|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
محمد إقبالناشر الموضوع : عبدالملك
..::المولد والنشأة::.. هو إقبال ابن الشيخ نور محمد، كان أبوه يكنى بالشيخ تتهو (أي الشيخ ذي الحلقة بالأنف) ولد في سيالكوت ـ إحدى مدن البنجاب الغربية ولد في الثالث من ذي القعدة 1294 هـ الموافق 9 من تشرين أول نوفمبر 1877م وهو المولود الثاني من الذكور. وأصل إقبال يعود إلى أسرة برهمية؛ حيث كان أسلافه ينتمون إلى جماعة محترمة من الياندبت في كشمير، واعتنق الإسلام أحد أجداده في عهد السلطان زين العابدين بادشاه (1421 ـ 1473م). ونجده يصف أصله فيقول: " إن جسدي زهرة في حبة كشمير، وقلبي من حرم الحجاز وأنشودتي من شيراز". أما عن أبيه فهو الشيخ نور محمد، كان يعمل بالتجارة ويخالط جماعة من الصوفية ورجال العلم والمعرفة، وهو ما جعله عارفًا بدقائق الطرق وعلوم العقيدة والسنة، وله علم واسع في مسائل الحكمة والفلسفة والأدب، وكان لذلك عظيم الأثر في حياة شاعر الإسلام محمد إقبال. أما أمه فهي امرأة يملأ قلبها الورع والتقوى، قال عنها يوم موتها: "عندما آتي إلى تراب مرقدك سوف أصيح: من ذا الذي يذكرني بالدعاء في منتصف الليل". وتُوفي أبوه في السابع عشر من أغسطس 1930 بعد أن شارف المائة، وتُوفيت أمه قبل أبيه بست عشرة سنة في 1914م.
بدأ محمد إقبال تعليمه في سن مبكرة على يد أبيه، ثم التحق بأحد مكاتب التعليم في سيالكوت، وفي السنة الرابعة من تعليمه رأى أبوه أن يتفرغ للعلم الديني، ولكن أحد أصدقاء والده -وهو الأستاذ مير حسن- لم يوافق، وقال: "هذا الصبي ليس لتعليم المساجد وسيبقي في المدرسة" وانتقل إقبال إلى الثانوية؛ حيث كان أستاذه مير حسن يدرس الآداب العربية والفارسية، وكان قد كرس حياته للدراسات الإسلامية. وبدأ إقبال في كتابة الشعر في هذه المرحلة المبكرة، وشجعه على ذلك أستاذه مير حسن، فكان ينظم الشعر في بداية حياته بالبنجابية، ولكن السيد مير حسن وجهه إلى النظم بلغة الأردو، وكان إقبال يرسل قصائده إلى ميرزا داغ دهلوى ـ الشاعر البارز في الشعر الأردو ـ حتى يبدي رأيه فيها، وينصحه بشأنها وينقحها، ولم يمضِ إلا فترة بسيطة حتى قرر داغ دهلوي أن أشعار إقبال في غنى تام عن التنقيح، وأتم إقبال دراسته الأولية في سيالكوت، ثم بدأ دراسته الجامعية باجتياز الامتحان العام الأول بجامعة البنجاب 1891م، التي تخرج فيها وحصل منها على إجازة الآداب 1897م، ثم حصل على درجة الماجستير 1899 م، وحصل على تقديرات مرموقة في امتحان اللغة العربية في جامعة البنجاب. وتلقى إقبال دراساته الفلسفية في هذه الكلية على يد الأستاذ الكبير توماس آرنولد، وكان أستاذًا في الفلسفة الحديثة، وحجة في الآداب العربية والعلوم الإسلامية وأستاذها في جامعة لندن. وبعد أن حصل إقبال على الماجستير عُين معيدًا للعربية في الكلية الشرقية لجامعة البنجاب، وحاضر حوالي أربع سنوات في التاريخ والتربية الوطنية والاقتصاد والسياسة، وصنف كتابًا في "علم الاقتصاد" ولم يصرف التدريس محمد إقبال عن الشعر، بل ظل صوته يدوي في محافل الأدب وجلسات الشعر، والتي يسمونها في شبه القارة "مشاعرة ". وكانت أول قصيدة له بعنوان: "إنه يتيم" وألقاها في الحفل السنوي لجماعة "حماية الإسلام" في لاهور، وقد استقبلت القصيدة استقبالاً حسنًا ومست شغف