النیروز في الثقافة العباسیة

النیروز في الثقافة العباسیة
زهرا رنجبر زاده

الموجز

إن الصلات بین العرب والفرس ترجع إلی زمن قدم سابق علی الاسلام، وذل˜ بسبب الجوار بین البلاد العربیة والایرانیة والاختلاط والتبادل والمشار˜ة في الحیاة الاجتماعیة والاقتصادیة بین شعوبها، مما یؤدي إلی الترابط والتعاون بین الأمم، ویدفع إلی تأثیر الشعوب بعضها في بعض،ان الفرس اثروا في العرب وتأثروا بهم سواء في اللغة والثقافة أو في السنن والآداب أو في التقالید والعادات. ومما لا ش˜ّ فیه أنّ النوروز وإن ˜انت تمتدّ اصوله إلی أبعد من التاریخ المدّون، ول˜ن تخلّي عما علق به معتقدات الزردشتیة بعد أن إتخذ لوناً اسلامیاً واضحاً وارتبط بالمعاني الروحیة السامیة التي تصل الانسان بما اسمی مما یعیش فیه. ان النوروز أ˜ثر الاعیاد شهرة في التاریخ، وابعدها صیتاً، واقواها تأثیراً في الشعوب العربیة ، ذل˜ العید الذي خلقته البیئة الایرانیة منذ أقدم العصور، وظل خالداً علی الدهر في العهود الإسلامیة حتی وصل إلی زماننا هذا. ˜ذل˜ ˜ان النوروز أثر بارز في الادب العربي ˜ما تر˜ العلماء والادباء تراثاً قیماً من روائع الشعر والنثر عند حلوله في ˜لّ عام، وهی ˜لّها تشهد الاهتمام البالغ الذي یواجهه رجال الف˜ر والادب إلی النوروز.

المقدمة

إهتم أدباء العرب بالاعیاد الفارسیة إهتماماً بالغاً ، فسجلت ˜تب التاریخ والأدب هذه الأعیاد بصورة دقیقة مبینة سننها وعادات أقوامها وما فیها من طقوس .وصّوروها علی أنّها رمز للخیر والمحبة والوفاق والحوار ، ولم ینظروا إلیها علی أنها أعیاد لیست لها صلة بالاسلام وأنها عائد إلی العقائد الفارسیة القدیمة . لذل˜ رووا أجمل قصائدهم في مناسباتها ،وزیّنوا بها دواوینهم و˜تبهم،ویظهرلنا جلیلاً من التاریخ أن عظماء المسلمین والخلفاء والسلاطین والامراء ˜انوا یقیمون الاحتفالات في هذه المواسم علی أنها أعیاد مبار˜ة لا أعیاد لا تمتّ إلی الاسلام بصلة . والاّ ˜ان ذل˜ طعناً في إسلام من أجمع المسلمون یلي المسلمون علی صحۀ إسلامهم ،وسلامة عقیدتهم ،واستقامة سیرتهم وفي هذا تبیین للتفاعل الثقافي والحضاري الذي حدث بین العرب والفرس عن طریق أعیادهم ،وهذا التفاعل بین الامتین العربیة والفارسیة یمثل واحدة من أفضل التجارب الانسانیة التي حصلت بین شعوب العام من النواحي الثقافیة والحضاریة والاجتماعیة والسیاسیة والدینیة . وبهذا الاتصال الروحي والعقلی استطاعت الامتنان أن تشّیدا صرحاً عظیماً والحضارة إنسانیة نهلت منها الأمم الأخری. منحت الأعیاد الفارسیة أدباء العرب ثروة عظیمة في مجال الادب .ففي هذا المجال ˜انت تنشد المئات من القصائد الشعریة الرائعة یتغني فیها أصحابها بجمال الطبیعة وما یوا˜بها من عطاء وبر˜ة ، ˜ما تجلّی ذل˜ في الاعداد الهائلة من المقطوعات النثریة ،حتی اصبحت تش˜ل باباً مستقلاً من أبواب الأدب ،بحیث یم˜ن أن ی˜ون موضوعاً خصباً لدراسة الدارسین والباحثین یطرحون فیه نظراتهم وتحلیلاتهم .

النوروز في اللغة والاصطلاح

النوروز في اللغة والاصطلاح «نوروز» ˜لمة فارسیة مر˜بة من لفظین :أولهما- «نو»بفتح النونوضمها اي «الجدید»وثانیهما-«روز»أي «الیوم».إذن ف˜لمة«نوروز»في اللغي تأتي بمعني «الیوم الجدید» وأما في إصطلاح فطلق علی عید رأس السنة الفارسیة الذي یقع في الیوم الاول من شهرفروردین الموافق 21مارس(آذار)أي فصل الربیع . [1] إقترن لفظ (نوروز عبر القرون تسمیات عدیدة والاصل البهلوي لهذه ال˜لمة«نو˜ روز» أو نو روز . [2]امّاالجوالیقي فیقول:«النیروز والنوروز فارسي معّرب» [3] وقد وردت ال˜لمة بهاتین الصیغتین في النصوص العربیة،وان ˜انت ˜لمة«النیروز » أ˜ثر استعمالاً.یقول جریر في هجو الاخطل:عجبتُ لفخرالتغلبي وتغلبُ تُودّي جزيا لنیرو ز خُضعأ رقابها [4]
الأصل النوروز

النوروز موغل فيقدیم ؛إذ یذهب بعض الباحثین إلي أن بدء لاحتفال به إنّما ˜ان في القرن الثالث عشر قبل میلاد المسیح [5]

إختلف المورخون في سبب اتخاذهم لهذا العید ،فیقال إنه لما ولی جمشاد ،سمي الیوم الذي مل˜ فیه نوروز. وقیل الصا بئة ظهرت في أیام طهمورث،فلما مل˜ جمشید جدد الدین فجعل یوم مل˜ه عیداً [6]

قال الطبري المتوفی،سنة (310ه/922م)في ˜تابه الرسل والملو˜ بشأن النوروز ومنشئه “أما علماء الفرس فانّهم قالوا:مل˜ بعد طهمورث جم الشید ،وهو اخو طهمورث وقیل:انه مل˜ الاقالیم السبع ˜لها وسخر ما فیها من الجن والانس ،وفقد علي راسه التاج ثم أمر فصنعت له عجلة من زجاج ،فصفد فیها الشیاطین ور˜بها ،واقبل علیه في الهواء من بلده،من دنباوند إلي بابل في یوم واحد. [7]

