 119 صفر إلى أن نصل إلى الرقم صفر في الصف الــ 120، وبعيداً عن وجع الرأس بهذه الأرقام والحسابات الرياضية المدوخة، من شبه المستحيل أن يصل الثابت الكوني هذا إلى هذه القيمة بمحض الصدفة، وإن نسبة وقوعه على هذه القيمة هي واحد من 20 مليار، وهذه أرقام فلكية يصعب تصورها من قبل القاريء الكريم. فلو كان هناك صفر أكثر لتمدد الكون بسرعة أكبر كثيراً من سرعته التي قسناها ولما توفر له الوقت اللازم لتشكل النجوم والمجرات، ولو كان هناك صفر أقل لانهار الكون على نفسه فور ولادته. لذلك يطرح السؤال الأزلي الدائم هل ظهر الكون هكذا ذاتياً وبفعل الصدفة أم أن هناك خطة محكمة ومسبقة تقف وراء ظهوره وبالتالي توجد قوانين خفية لم نكتشفها بعد هي التي تجعل المادة، في سياق ظروف معينة من الطاقة، تدفع المادة لتنظيم نفسها لكي تصل إلى درجة المادة الحية.

لقد كرس عالم الكيمياء الحائز على جائزة نوبل سنة 1977 إليا بريجونين جزءاً كبيراً من حياته العلمية لكي يثبت وجود نوع من التركيبة واللحمة أو النسيج المستمر الذي يجمع ويوحد بين الجماد أو المادة الجامدة والمادة التي توجد في الحالة التي تسبق الشيء الحي والمستوى الحي أو المادة الحية. فالمادة حسب هذا العالم المتخصص تنمو من خلال الفعل البنيوي إلى تنظيم وبناء ذاتها بذاتها لكي تغدو مادة حية وعضوية على عكس ما أسماه العالم بريجونين بالبنية العاصية أو الطائشة. فهو يعتقد أن الكون المرئي ليس فقط كم هائل من مادة النجوم والكواكب فحسب، بل هو بالأخص تنظيم مذهل وتراتبي يقود حتماً وبالضرورة قسم من الجزئيات والخلايا الجامدة نحو الحياة. بعبارة أخرى تبدو الحياة وكأنها التعبير الضروري لكون ينطوي على إمكانية أن تكون الخلايا البسيطة فيه قابلة لكي تنظم نفسها في أنظمة أكثر تعقيداً وتركيباً إلى أن تولد الحياة بداخلها أو توجد العنصر الحي الذي ينبثق منها.

أما العالم الفيزيائي الأمريكي من أصل انجليزي فريمان ديسون فقد مضى خطوة أعمق في حدسه وهو المعروف عنه أنه الأب الحقيقي لمفهوم الكروموديناميك الكوانتي أو الكمومي وقال:” كلما حللت ودرست الكون أكثر فأكثر وتعمقت في تفاصيل هيكليته أو معماريته كلما عثرت على دلائل وقرائن تقول لنا أن الكون يعمل وكأنه” يعرف” مسبقاً بأننا سوف نظهر فيه ككائنات عاقلة وذكية ومفكرة وواعية. وهناك أمثلة كثيرة وملفتة للانتباه في قوانين الفيزياء النووية تتخللها حوادث وتغيرات رقمية تبدو وكأنها تتواطأ من أجل جعل الكون قابلاً للحياة ويمكن العيش فيه. وبخصوص هذا النظام اللغزي الغامض الممتد داخل الواقع، يعتقد علماء كبار من أمثال ستيفن هاوكنغ وفريمان ديسون وغيرهم، أن قوة الثقالة أو الجاذبية النووية كامنة بقدر كافي لكي تكون معادلة أو معارضة لقوة النبذ الكهربائي التي تحدث بين الشحنات الموجية للنواتات أو نوى الذرات الاعتيادية كذرات الحديد أو الأوكسجين. وهناك حوادث ومتغيرات أخرى محظوظة في الفيزياء الذرية وبدون هذه الحوادث والطوارئ ما كان بإمكان الماء بصيغته السائلة أن يوجد، ولا لسلسلة ذرات الكاربون أن تتركب أو تتجمع بصورة معينة على شكل خلايا عضوية مركبة ومعقدة ، ولا كان بإمكان ذرات الهيدروجين أن تلعب دور الجسور الرابطة بين الخلايات.