القلوب، الأمر الذي دعاه إلى أن ينشد في العام التالي وفي الحفل السنوي لنفس الجماعة قصيدته "خطاب يتيم إلى هلال العيد" ويشير الأستاذ أبو الحسن الندوي ـ وهو ممن عاصروا شاعرنا ـ إلى أسباب الإعجاب بشعر إقبال فيقول: "وهو ترجع في الغالب إلى موافقة الهوى والتعبير عن النفس: وهذا عن إعجاب الناس بشعره، أما عن أسباب إعجابه هو بشعر إقبال فيقول: "إن أعظم ما حملني على الإعجاب هو الطموح والحب والإيمان، وقد تجلى هذا المزيج الجميل في شعره، وفي رسالته أعظم ما تجلى في شعر معاصر" سافر إقبال إلى لندن في الثاني من سبتمبر 1905؛ ليكمل تعليمه وليستزيد من العلم فاتجه إلى كمبريدج والتحق بجامعتها؛ حيث درس الفلسفة على يد أستاذ الفلسفة مك تكرت، وحصل على درجة في فلسفة الأخلاق وتأثر بأستاذه مك تأثرًا واضحًا.
غادر إقبال لندن إلى القارة الأوروبية وزار عددًا من بلدانها، وكان في كل أسفاره يعمل على نشر الإسلام، وأثر بشعره وأسلوبه في كثير من الأوروبيين ومنهم موسوليني؛ حيث وجه له دعوة عقب مشاركته في مؤتمرات المائدة المستديرة في لندن عامي (1930 ـ 1931). وكان منظم الزيارة الدكتور سكاربا؛ حيث كان معجبًا بفكر إقبال وإيمانه بالإنسان وقدراته، وذهب بالفعل إلي إيطاليا والتقى بموسوليني وألقى محاضرة، في روما يبين فيها الفرق بين مذهب كل من الحضارة الغربية والشيوعية والحضارة الإسلامية، ووضح فيها أسباب تخلف المسلمين، وأن من أهم أسباب هذا التخلف هو البعد عن الدين، وذكر الناس بماضي المسلمين وحضارتهم العريقة، ثم زار إقبال أسبانيا في عام 1932م بعد أن حضر مؤتمر الدائرة المستديرة الثالث، وحرص على مشاهدة المعالم الإسلامية هناك فيقف أما جامع قرطبة وقفة مؤمن شاعر ومما قاله في قرطبة: لحـورية الغرب وجه جميل *** وجنـاتها أذنت بالرحيل على العين والقلب كن ذا حذر *** سماؤك فيها جمال القمر ويقصد بحورية الغرب هنا قرطبة.
ومن أقواله في مسجد قرطبة: نسيمك عذب رقيق الهبوب *** أيا جامعًا فيك جمع القلوب أيًا جامعي خصني بالنـظر *** أنا المؤمن الحق فيمن كفر لكم حسن شوقًا لرب العباد *** وإيمـانه زاد دومـًا وزاد وهذه القصيدة يضعها بعض الباحثين بين روائع الأدب العالمي، وألقى شاعر الإسلام في مدريد محاضرة بعنوان: "العالم الفكري للإسلام وأسبانيا". وزار إقبال أفغانستان على إثر دعوة وجهها له نادر شاه ـ ملك أفغانستان ومر في إحدى رحلاته على مصر، وقابل بعض شبابها وأعجب بشاب مصري، ويقول: إن الشاب فرح جدًا عندما علم أن إقبال مسلم ويقرأ القرآن، وقيل: إن إقبال لبس الطربوش بسبب المحادثة التي دارت بينه وبين هذا الشاب، ويذكر الأستاذ أبو الحسن الندوي أنه زار فلسطين في سنة 1931، وكان مما قاله وهو في فلسطين: ولما نزلنا منزلاً طله الندى *** أنيقًا وبستانًا من النور حاليا أجد لنا طيب المكان وحسنه *** مني فتمنينا فكنت الأمانيا ونجده هنا يتمنى أن يحط الرحال ويظل في بلد القدس وأرض مهبط الرسالات، ومن أقواله في افتتاح المؤتمر الإسلامي عام 1930 "على كل مسلم عندما يولد ويسمع كلمة لا إله إلا الله أن يقطع على نفسه العهد على إنقاذ الأقصى". وفي ألمانيا نال الدكتوراه على بحث له بعنوان: "تطور الغيبيات في فارس". وعقب عودته من ألمانيا التحق بمدرسة لندن للعلوم السياسية، وحصل منها على إجازة الحقوق بامتياز.