وذ˜ر الالوسي في ˜تابه بلوغ الأرب في معرفة الأحوال العرب بشأن النوروز فقال: “و هي ˜ثیرة جداً [أعیاد الفرس] فأماالنیروز فهو تعریب نوروز وهو أعظم أعیادهم .إن اول من اتخذ جمشاد أحد ملو˜ الطبقة الاول من الفرس وهذا الاسم في الاصل مر˜ب من جم وهو القمر وشاذ وهو الشعاع والضیاء وسبب اتخاذهم لهذا الیوم عیداً،إنّ (طهمورث) لما هل˜ مل˜ بعده جمشاد فسمی الیوم الذي مل˜ فیه نوروزاً اي الیوم الجدید” . [8]

جاء في ˜تاب «نوروزنامه »المنسوب إلی الخیام ” طبقاً للحساب الذي یعمل به في عهد ˜یومرث ،علم ان شهر فروردین یتأخر ˜ل سنة عدة ساعات عن موضعه الاصلي، ثم یعود بعد مرور 1461 سنة إلی الموضع الذي هو عبارة عن نقطة الاعتدال الربیعي ومنذ اوجد ˜یومرث حساب السنة الشمسیة إلی نهایة سنة 421 وهي المدة التي ح˜م فیها جمشید،إنتهت فترة 1461 سنة المذ˜ورة ،وعاد فروردین إلی موضعه الاول في برج الحمل.ولأن جمشید قد أدر˜ هذا الیوم ،وسماه «نوروز»وأمر الناس بالاحتفال به عند ما یحل شهر فروردین الجدید في ˜ل سنة فاعتبروا ذل˜ الیوم.” [9]

إن النوروز،˜ما اتضح في اللغة إنّه یوم جدید.جدیدٌ،لأنّه أول یوم من أیام السنة الفارسیة.جدیدٌ ،لانّه اول یوم من أیام الربیع .جدیدٌ،لانه الیوم الذي یتعادل فیه اللیل والنهار. جدیدٌ ،لانه دخل في طور احیاء الطبیعة وایجاد الحر˜ة الاستمراریة والتفتح في الطبیعة.جدیدٌ، لان الطبیعة جعلت نفسها في خدمة الانسان . [10]

نوروز الخاصة ونوروز العامة

“یستمر هذا العید ستة أیام یسمی أولها «النوروز الصغیر » أو «نوروز العامة» وهو الیوم الأول من شهر فروردین عند نزول شمس أول الحمل والدعي إلی تسمیته بالنوروز إن الله تعالی فیه خلق العالم والانسان الاول وفیه جرّت جمیع ال˜وا˜ب في برج الحمل وفیه أخذت التدور ” [11]

اُطلق علی نوروز الخاصة بـ«النوروزال˜بیر» و«الاحتفال ال˜بیر» و«نوروز المل˜» والسبب في جعل هذا الیوم نوروزاً خاصاً إن المل˜ جمشید لما جلس علی سریر سلطنته استدعی إلیه جمیع أر˜ان دولته وخواص دائرة سلطنته وسّن علیهم قواعد حسنه وقوانین مستحسنه أو یجمع وزرائه لیحثهم علی فعل الخیر ویأمرهم بالاحسان إلی الناس وإقامة العدل بینهم. [12] وبین نوروز الخاصة ونوروز العامة والتي تستغرق ستة أیام یقضون حاجات الناس ویطلقون سراح المسجونین،ویعفون عن المجرمین، ویع˜فون علی اللهو والطرب. و˜ان النوروز رمزاً للعدالة والمساواة والاخلاق. هذه هي السنن والتقالید والعادات الفارسیة التي ˜انت ترافق النوروز قبل الاسلام. [13]

موقف الخلفاء العباسیین من النیروز

شار˜ الخلفاء العباسیون في إحیاء شعائر النوروز، وادخلوا سننه إلی قصورهم، واعتبروه عیداً رسمیاً یحتفل به ˜ل عا م واغتنم الشعراء والخطباء والندماء حلول عید النوروز لیشار˜وا خلفاهم في إقامة شعائره. [14] من سنن التي ظهرت في العصر العباسي هي: إشعال النار وصب الماء وتقدیم الهدایاء وإقامة مجالس الطرب.

إشعال النار وصب الماء

بدأ الناس یوقدون النیران لیلة العید ویصبون الماء في صبیحة ˜ما ˜ان متبعاً عند الفرس. ولم یبحث الناس عن سبب صب الماء أو إشعال النار، بل ˜انوا یحبون شعائر للتسلیة وقضاء الوقت والسخریة. فلقد منع الخلیفة المعتضد في سنة 282 ه. إضرام النیران لیلة النوروز وصب الماء في صبیحته، ول˜نه تراجع عن قراره، ولم نعرف سبباً لذل˜ وسمح للناس بوقود النیران وصب الماء. وهذا التراجع المفاجيء، شجع الناس أن یخرجوا علی المألوف ویصبوا الماء علی اصحاب الشرطة أنفسهم . [15]

قال الطبري في حوادث سنة 282 ه بشأن ایقاد النار وصب الماء.”في یوم الاربعاء لثلاث خلون من جمادي الاول، ولاحدي عشر لیلة خلت من حزیران، نودي في الارباع والاسواق ببغداد بالنهي عن وقود النیران لیلة النیروز، وعن صب الماء في یومه ونودي بمثل، ذل˜ في یوم الخمیس .فلما ˜انت عشیة یوم الج˜عة نودي علی باب سعید بن ی˜سین صاحب الشرطة بالجانب الشرقي من مدینة الاسلام، بأن أمیر المومنین قد اطلق للناس في وقود النیران، وصب الماء ففعلت العامة من ذل˜ ما جاوز الحد، حتي صبّوا الماء علی أصحاب الشرطة في مجلس الجسر. [16]
إغتنم الشعراء فرصة ایقاد النار وصبّ الماء لیعبروا عن أمانیهم واشواقهم الصادرة من أعماق قلوبهم بصدق وصراحة وباسلوب بسیط وجمیل . وصف ˜شاجم نفسه في هذا الیوم السعید، والسنة فیه أن یوقد النار ویصب الماء ول˜نه وحید بعید عن أحبائه وقلبه من الحب ˜لهیب من النار شوقاً إلیهم ، وتفیض الدموع من عینیه لعلها تطفيء نار قلبه، فأنشد: [17]

لما رأیت النوروز سنته
صبّ میاه وشب نیران
نوروزت وحدی والشوق یقلقني
بنار قلبي وماء اجفان

الهدایا

إن من السنن الفارسیة القدیمة هي تقدیم الهدایا یوم النوروز من جمیع طبقات الناس إلی المل˜ و˜ذل˜ الع˜س، وعادت تل˜ السنة القدیمة إلی الظهور في العصر العباسي، وبدأ الأمراء والشعراء والخطباء یهدون الهدایا الثمینة إلی الخلفاء و˜ان الخلفاء یقابلونهم بهدایا أ˜ثر ˜انت ذات تأثیر أ˜بر في نفوسهم ˜ما قال الشاعر في وصف الهدیة [18]