لذلك وبفضل كل هذه الحوادث الفيزيائية والفلكية يصبح الكون المرئي مكاناً حاضناً للمخلوقات الحية حتماً، وهنا يعقب العالم فريمان ديسون قائلاً :” إنني كعالم عقلاني يتحدث بلغة القرن العشرين وليس بلغة القرن الثامن عشر، لا أدعي أن هيكيلية أو معمارية الكون المنظمة والمتجانسة جداً تشكل دليلاً قطعياً على وجود الله بل أقول فقط أن هذه المعمارية أو الهيكيلية المذهلة والمتناسقة والمنتظمة تتوافق وتتساوق أو تتلائم مع الفرضية التي تقول أن ” الروح ” تلعب دوراً جوهرياً في وظيفة وطبيعة عمل الكون المرئي.

وأعتقد أن الكون يميل أو يهدف التوجه نحو الحياة والوعي وأن هناك معنى خفي يبرر وجوده والدليل على ذلك أننا موجودون فيه لنراقب ونرصد وندرستكوبنه ونتعاطى أو نتفهم وندرك جماليته الهارمونية المتناسقة. ولكن علي أن أعترف أن هذا الرأي هو من اختصاص الميتافيزيقيا وليس طريقة تفكير علمية بحتة. لذلك وعلى عكس ما روج له عالم الأحياء البيولوجي الفرنسي الشهير جاك مونود بما أسماه فكرة الصدفة الكونية فإن الحياة لا تبدو وكأنها ناتجة عن سلسلة من الحوادث التي وقعت صدفة. فالعالم جيمس غاردنر لا يعتقد بأن الأنظمة المعقدة والمركبة في الكون، كالحياة، ظهرت بفعل الصدفة في الكون المرئي حيث من شبه المستحيل تخيل أن تقوم طائرة بوينغ 747 بصنع نفسها وتجميع مكوناتها ذاتياً وعفوياً داخل حزام النيازك انطلاقاً من المواد المحيطة المتوفرة حتى لو استغرق مثل هذا الحدث زمناً لا نهائياً.

أي أن كل شيء يبدو وكأنه محضر سلفاً وبعناية ودقة لا متناهية ومنظم تماماً داخل مسرح الكون لكي يتيح ظهور الوعي والعقل والذكاء أي الحياة العاقلة المنتشرة على مسرح الكون وعلى نحو منظم مقصود ومن مادة مرتبة حيث يظهر من خلالها الحياة والوعي. إن هذا الضبط والتنظيم الدقيق والمذهل يسمح لنا بالاعتقاد بوجد ذكاء لا محدود مدبر ومنشيء ، متسامي وعظيم ومتعالي ومتفوق على واقعنا وربما يكون هذا الذكاء أو العقل الأول هو الذي قصده آينشتين سنة 1936 عندما أجاب برسالة على سؤال لأحد الأطفال الذي سأله هل يعتقد بوجود الله وقال فيها :” كل من كان معنياً بشكل جدي بالعالم سيفهمون يوماً ما أن هناك ” روح تتموضع خلف قوانين الطبيعة الجوهرية، وهي ماهية أكبر بكثير مما يمكن أن يتخيله أحد من بني البشر.