..::عودته إلى وطنه::.. عاد إقبال إلى شبه القارة في شهر يوليو 1908م بعد أن قضى مدة في أوروبا ما بين دراسات علمية وزيارات لدول عربية وإسلامية، وأفادته هذه المدة في التدرب على منهج البحث والإلمام بالفلسفة الغربية ـ ومكث في لاهور، وقدم طلب لتسجيله محاميًا لدى القضاء الرئيسي، وتم تسجيله بالفعل، ولكن في مايو 1909 عُيِّنَ أستاذًا في للفلسفة في كلية لاهور، ولم توافق المحكمة في أول الأمر على أن يتولى منصبين في الحكومة، ولكنها في نوفمبر 1909م وافقت على تعيينه، وصدر قرار تحت عنوان: "الموافقة على تعيين محامٍ في المحكمة كأستاذ مؤقت في كلية الحكومة، وكان ذلك استثناءً لإقبال، وهذا يصور لنا مدى أهمية إقبال ومكانته في البلاد. واستمرت هذه الثنائية حوالي عامين ونصف استقال بعدها من العمل بالتدريس؛ ليكون أكثر تفرغًا للمحاماة وممارسة القانون؛ وذلك نتيجة لحبه الشديد لمهنة المحاماة والدفاع عن الحقوق، ولم يعتزل إقبال التدريس نهائيًا؛ حيث كان يتابع المؤتمرات والاجتماعات التي كانت تعقدها الجامعة؛ حيث كان له دور واضح في إصلاح حالة التعليم في بلده في هذا الوقت.
..::مرضه واعتزاله المحاماة::.. اجتمع المرض على إقبال في السنوات الأخيرة من عمره، فقد ضعف بصره لدرجة أنه لم يستطع التعرف على أصدقائه بسهولة، وكان يعاني من آلام وأزمات شديدة في الحلق؛ مما أدى إلى التهاب حلقه، وأدى بالتالي إلى خفوت صوته، مما اضطره إلى اعتزال مهنة المحاماة، وفكر في أن يقصد فيينا طلبًا للعلاج إلا أن حالاته المادية لم تسمح بذلك، وتدخل صديقه رأس مسعود؛ حيث اقترح على يهوبال الإسلامية أن تمنحه راتبًا شهريًا من أجل أطفاله الذين ما زالوا صغارًا وحدث ذلك بالفعل واستمر الراتب حتى بعد وفاة إقبال. وكان من أولاده: ابنه آقتاب إقبال المحامي ورزق به من زواجه الأول، وابنه أجاويد ـ القاضي بمحكمة لاهور العليا، وابنته منيرة باتو وتزوجت في باكستان، وهما من زوجته الثالثة؛ حيث تزوج إقبال ثلاث زوجات ماتت إحداهن هي وابنتها بعد الولادة. وفي أثناء مرضه هذا واعتزاله المحاماة ماتت زوجته الثالثة في مايو 1935 ثم مات صديقه العزيز رأس مسعود، ومن العجيب أن إقبال وسط هذه المحن والكرب لم يتوقف عن ممارسة نشاطه السياسي، بل ولم يتوقف عن الإبداع وكتابة الشعر.
..::وفاته وآثاره العلمية::.. وفي 21 من إبريل 1938 وفي تمام الساعة الخامسة صباحًا فاضت روح إقبال الطاهرة إلى بارئها، وكان يومًا عصيبًا في حياة جماهير الهند عامة والمسلمين منهم خاصة؛ فعطلت المصالح الحكومية، وأغلقت المتاجر أبوابها واندفع الناس إلى بيته جماعات وفرادى، ونعاه قادة الهند وأدباؤها من المسلمين والهندوس على السواء، ويقول عنه طاغور ـ شاعر الهند: "لقد خلفت وفاة إقبال في أدبنا فراغًا أشبه بالجرح المثخن الذي لا يندمل إلا بعد أمد طويل، إن موت شاعر عالمي كإقبال مصيبة تفوق احتمال الهند التي لم ترتفع مكانتها في العالم".