إن الهدّیة حلوةٌ
˜السّحرتجتلبُ قلوباً
توني البغیض من الهوی
حتّی تصّیره قریباً
وتُعیدُ مضطغنّ العدا
وة بعد نقرته جسیاً

والنوروز، هو یوم المحبة، ولقاء الأحبة، وهو الیوم الذي تتأفی فیه القلوب، وتسود المحبة بین الناس، فیتبادلون أجمل واعلی الهدایا التي تزید العید بهجة وحبوراً. إهدی أحمد بن یوسف ال˜اتب إلی المأمون سفطاً من الذهب، فیه عود هندي في طوله وعرضه و ˜تب معها هذا یوم جرت فیه العادة بألطاف العید والسعادة فقال : [19]

علی العبد حقٌّ فهو لابدّ فاعله
وإن عظم المولی وجلت فضائلُهُ
الم ترنا نُهديإلی الله ماله
وإن ˜ان عنهُ ذا غني فهو قابلُهُ

ولم ینحصر تقدیم الهدایا بین الخلفاء والوزراء والشعراء فقط، وإنما ˜انت هذا السنة بین الناس ایضاً وتسابقوا إلی الاحتفال به، واحیوا فیه ما ˜ان معروفاً عند الفرس القدماء من عادات ˜عادة ایقاد النیران وعادة التهادي [20]

مجالس الطرب والغناء

من السنن الفارسیة القدیمة التي ظهرت في العصر العباسي، إقامة مجالس الطرب والغناء. و˜ان الخلفاء والشعراء والناس یفرحون بحلول عید النوروز، لما یوا˜به من روعة جمال الطبیعة ولما یرافقه من فرح وحبور وسرور، في إقامة مجالس الطرب وسماع الأصوات الجمیلة والألحان العذبة التي ˜ان یقدمها الماجنون، و˜ان یرافق ذل˜ الجو ˜ووس الخمر التي ˜انت تضفي علی الجو نشوة وسروراً. وجعل ابن الحجاج للنوروز حقوقاً ورسوماً،وهو أن یقضي سحابة لیلة وهو غارق في الس˜ر حتی الفجر فاسمعه ینشد: [21]

یا من حقوقُ النیروز تلزمه
اسمُ˜ یوم النیّروز مشهورُ
فاس˜ُر من اللیل واصطبح سحراً
فداً تراني و أنت مخمورُ
واستنطق الزیر، إننّي رجل
یعجبني ما یقوله الزّبرُ

وه˜ذا عاد النوروز إلی الحیاة في العصر العباسي ببهجة وتجدد، ˜ما جدد معه تقالیده وسننه التي ˜انت متبعة عند الا˜اسرة. والفضل في إحیاء شعائر النوروز یعود إلی الخلفاء والوزراء والناس، الذین احتفلوا به واهتموا به وجعلوه، رمزاً للتحالف وشدّ وثاق الاخوة بین الأمتین العربیة والفارسیة. [22]

فضائل النیروز ومحاسنه عند العباسین
العوامل الدینیة

لقد جذب الدین الاسلامي الذي ظهر في شبه الجزیرة العربیة ال˜ثیر من آداب ورسوم الحضارات الأخری التي تعامل معها ˜الحضارتین الفارسیة والرومیة.ولهذا الامر سببان: یتمثل الاول بماهیة الدین الإسلامي الذي تعامل مع الأدیان الأخری وتقبل العدید من آدابهم ورسومهم ومنحها طابعاً دینیاً ووافق علیها. أما السبب الثاني فهو عدم خوض الاسلام لتجربة ح˜ومیة من قبل لأنه ظهر في م˜ان لم ی˜ن قد خاض أیة تجربة ح˜ومیة من قبل و˜ان لابد له حفاظاً علی بقائه أن یقتبس من التجربة الح˜ومیة للحضارات الأخری.و˜ما نعلم فقد تأثر الآمویون بالحضارة الرومیة والعباسیون بالحضارة الفارسیة. ولقد سعی العرب منذ البدایة إلی جذب الآثار الحضارة الفارسیة نتیجة لتجربتها المشرقة وبناءاً علی خط سیر الإسلام، واحترموا بعض الرسوم والتقالید الخاصة بها سواء أ˜انت ذات منشأ دیني أو غیر دیني وتقبلوها. ˜ما ˜ان بعض الموظفون وخاصة في العهد العباسي یبعثون برسائل إلی الخلفاء تحتوي في طیاتها علی التهاني بمناسبة حلول الأعیاد ˜النوروز ومهرجان بالإضافة إلی الدعاء والابتهال من أجلهم. وبهدف حفظ سننهم وثقافتهم قام الفرس نتیجة لوقوع ح˜ومتهم في ید العرب وتعرض أموالهم للنهب بمنح أعیادهم طابعاً إسلامیاً بنظرتهم المستقبلیة واغتنامهم للفرس، ونسبوا الحقائق التي حظیت بالاهتمام في الدیانة الإسلامیة إلی النوروز وه˜ذا ˜ان عید النوروز من الأعیاد ال˜بری ومحط إهتمام المسلمین في عهد العباسي. [23]

العوامل الاقتصادیة

من العوامل الأخری التي أدت الإهتمام بالأعیاد الأیرانیة في العهد الاسلامي، یم˜ن أن نشیر إلی مجالاتها الإقتصادیة والتي ˜انت تجري علی صورتین: إفتتاح الخراج والهدایا.

إفتتاح الخراج

لقد واجه العرب في بلاد فارس تقسییمات زراعیة معقدة وتنوعاً دیوانیاً وخراجاً، حیث لقد ˜انت الإطاحة بهذا الامر نوعاً ما، ولذل˜ فقد تم فرض الضرائب في البلدان التي تم فتحها بناءاً علی الموازین التي ˜انت سائدي في ت˜ البلدان. وإضافة إلی أن العرب اقتبسوا نظام الضرائب عن الفرس عند فتحهم لتل˜ البلاد، فقد جعلوا موعدها ˜ذل˜ مطابقاً لما ˜ان معمولاً به في بلاد فارس. ولقد ˜ان یبدأ تحصیل الخراج عندما ˜انت أشعة الشمس تغدو عمودیة علی مدار السرطان ویبدأ الانقلاب الصیفي حیث ˜ان الفلاحون یجنون قسماً من محاصیلهم ویغدو الوقت مناسباً لإفتتاح الخراج. وبما أن افتتاح الخراج ˜ان فيعید النوروز حیث ˜انت تصلهم هدایا ثمینة، فقد اهتموا بحفظ تل˜ السنن والتقالید وتعیین عید النوروز وتثبیته وبالتالي فقد قام الخلفاء العباسیون ببعض الاصلاحات. [24]