فهم الكون المرئي اللغز الدائم 2 من 4

غالباً ما اعتبر العلم التقليدي بعض المواضيع والنظريات خطرة لاعتبارات كثيرة وعلى رأس هذه المواضيع تأتي مسألة أصل الكون وعلى نحو أخص وأدق التكهنات والتأملات والنظريات التي تفكر وتنظر ملياً فيما يتعلق بما حدث قبل وقوع الانفجار العظيم، والمقصود هنا اللحظة التي سبقت زمن بلانك وفي المكان الذي يقع وراء جدار بلانك ، أي الحدود القصوى التي تفصل عالمنا المادي عما قبله، وهذا من الألغاز الدائمة في الكون المرئي. وبهذا الصدد نشر الصحافي المتخصص بالعلوم جون بيز على موقعه الالكتروني الخاص سنة 1997 قائمة مثيرة تحت عنوان ” أسئلة مفتوحة في الفيزياء ” وكان أو تلك الأسئلة المفتوحة هو السؤال المتعلق بــ ” اللحظة الصفر والنقطة الصفر فما الذي حدث ” قبل البيغ بانغ أي الانفجار العظيم؟ وهل توجد حقاً ما عرف بــ ” الفرادة الأصلية أو الأساسية ” ؟

إنقسم العلماء حول هذين السؤالين بين رافضين متشددين لهما حيث اعتبروهما فاقدين للمعنى ولا معنى لطرحهما، وآخرون متحمسين لهما اعتبروهما يمثلان فتحاً جديداً في البحوث العلمية الفيزيائية والكوزمولوجية، بينما يتفق الجميع تقريباً على أنه حصل في ماضي كوننا المرئي انفجار عظيم انطلاقاً من ” ذرة بدائية أو أولية ” كانت أصغر من أصغر مكون من مكونات الذرة التي نعرفها اليوم بملايين ملايين المرات والتي تقع على حدود جدار بلانك. ولكن كيف يقيض للبشر تصور أو إدراك واستيعاب وتقبل أن هذا الكون المرئي الشاسع نشأ من تلك النقطة السحرية ؟ وهل كان هناك شيء ما قبلها؟ يقول البعض أن بوسع العلم الإجابة على ذلك والكشف عن تلك الفرادة وإنها تعتبر الأمر الأهم في الوجود برمته لأنها كانت الأصل في كل ما نعرفه اليوم وما سنعرفه غداً وهي مسألة وقت ليس إلا.

إن تبني أطروحة ” الفرادة الكونية ” يطرح مشكلة حول علة وسبب تلك الفرادة. وإن ما يعرف اليوم بالمسائل والحلول الفريدة أو التي تتصف بالفرادة ظهرت من جراء محاولات تزويج نظريتين عنوة هيمنتا على العالم لمدة تزيد على القرن وأعني بهما نظرية النسبية التي تبحث في المستويات الكبرى وفي اللامتناهي في الكبر، أي الكون المرئي، ونظرية الكم أو الكوانتا والمعروفة بالميكانيك الكمومي أو الكوانتي والتي تبحث في المستويات ما دون الذرية وفي اللامتناهي في الصغر.

كان ألبيرت آينشتين قد صاغ نظريته النسبية في بداية القرن العشرين وبالتحديد بين 1905 و 1915 بشطريها الخاصة والعامة وفي بداية عشرينات القرن الماضي أيضاً صاغ علماء كبار معاصرون لآينشتين أمثال ديراك وهيزنبيرغ على سبيل المثال لا الحصر إلى جانب بور وبولي وغيرهم، نظرية الكم أو الكوانتا النسبية عن الضوء والمادة، والتي عرفت باسم الكهروديناميك الكوانتي أو الكمومي التي ما تزال إلى اليوم تبحث وتدرس في العديد من المختبرات والجامعات العلمية رغم أن هذه النظرية تقود إلى ما يمكن تشبيهه بالكوارث الحسابية أو الرياضية وتفرض حلولاً فرادية، أي تفرز مجموعة من الفراداتالعويصة. والأنكى من ذلك إن عالمي الفيزياء والرياضيات روجر بينروز وستيفن هاوكينغ أثبتا على نحو مقنع في ستينات وسبعينات القرن المنصرم أن الفرادات تعشش في كل بقعة من الزمكان بمجرد أن يصبح هذا الزمكان حلاً لمعادلات نسبية آينشيتن.