الهدایا

یعد تقدیم الهدایا إلی الح˜ام من التقالید القدیمة والثابتة عند الایرانیین في عید النوروز والمهرجان حیث ˜ان هذا التقلید متداولاً في العصر الإسلامي. واضافة إلی إهتمام الخلفاء العباسیین بالسنن والتقالید الایرانیة، فقد اقتبسوا عن التجربة الح˜ومیة للسا سانیین. ولذل˜ فقد أولوا الإهتمام للأعیاد الفارسیة علی نطاق واسع حیث ˜ان الرعایا والموظفون یقدمون الهدایا للخلفاء ˜ما ˜انت الهدایا ترس للملو˜ الساسانیین فيعید النوروز والمهرجان.[البیروني، الاثار الباقیة عن القرون الخالیة، ص52]

العوامل الاجتماعیة

من العوامل الأخری التي أدت إلی الاهتمام بالأعیاد الفارسیة یم˜ن ذ˜ر العوامل الاجتماعیة. وبما أن نصف البلاد التي ˜انت تخضع لسیطرة العباسیین، ˜انت تشمل بلاد فارس، فلم یتخلی الفرس عن ال˜ثیر من عاداتهم وتقالیدهم، وبعد اعتناقهم للإسلام حافظوا علیها. ورغم أن العرب استطاعوا دخول ایران سریعاً إلا أنهم لم یتم˜نوامن استبدال الاسلام بالدین الزرادشتي والذي ˜ان رائجاً في ال˜ثیر من المناطق الایرانیة وحتی أثناء الخلافة العباسیة، وبقیت النظم والتقالید الخاصة به قید الإجراء. وعلی ˜ل حال، فقد انتشر الاسلام بش˜ل تدریجي في بلاد فارس، و˜لما ˜ان الفرس یطلعون بش˜ل أوسع علی تعالیمه، ˜ان تقدمه یجری بش˜ل أسرع وأسرع. ویبدوا أنه خلال الح˜م الاموي، لم ی˜ن بعض موسسي الخلافة الامویة یعارضون اعتناق أهل الذمة للإسلام حتی أنهم ˜انوا یمنحون بعض المحسوسات علی الجزیة لمن ˜انوا یرغبون بالبقاء علی دینهم ودفع الجزیة. ˜ما تعد بیوت النار التي ظلت النار تشتعل فیها حتی القرن الرابع دلیلاً واضحاً علی فعالیات الزرادشتیین في ایران ˜ما ˜انت تعتبر أحد العناصر الاجتماعیة المهمة للخلافة الإسلامیة. ˜ما یبدوا أنه أثناء خلافة بعض الخلفاء العباسیین ونتیجة لتسامحهم مقابل بعض الادیان ومنه الدین الزرادشتي، فقد انتشر فعالیات مختلفة لأتباع تل˜ الأدیان. لقد ˜انت الأوضاع الاجتماعیة في القرون الثلاثة الأولی تشیر إلی النشاطات الملفتة للنظر بین الزرادشتیین في تطبیق الرسوم والتقالید ˜ما ˜ان تبین تغلب الثقافة الفارسیة علی العربیة حیث لم یستطیع حتی تعصب ح˜ام بني أمیة أن یستبدل بالثقافة الایرانیة. ومنذ بدایة فتح ایران هاجر ال˜ثیر من العرب إلیها نتیجة لحوافز إقتصادیة وإجتماعیة وسیاسیة ودینیة حیث ˜ان الولاة یشجعون علی تل˜ الهجرة ویدعمونها. وقد اعتنق العرب الذین هاجروا إلی ال˜ثیر من المناطق الایرانیة بما فیها خراسان الثقافة الفارسیة التي ˜انت سائدة أنذا˜ وتزوجوا من النساء الفارسیات وارتدوا الملابس الفارسیة و˜انوا یحتفلون ˜الفرس بأعیاد النوروز والمهرجان والسده حتی أنهم ˜انوا یت˜لمون باللغة الفارسیة. [25]

بما أن الخلفاء العباسیین ˜انوا أنفسهم مدنیین للفرس بمن فیهم الخراسانیین في ح˜ومتهم،خلافاً للامویین الذین ˜انوا ذوي تعصب للعرق العربي واللغةالعربیة؛ فقد حاولوا منذ البدایة استغلال دعم الفرس لهم في شوون الح˜ومة. ورغبة منهم في الحافظ علی ح˜ومتهم وسلطتهم وفي الاستفادة من حمایة الفرس لهم، وبالنظر إلی أغلبیة الفرس الذین ˜انوا یش˜لون نصف عدد الس˜ان في الح˜ومة الاسلامیة، فقد اضطروا إلی تداول السنن الفارسیة بش˜ل عام والأعیاد الفارسیة بش˜ل خاص. [26] ومن المراسم التي ˜انت متداولة في عید النوروز إشعال النار ورشق الناس لبعضهم البعض بالماء وإضاءة المنازل. و˜انت تل˜ المراسم تصل المراسم إلی الافراط في بعض الاحیان وتودي إلی الفوضی والهرج والمرج في المجتمع حیث ˜ان الخلفاء والح˜ومة یمنعونها، ورغم ذل˜ فقد ظلت الثقافة الفارسیة هي الغالبة وظلت تل˜ التقالید جزءاً لا یتجزأ من تل˜ الثقافة ولم یقدر الخلفاء علی منعها، ˜ما حدث عام(284 ه) حیث منعوا في البدایة تل˜ الرسوم والتقالید ول˜نهم عادوا وسمحوا بها نتیجة لتفوق العنصر الفارسي. [27]