كل النظريات الفرادية والنماذج الكونية الكبرى التي تتعاطى مع كون في حالة تمدد وتوسع تقود إلى فرادة في لحظة الصفر وهذا يخلق معضلة تقف عقبة أمام عملية توحيد النظريات القائمة والتوصل إلى النظرية الموحدة والجامعة والشاملة أي النظرية الكلية. من البديهي التفكير أن أغلب العلماء يتمنون صياغة نماذج كونية بدون فرادة إلا أن أبحاث بينروز وهاوكينغ وإيلي أجهضت كل أمل في حل المشكلة بدون إعادة النظرة بالمفاهيم السابقة ومراجعة كافة القوانين الجوهرية وبالتالي بات من المحتم البحث عن مخرج آخر وكان لا بد من اجتياز حاجز أو جدار بلانك للخروج من هذا المأزق العلمي وبلوغ نقطة الصفر لرؤية ماذا حدث بالضبط عندها وكيف حدث.

قال العالم الفيزيائي الفذ جون ويلر بهذا الصدد سنة 1973 :” عندما نفكر ونتأمل في أسس الفيزياء من وجهة نظر كوزمولوجية كونية نجد أنه لا توجد مسألة أعمق من معرفة ما سبق الانفجار العظيم، أي تلك الحالة الأصلية من الحرارة والضغط والكثافة اللانهائية لكننا ومع الأسف لم نقترب من إيجاد حلول لهذه المعضلة وربما لن نعثر على أي حل لها إلى الأبد”. وبعد مرور ما يقرب النصف قرن على هذا الكلام ما زلنا في نفس الموقف ولم يتحقق أي تقدم علمي ملموس يذكر في هذا المجال سوى فكرة الــ KMS التي اقترحها التوأمان الفرنسيان من أصل روسي إيغور

وغريشكا بوغدانوف في أطروحتيهما لنيل الدكتوراه في الفيزياء والرياضيات والتي عالجت حالة التوازن الحراري للأنظمة الكوانتية أما إسم النظرية الـ Kms فهو مأخوذ من الحروف الأولى لثلاثة علماء كانوا من أوائل من بحث

في الظروف والشروط التي سبقت البيغ بانغ الانفجار العظيم وهم كوبو و مارتان وشوينغر. لا بد من التذكير مرة أخرى بأن الفيزياء الحديثة تستند في نظرياتها على عدد من الثوابت الجوهرية وإن أحد هذه الثوابت هو ثابت بلانك وهو الذي يقيم نوعاً من الحدود بين الظواهر الكلاسيكية والظواهر الكمومية أو الكوانتية.

وبجانبه ثابت آخر هو الثابت الثقالي الذي يقيس أو يحدد قوة الجذب في الثقالة أو الجاذبية ، وبالطبع هناك الثابت الأشهر ألا وهو ثابت سرعة الضوء علما بأن هناك من يقول اليوم بعدة سرعات للضوء وهو الثابت الذي يحدد الحدود بين نظريات غاليلو نيوتن ونظريات مينكوفسكي آينشتين. ولو ربطنا بين هذه الثوابت فإنها ستشكل ما نسميه بالطول الكوانتي أو الكمومي وهو قيمة رياضية تشكل جداراً بين المكان الكلاسيكي و المكان الكوانتي أو الكمومي وكذلك تشكل فاصلاً بين الزمن الواقعي والزمن الخيالي أو المتخيل.