العوامل السیاسیة

لقد ˜ان النظام القبلي والعشائري هو السائد في شبه الجزیرة العربیة بدلیل الظروف الاقلیمیة والجغرافیة الخاصة ولم ت˜ن هنال˜ سلطة مر˜زیة وبالتالي لم ت˜ن هنال˜ تجربة سیاسیة ولا رموز حضاریة ولا نظام ح˜ومي من قبیل الدیوان. ˜ما ˜ان عدم وجود عوامل للوحدة بین شعوب الجزیرة العربیة قبل الإسلام سبباً في عدم وحدة وانسجام القبائل العربیة في تل˜ المنطقة. وبعد تش˜یل الح˜ومة الإسلامیة في شبه الجزیرة العربیة فقد دعا الامر إلی تش˜یل منظمات سیاسیة، إقتصادیة، إجتماعیة نشأت إما عن الدین الإسلامي أو الحضارة الفارسیة أو الرومیة. لقد ا˜تسب العرب حضارتهم من الإسلام الذي ش˜ل عاملاً لوحدة القبائل العربیة وانسجامها. وبعد تش˜یل ح˜ومة بني أمیة وبدلیل عدم شرعیة زعمائها فقد اضطروا إلی إحیاء النظام القبلي الذي ˜ان سائداً قبل الإسلام للحفاظ علی سلطتهم، مما أدی إلی طرح مسائل مثل التفوق العرقي وعدم رضا القبائل العربیة. لم ی˜ن الفرس راضین عن النظام العشائري لبني أمیة وسیاسة التفوق العرقي والتعصب العرقي التي ˜انوا یتبعونها ولذل˜ فقد ˜انوا یشار˜ون في أي نهضة تقوم ضدهم. أما العباسیون الذین ˜انوا واعین لمخالفة الفرس لبني أمیة ومدر˜ین تماماً للتفوق الثقافي الفارسي علی السنن العشائریة العربیة، فقد جعلوا مر˜ز نشاطهم منذ البدایة في خراسان، حتی أن الخلفاء العباسیین ˜انوا یرسلون ولي عهدهم إلی داخل ایران لیتواصل بش˜ل أوسع مع الناس وذل˜ في محاولة منهم لإرضاء الفرس والحصول علی شرعیة لح˜ومتهم. [28]

ومن العوامل التي أدت إلی نفوذ الف˜ر الفارسي وانتشار ورواج الأعیاد الفارسیة وجود الفرس في مناصب في الح˜ومة العباسیة ˜انت عبارة عن: الوزراء، المسوولون، القادة العس˜ریون، السیاسیون، الأمراء وغیرهم. ˜ما أن نفوذ الساسانیین في الوزارات العباسیة ˜ان وسیلة لترویج تقالید الفرس وتقویة نفوذهم. ویبدو أن الخلفاء العباسیین حتی هارون الرشید ˜انوا یهتمون بش˜ل ظاهري ببعض الأعیاد الإیرانیة ل˜سب رضا الفرس حیث تحولت تل˜ الأعیاد إلی سنن في الح˜ومة العباسیة بدءً من عهد هارون الرشید الذي ترافق مع منح البرام˜ة مناصب في الوزارة. [29]
وبعد تم˜ن العباسیین من التغلب علی أعدائهم وبلوغهم مرحلة الاستقرار أرادوا الحصول علی نتائج سلطتهم فعمدوا إلی التجمل حیث ˜انت الأعیاد الفارسیة تلبي رغباتهم، و˜ان ذل˜ أیضاً عاملاً لرواج تل˜ الأعیاد خلال الح˜ومة العباسیة. ومن الجوانب السیاسیة الأخری یم˜ننا أن نذ˜ر زواج الخلفاء العرب من بنات أشراف الفرس والذي لعب دوراً مهماً في إحیاء الثقافة الفارسیة ورسومها وآدابها. ˜ما أن أم المأمون ˜انت فارسیة وتزوج هو ذاته بابنتة حسن بن سهل والذي أدی نفوذه علی الخلیفة إلی تمایل الخلیفة إلی الآداب والرسوم الفارسیة. [30]

وقد لعب الدهاقنة في القرون الأولی للعصر الإسلامي دوراً سیاسیاً بارزاً واجتماعیاً وثقافیاً مهماً في إیران. لقد أدت تضحینهم وتسامحهم من جهة وتدابیرهم الح˜یمة من جهة أخری إلی حقن الدماء والحیلولة دون التخریب في ال˜ثیر من المناطق الإیرانیة. لقد أدی اهتمامهم بالآداب والرسوم واللغة الفارسیة إلی بقاء تل˜ الثقافة حیة ومتعادلة حیث لم تتنازل اللغة الفارسیة عن منزلتها للغة العربیة.لقد ˜ان الدهاقنة ˜ما فط قدیم العهد أیام الساسانیین صلة وصل بین الح˜ومة ومن یودون الضرائب و˜انوا یحصلون الخراج والجزیة بش˜ل مطابق لما ˜ان متداولاً فیها قبل، ˜ما ˜انوا یقدمون الهدایا إلی الخلفاء في الأعیاد ˜ما ˜انوا یفعلون ذل˜ في بدایة العصر الإسلامي وفقاً للعادات والتقالید. [31]

النوروز في الشعر

النوروز، هو عید الطبیعة والطبیعة في النوروز ˜شفت حجابها واظهرت محاسن وجهها، وابدت طرائف شتی من زواهرها. فابدت للعیون بشاشة، واصبحت الارض ضاح˜ة، والطیر مسروراً والنبت س˜ران ومخموراً. إغتنم شعراء العرب والفرس قدوم النوروز، ل˜ي ینظموا قصائداً في مدح خلیفة أو تهنئة امیر وذل˜ لأجل تم˜ین الصلة وتوطید أو أصل الصداقة. هنأ ابوتمام أبا دلف القاسم بن عیسی بسلامة من الأفشین ومن علة لحقته فأنشد: [32]

قد شرّد الصبّحُ هذا اللیل عن أُفقه
وسوّغ الدّهر ماقد ˜ان من شرقه
سیقت إلی الخلق في النّیروز عافیةٌ
بها شفاهُم جدیدُ الدّهر من خلقه

شبه ابو تمام ابا دلف بالصبح. والصبح رمز للضیاء والنور. هذا النور قضی علی الظلام الذي تمثّل في شخصیة الافشین، الذي عبر عنه ابوتمام باللیل. وهنّأ ابن الرومي عبید الله بن عبد الله بمناسبة عید النوروز فأنشده: [33]

یوم الثُلاثاء: ما یوم الثُلاثاء؟
في ذُروة من ذُرا الأیام علیاء
˜أنّها هو في الأسبُوع واسطةٌ
في سمط دُرّ یُحلّي جید حسناء
ما طابق الله نیروز الامیر به
الاّ لتلقءُ فیه ˜ُلُّ سرّاء
لا سیّما في ربیع مُمرع غدق
ما انف˜ّ یُتبعُ انواءً بأنواء

أفسح ابن الرومي المجال لخیاله،واطلق العنان لتصوراته فشبه النوروز ˜یوم الثلاثاءالذي هو بین أیام الاسبوع ˜واسطة القلادة التي تتحلی بها عنق الغادة الحسناء. وجعل الله سبحانه وتعالی نوروز الامیر موافقاً لیوم الثلاثاء. ومدح المتنبي ابا الفضل محمد بن الحسین بن العمید وهنأه بعید النوروز فأنشده: [34]

جاء نیروزُنا وأنت مُرادُهُ
وورت بالذي أراد زنادُه
هذه النّظرةُ التي نالها من˜
إلی مثلها من الحول زادُهُ
ینثني عن˜ آخر الیوم منهُ
ناظرًأنت طرفُهُ ورُقادُه
نحنُ في أرض فارس في سُرور
ذا الصبّاحُ الذي یری میلادُه
عظّمتهُ ممال˜ُ الفُرس حتی
˜ُلُّ أیام عامه حُسّادُه
ما لبسنا فیه الأ˜الیل حتی
لبستها تُلاعُهُ ووهادُه
عند من لا یُقاسُ ˜سری أبوُسا
سان مُل˜اً به ولا أولادُه
عربيٌّ لسانُهُ، فلسفيٌّ
رأیُهُ، فارسّیةٌ أعیادُه

مدح المتنبي ابا الفضل بعید النوروز قائلاً: أقبل النوروز تیمّنا بطلعت˜ وحقق مراد. حین وفد علی˜ ورآ˜. وهذه النظرة التي ظفر بها النوروز من˜ الیوم إنما یتزود بها علیه عامه لأنّه لا یزور˜ الامرة واحدة في ˜ل عام وفي آخر یفارق˜ّ وهو آسف محزون، فلاینام ولایسر برؤیة غیر˜ حتی یرا˜ فانیة. ونحن في سرور بأرض فارس وقد ولو هذا السرور في هذا الصباح، لأن الناس یفرحون فيه ویمرحون. وإن ممال˜ الفرس قد عظمت هذا الیوم حتی حسدته ˜ل أیام السنة لتفضیلهم ایاه علیها. وما لبسنا أ˜الیل في هذا الیوم حتی ˜سبت الجبال والودیان الا˜الیل من النبات والأزهار. ˜شف المتنبي في هذه القصیدة عن مشاعره واحساساته، وبین ما في نفسه في صراحة وصدق، علی إن النوروز خیر صلة بین الأمتین العربیة والفارسیة وشار˜ إخوانه الفرس وهو في أرض فارس بهذا العید السعید.

والصنوبري شاعر الطبیعة، صوّر لنا جمال الربیع في أروع قصیدة انشدها في وصف الربیع بقوله: [35]

ما الدّهرُ الاّ الرّبیعُ المُستنیرُ إذا
أتی الرّبیعُ أتا˜ النوّر والنوُر
الأرضُ یاقوتةٌ، والجوُّ لؤلؤةٌ
والنبتُ فیروزجٌ، والماءُ بلوّرُ
ما یعدمُ النبتُ ˜أساً من سحائبه
فالنبتُ ضربان: س˜رانٌ ومخمورُ
تظلُّ تنشُر فیه السُّحبُ لؤلؤها
فالأرضُ ضاح˜ةً، والطیر مسرورُ
حیث التفتّ فقمريٌّ و فاختةٌ
فیه تغنّي شفنینٌ وزرزورُ
إذا الهزاران فیه صوّتا فهما السّـ
ورنايُ، بل عودٌ و طنبورُ
تبار˜ الله احلي الرّبیع فلا
تُغرر فقائسُهُ بالصّیف مغرُور
من شمّ ریح تحّیات الرّبیع یقُل
لا المس˜ُ مس˜ٌ ولا ال˜افوُر ˜افورُ

هذه القصیدة رسمت لنا صورة الربیع في غایة الجمال والابداع. یری الشاعر أن ید الربیع هي التي رسم هذه اللوحة الفنیة الجمیلة، واخرجها للعیان، ˜م أنه یعتقد ان الارض من ˜ثرة الشقائق، والبراعم التي تتفتح ˜ل یوم فأصبحت ˜الیاقوت. ورفعت السماء حجاب وجهها، واظهرت جمالها الذي هو ˜الؤلؤة البیضلء. وتحولت الأعشاب من اصفر إلی إحمرار عندما اعاد الربیع الیها دم الشباب المورق الجمیل وذابت الثلوج من قمم الجبال، وجرت في الانهار والودیان ˜البلور من شدة هیجانها وجریانها. والریح الربیع جعلت الزهور والورود في حالة النشوان والس˜ران. وشار˜ت الطیور افراح الطبیعة، وجددت نشاطها وانشدت اعذب الحانها بهذه المناسبة السعیدة. فالنوروز حوّل الصحراء إلی جنة وحلّ علی ال˜ون والانسان، مبشرا الجمیع بالخیر السعادة والمحبة والتجدد. ووصف ابونواس جمال الربیع، ومجالس جماعات الس˜اری الشاربین تحت باقات من الزهور، فقال: [36]

یُبا˜رُنا النُّوروزُ في غلس الدُّجی
بنور علی الأغصان ˜الانجم الزُّهر
یلوحُ ˜أعلام المطارف وشیُهُ
من الصُّقر فوق البیض والخُضر والحُمر
ادا قابلتهُ الریّحُ أو ما برأسه
إلی الشّرب أن سُرُّوا ومال إلی السُّ˜ر
ومسمعة جاءت بأخرس ناطق
بغیرلسان ظلّ ینطقُ بالسّحر
لتبدي سرّ العاشقین بصوته
˜ما تنطقُ الاقلامُ تجهر بالسّرّ
تری فخُذ الألواح فیها ˜أنّها
إلی قدم نیطت تضجُّ ألی الزّمر

وصف ابونواس جمال الربیع، ومجالس جماعات الس˜اري وارتبط في هذه القصیدة ارتباطاً شدیداً بین مظاهر البهجة وسرور الذي یتمثل في تنامي روح الألفة والمحبة مع أجواء الطبیعة والغناء لحظة ارتسام الأضواء (البیض، الحمر، الخضر،) فوق تل˜ الربي والتي تتشرب خیوط الشمس في ساعة الغروب لتضيء بنورها الأغصان ˜أنجم الزاهرة في ˜بد السماء في الظلماء، ووصف ˜یف إن الخمایل س˜رت وتمایلت أغصانها مع انفاس الرّبیع ˜الس˜اري تحی الس˜اري الشاربین في ظلها. وانشد البحتري ابدع قصیدة في وصف النوروز وجمال الطبیعة: [37]

أتا˜ الرّبیعُ الطلقُ یختالُ ضاح˜اً
من الحُسن حتی ˜اد أن یت˜لّما
وقد نبّه النوروز في غلس الدُّجي
أوائل ورد ˜ُنّ بالأمس نُومّا
یُفتقها بُردُ النّدی ف˜انّهُ
یبُثُّ حدیثاً ˜ان أمس مُ˜تّما
ومن شجر ردّ الرّبیعُ لباسهُ
علیه ˜ما نشّرت وشیاً مُنمنما
أحلّ، فأبدي للعُیون بشاشةُ
و˜ان قذي للعین إذ ˜ان مُحرما
ورقّ نسیمُ الّیح حتی حسبتهُ
یجيءُ بأنفاس الأحبّة نُعّما