المكان الكلاسيكي هو المكان الذي نعرفه ونعيش فيه أما المكان الكوانتي أو الكمومي فهو الذي لا يمكن أن نراه أبداً ناهيك أن نعيش فيه ولا يمكن لأحد أن يدرك أبعاده إلا بالحدس والحسابات الرياضية التجريدية ولو حاولنا تخيله فيمكننا أن نصفه برغوة أو مجاج يغلي وفي غاية الاضطراب والفوضى والتشوش حيث تلتقي بقع من المكان الافتراضي وتفترق بلا انقطاع، وهو مكان تغيب فيه مفاهيم وأبعاد الطول والعرض والارتفاع والشكل حيث تغدو مفاهيماً ليس لها معنى محدد إضافة إلى أن نقاط الربط بين المناطق المتباعدة فيه رغم وجودها في عالم اللامتناهي في الصغر تحدث عبر جسور أو ثقوب دودية وهي تتشكل وتختفي بسرعة مذهلة، وإن مختلف التكوينات والتراكيب أو التشكيلات المختلفة متجاورة تتعايش آنياً ولحظياً ، وبلغة الرياضيات ينبغي وصف هذا المكان الكوانتي أو الكمومي بأدوات الهندسة اللاتبادلية أو اللاتعاكسية التي تستند على أرضية أرسطية أو قوة كامنة إحتمالية تتطلع للوجود الحقيقي بديلاً عن حقائق مرصودة وهذه المسائل تمس الأسرار الأكثر جوهرية وإدهاشاً في كوننا المرئي لا سيما الواقع الذي نعيش في داخله، أي اكتشاف مفاتيح ستتيح لنا يوماً ما الولوج إلى تلك الأسرار التي ستمنح الحرية للبشرية جمعاء في الوقت الحاضر أي في بداية العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين بالرغم من أن المشكلة الأساسية ما تزال قائمة ألا وهي استحالة التوحيد بين اللامتناهي في الصغر ” العالم الكمومي أو الكوانتي و العالم اللامتناهي في الكبر ” العالم النسبوي وهو الكون المرئي بمجموعه والحال تقدم نظرية الكون الحي والمطلق التي سنتطرق لها بالتفصيل لاحقاً أرضية ممكنة للتوحيد باعتبار أن هذين العالمين يشكلان معاً مجرد جسيم مادون ذري بالنسبة لمكونات وأبعاد هذا الكون الحي والمطلق والدائم التطور والخلق، والذي ليس له بداية ولا نهاية ولا حدود، ومكوناته مادية وغير مادية، أو من مواد مجهولة الماهية بالنسبة للبشر، رغم أن هذه اللوحة تندرج في نطاق الميتافيزيقيا وليس في مجال الطرح العلمي في الوقت الحاضر لنعد إلى آخر فكرة حديثة في الفيزياء الحديثة التي أطلقنا عليها نظرية الـ Kmsحيث كانت هناك محاولات أولية مستلهمة من أفكار قديمة لعالمين فيزيائيين هما ثيودور

كالوزا و كلاين عندما نجحا في توحيد القوة الكهرومغناطيسية مع النسبية مما قادهما إلى أبعاد أخرى للزمكان غير آبيلية الآبيلية هي صفة دالات أدخلها العالم الرياضي آبيل في التحليلات والمعادلات الرياضية الخاصة حيث عرفت بإسم مجموعة آبيلية الرياضية أو بالمجموعة التبادلية وهي أبعاد خفية وغير مرئية ، وأضافا ذلك لنظريات الـ الجوج ويجدر بنا القول أن كالوزا تمكن منذ سنة 1921 من التوحيد بين النسبية والكهرومغناطيسية بإضافة بعد إضافي آخر للمكان سماه البعد الخامس.

وفي سنة 1981 نشر العالم الفيزيائي والرياضي الذائع الصيت إدوارد ويتن ، وهو أحد أهم أساتذة نظرية الأوتار، نشر مقاله التأسيسي الذي استلهم فيه الأفكار القديمة لكالوزا. على أمل أنه، فيما يتجاوز أو يتعدى الأبعاد الأربعة المعروفة وهي الطول والعرض والارتفاع والزمن للزمكان الاينشتيني ستبدو النظريات الكوانتية أقل تناقضاً وأكثر طواعية.واليوم، وبعد أن فشلت أغلب المحاولات والنظريات بما فيها نظرية الأوتار الفائقة والنظرية م بات من الضروري إدخال تعديلات وإجراء تطويرات جوهرية على النظرية الكوانتية لتحفيز وتطوير وحل مشكلات الديناميك الكوانتي.

يتبع..

عن aljashamy