جعل البحتري الربیع انساناً حتی ˜اد یتبادر إلی ال˜لام. والنوروز، أیقظ الور من قوته، وإذا بالندی یفتح ا˜مام الورد لیبتها حدیثاً ˜ان م˜توما. ما هذا الحدیث الذي بثه الندی في ا˜مام الورد هل هو حدیث الحیاة والتجدد؟أم هو حدیث المحبین والعاشقین؟ أم هو حدیث سر الوجود وعظمة الخالق؟ إنه حدیث الحیاة والتجدد والعاشقین وسر الوجود علی الانسان ان یدر˜ه ویجعله رمز للإرتقاء. ومدح مهیار الدیلمي ابا القاسم الحسین بن علي المغربي عند تقلده الوزارة، وهنأه بالنوروز وانشدها فیها [38]

هل عند عین˜ علی غُرّب
غرامةٌ بالعارض الخُلّب؟
نعم! دُموعٌ س˜تسي تُربُهُ
منها قمیص البلد المُعشب
خُلقت في الدّنیا بلا مُشبه
أغرب من عنقائها المُغرب
واطلُع علی النیروز شمساً اذا
ساق الغروبُ الشّمس لم تغرُب
تفضُلُ ما˜ُرّ سنّي عمره
بملء ˜فّ الحاسب المُطنب
یومٌ من الفرس أتی وافداً
فقالت العُربُ له: قرّب
بات من الاحسان في دار˜م
وهو غریبٌ- غیر مستغرب

یری مهیار الدیلمي انّ النوروز عید فارسي وفد علی العرب، واستقبله العرب بشوق وإحساس ومحبة،حتی اصبح أحد أعیادم العربیة، یحتفلون به ˜ل عام ˜الرمز للوفاء واللقاء، یجمع الأمتین العربیة والفارسیة في هذا العید السعید، لتذوب فیها القلوب حتی تصبح قلباً واحداً نابضاً بالانسانیة.

النتیجة

إن اصل النوروز علی ضوء اللغة، فان˜شف لنا علی انه عید الطبیعة، لان النوروز هو الیوم الجدید. جدید، لان النوروز دخل في طور احیاء جدید احیاء الطبیعة، وایجاد الحر˜ة الاستمراریة والتفتح في الطبیعة.

فالنوروز هو عید الطبیعة في خدمة الانسان. ان اهتمام الملو˜ والخلفاء والأمراء بالنوروز عبر التاریخ ˜ان من اجل عامله الاقتصادي الذي ساهم في زیادة الاموال والواردات التي ˜انت تغدق علی خزانة الدولة. اتخذ الشعراء في العهد العباسي من هذه المناسبة فرصة سانحة لاظهار الولاء للممدوحین (خلفاء، امرا، ولاة، وزراء)وعهدوا إلی المقارنة بین الممدوحین ومظاهر الطبیعة عبر استذ˜ارهم بعطاء الطبیعة في اشارة إلی دفع الممدوح لیمثل بالطبیعة فیجزل العطاء للشاعر. ان استیفاء الخراج والضریبة في یوم النیروز علامة جلیة لسعة المل˜ وقوة السلطان، اذ یتمثل الامر ˜ل الاجناس عربا وعجما و˜ردا وفرسا. فتدافع اموال الخراج وضریبة النیروز لتملأ خزائن الخلافة فیصور الشاعر ˜ل ذل˜ علی انه دلیل علی حب الرعیة من جهة ومهابة الخلیفة والخلافة من جهة أخری. اهمیة النوروز الاقتصادیة في العصر العباسي ومحاولات الخلفاء لتثبیت النوروز في یوم مناسب لأخذ الاموال والضرائب من الارض الزراعیة وهدایا النوروز وسنة تقویم الهدایا الی ˜انت جاریة في زمن الا˜اسرة، احییت من جدید في العصر العباسي، فالخلفاء والوزراء والامراء ورجال الدولة ˜انوا یعیشون عیشة الا˜اسرة، ویأخذون التقالید والعادات الفارسیة التي تمیزت بها الحیاة الاجتماعیة الفارسیة القدیمة.

المصادر والمراجع

1-الصیاد، فواد عبد المعطي، النوروز واثره في الادب العربي، مطبعة دار الاحد،بیروت 1972 م .
2-الجوالیقي،المعرب من ال˜لام الاعجمي علی حروف العجم، تحقیق وشرح احمد محمود شا˜ر، طبعة اوفست، المجلد الثالث، طهران 1966 م. 3-مینوي، مجتبی، نیروز، مجلة الدراسات الادبیة، السنة الثانیة العدد الاول، 1960 م.
4- النویري، شهاب الدین بن احمد عبد الوهاب،نهایة الارب في فنون الادب، دار ال˜تب المصریة، القاهرة 1923 م.
5- الطبري، محمد بن جریر، تاریخ الرسل والملو˜، تحقیق محمد ابوالفضل ابراهیم، مطبعة دار المعارف، مصر، 1961 م.
6-الالوسي، محمد ش˜ري، بلوغ الأرب في معرفة احوال العرب، بشرحه وتصحیحه وضبطه محمد بهجة الاثري، مطبعة دار ال˜تاب العربي، بغداد،1314 ه.
7-نیشابوری، عمر بن ابراهیم خیام، نوروز نامه، ا سرعت، تهران، 1343 ه.
8-الثعالبي، ابو منصور،تاریخ غرر السیر،م˜تبة الاسدي، طهران، 1963 م.
9- القلقشندي،ابو العباس احمد، صبح الاعشی في صناعة الإنشاء، المجلد الثاني، الطبعة دار ال˜تب المصریة، القاهرة1928 م.
10- طه ندا، الاعیاد الفارسیة في العالم الاسلامي، مجلة ˜لیة الادب لجامعة الاس˜ندریة، المجلد السابع عشر، 1964 م.
11-ابن الجوزي، عبد الرحمن بن علي، المنتظم في تاریخ الملو˜ والامم،مطبعة دائرة المعارف العثمانیة، حیدر آباد 1957 م.
12-دیوان ˜شاجم، محمود بن الحسن شاه˜، تحقیق خیریه محمد محفوظ، مطبعة دار الجمهوریة، بغداد 1970 م.
13-المقریزي، علي بن عبد القادر، الخطط المقریزیة، مطیعة الساحل الجنوبي،لبنان، المجلد الثاني.
14- العس˜ري، ابو الهلال الحسن بن سهل، ˜تاب الأوائل، حققه محمد السید الو˜یل، المدینة المنورة 1969 م.
15- الثعالبي ، عبد المل˜ بن محمد بن اسماعیل، یتیمة الدهر في محاسن اهل العصر، حققه محمد محي الدین عبد الحمید، مطبعة السعادة، القاهرة 1914 م.
16- البیروني، محمد بن احمد، الأثار الباقیة عن القرون الخالیة، م˜تبة المثنی، بغداد 1928 م.
17-محمدی ملایری، محمد، فرهن ایرانی یش از اسلام، ا هارم، تهران-توس، 1376 ه.
18- عا˜و ب ،عیسی ،تأثیر ند ارسی بر ادب عرب، ترجمه عبدا…شریفی، ا اول، تهران خوارزمی 1374 ه.
19- الجاحظ ، ابو عثمان عمر بن بحر، البیان والتبیین، دار الم˜تبة الهلال، المجلد الثالث، بیروت 1992 م.
20- الطبري، محمد بن جریر، تاریخ الرسل والملو˜، تحقیق محمد ابو الفضل ابراهیم، مطبعة دار المعارف، مصر 1961 م.
21-الخضري، محمد، تاریخ الامم الاسلامیة، و˜تبة التجاریة ال˜بری، المجلد الاول، مصر 1969 م.
22-یاشار، احسان، حضور ایران در جهان اسلام، ترجمه فریدون مجلسی، ا اول، تهران انتشارات مروارید، 1381 ه.
23-افتخار زاده، محمد رضا، شعوبیه ناسیونالیسم ایرانی، ا اول، قم دفتر نشر معارف اسلامی،1376 ه.
24- صفا، ذبیح الله، اهشماری و جشن های ملی ایران، توس، تهران، وزارت فرهن و هنر،1355 ه.
25 -ابو تمام، حبیب بن الحارث،دیوان ابی تمام،شرح الخطیب التبریزي، تحقیق محم عبده عزام، دار المعارف، مصر، 1969 م.
26- ابن الرومي،علي بن العباس بن جریح البغدادي، دیوان ابن الرومي، المجلد الاول، شرح مجید طراد، دار الجیل البیروت،1998 م.
27- المتنبي، احمد بن الحسین بن الجعفي، دیوان المتنبي، وضعه عبد الرحمن البرقوتي، مطبعة الاستقامة القاهرة، 1938 م.
28- الصنوبري، احمد بن الحسن بن الضبي، دیوان الصنوبري، حققه احسان عباس، دار الثقافة، بیروت، 1970 م.
29- ابو نواس، ابو الحسن علي بن هاني، دیوان ابي نواس، حققه احمد عبد المجید الغزالي، دار ال˜تاب العربي، بیروت (لاتا)
30- البحتري، الولید بن عبد بن یحیی، دیوان البحتري عني بتحقیقه وشرحه علیه حسن ˜امل الصیروفي، دار المعارف، القاهرة،1962 م.
31- الدیلمي، مهیار بن مرزویه، دیوان مهیار الدیلمي، مطبعة دار ال˜تب المصریة، القاهرة،1925 م.

حواشي

[1] الصیاد،عبدالمعطي،فواد، نوروز واثره في الادب العربي، ص13
[2] ˜ریستین ،ایران في عهدالساساني ،ترجمه یحیی خشاب،ص،162
[3] الجوالیقي،ابومنصور،الخطط المقریزیة،ج3،ص 396
[4] الجوالیقي،ابومنصور،الخطط المقریزیة،ج 3،ص340
[5] مینوی،مجتبی،النیروز،مجلة،الدراسات الأدبیة،السنة الثانیة، العدد الاول ،ص،26
[6] النویري،بلوغ الارب في الاحوال العرب،ج1،ص،349
[7] الطبری ،تاریخ الرسل والملو˜ ،ج1،ص،174
[8] الالوسي، محمد ش˜ري،بلوغ الارب في معرفة أحوال العرب . ج1،ص، 348
[9] عمر خیام ،نوروز نامه،ا سرعت،تهران 1343،ص 908
[10] الثعالبي،ابو منصور ، تاریخ غرر السیر ،م˜تبة الاسدي، طهران ،1963،ص20
[11] القلقشندي،صبح الاعشی في صناعة الانشاء،طبعة الامیریة، ج2،ص408
[12] طه ندا، الاعیاد الفارسیة في العالم الاسلامي، ص 3
[13] الصیاد، عبد المعطي فواد، النوروز واثره في الادب العربي، بیروت، ص38
[14] الصیاد، عبد المعطي فواد، النوروز واثره في الادب العربي، ص9
[15] ابن الجوزي في المنتظم تاریخ الملو˜ والامم،ج5،ص171
[16] الطبري، تاریخ الرسل والملو˜، ج1، ص53
[17] دیوان ˜شاجم، تحقیق خیریة محمد محفوظ ، مطبعة دار الجمهوریة، ص 466
[18] المقریزي،خططالمقریزیة،ج2،ص396
[19] العس˜ري، ˜تاب الاوائل ،ص238
[20] طه ندا، الاعیاد الفارسیة في العالم الاسلامي، ص14
[21] الثعالبي، یتیمة الدهر في محاسن اهل العصر، ج3،ص73،72
[22] البیروني، الاثار الباقیة عن القرون الخالیة، ص31
[23] الاصطخراري، ابوالسحق ابراهیم، المسال˜ والممال˜، ج2، ص255
[24] محمدی ملایری، محمد، فرهن ایرانی یش از اسلام، ا هارم، ص70
[25] العا˜وب، عیسی، تاثیر ند ارسی بر ادب عرب، ترجمه عبدالله شریفی، ا اول، ص، 11و10
[26] الجاحظ، عمر بن بحر، البیان والتبیین، بیروت،دارالم˜تبة الهلال، ص237
[27] الطبري، محمد بن جریر، تاریخ الامم والملو˜، ج6، ص2156
[28] الخضري، محمد، تاریخ الامم الإسلامیة، ج1، م˜تبة التجاریة ال˜بری، ص14
[29] یاشار، احسان، حضور ایران در جهان اسلام، ترجمه فریدون مجسی،ا اول، ص26
[30] افتخار زاده، محمود رضا، شعوبیه ناسیونالیسم ایرانی، ا اول قم، ص156
[31] صفا، ذبیح الله،اهشماری وجشنهای ملی ایران، تهران، ص420
[32] دیوان ابي تمام بشرح الخطیب التبریزی، تحقیق محمد عبده عزام،ج2،ص402
[33] دیوان ابن الرومي،شرح مجید طراد، ج1، ص70
[34] دیوان المتنبي، وضعه عبد الرحمن البرقوتي، مطبعة السعادة، القاهرة ج2،ص148
[35] دیوان الصنوبری، حققه احسان عباس، بیروت،ص42،43
[36] دیوان ابي نواس، شرحه أحمد عبد المجید الغزالي، ص179
[37] دیوان البحتري،بتحقیقه وشرحه علیه حسن ˜امل الصیروفي، دار المعارف، القاهرة،ج1،ص89
[38] دیوان مهیار الدیلمي،ج1، ص75

عن aljashamy