ترك لنا إقبال ثروة ضخمة من علمه ( رحمه الله) قلما تركها أحد مات في مثل سنه ومن آثاره ـ أو ما وصل إلينا منها ـ: عشرون كتابًا في مجال الاقتصاد والسياسة والتربية والفلسفة والفكر وترك أيًضا بعض الكتابات المتفرقة وبعض الرسائل التي كان يبعث بها إلى أصدقائه أو أمراء الدول، ذلك إلى جانب روائعه من الشعر والتي استحق أن يسمى بسببها (شاعر الإسلام). ويقول الشيخ أبو الحسن الندوي: "ومن دواعي العجب أن كل هذا النجاح حصل لهذا النابغة، وهو لم يتجاوز اثنين وثلاثين عامًا من عمره".
![]() naseem اليقظة الإسلامية في فارسيات إقبال ـــ صَادق آئينه وند كان المغفور له العلامة إقبال عظيماً في ذاته كريماً في عطائه، لقد أعطى بكلتا يديه وبكل لسان ولغة مقتضاه، فحاز شهرة أسرت آذان الناس وجذبت أنظارهم إلى آثاره وكتبه القيمة التي كتبها بيده ودبجها بيراعة لهم بلغاتهم الخاصة. أو بعبارة أخرى، لقد تحالفت الشهرة على إقبال من ثلاثة أركان بثلاث لغات: فاشتهر في بلاد الغرب بما انعكس من الثقافة الغربية في كتبه التي كتبها لهم بالإنجليزية. واشتهر في الشرق، أولاً في مسقط رأسه، فكان أمام قومه بما ناجى أرواحهم به من شعره وغذى عقولهم به من فكره بلغتهم الأم. وأخيراً عظم مقامه في إيران لمواكبته للثقافة الفارسية والتعشق بآدابها ولغتها وما قدم لها من آثار فنية رائعة وفكرية عظيمة. وهكذا، نشاهد أن شهرة إقبال قد ملكت الشرق والغرب وطبقت الخافقين. ثم إن الحكم على الخالدين موكول للزمان، فدليل العبقرية استمرارية الذكرى. وما اجتماعنا الليلة، بل ما اجتماع أمثالنا الأماكن الأخرى إلا اعتراف بنبوغه وفرصة نتحينها لنغترف من بحر عبقريته كؤوساً نجدد بها العهد مع عظيم من الخالدين على مسيرة البشرية نحو كمال الإنسانية. إقبال من ملكه عصره وملك عصره، على حد ما مدحه به كبير الشعراء إيران "ملك الشعراء بَهار" واعتبره نادرة العصر فقال:
والحديث عن العظيم يحتاج عظيماً، وما أنا بذلك العظيم، يحتاج سعة من الوقت وبسطاً وأنا والحمد لله لا وقت لي ولا مكنة. إلا أن الواقع في مقابل ذلك أن حرمان القلم من صلوات يرسلها إلى روح إقبال الحبيب أصعب على النفس من جهد العاجزين في الوفاء. فحسبي أن أشارك الطائفين ولو بلسمة كف على الحجر الأسود. حسبي أن أحصر كلامي في الجانب الفارسي. مقام إقبال في إيران: فأما عن مقام العلامة إقبال في إيران فبالغ الاحترام والتقدير، وبخاصة بعد نجاح الثورة الإسلامية التي لا تترك يداً كريمة بذلت في سبيل الإسلام والنهوض بالمجتمع الإسلامي إلا وأحصتها وقدرتها. فإقبال من وجهة نظر الثورة الإسلامية. من كبار الدعاة الإسلاميين الأحرار. كما أنه كان وما زال في نظر الإيرانيين الأخ العاطف المحتفظ بالروابط المقدسة والمواثيق الأخوية والعلاقات التاريخية بني الباكستان وإيران. ثم أولاً وأخيراً هو واحد من كبار شعراء الفارسية المعدودين فهو نجم من نجوم سماء العرفان اللامعة الذين نادوا بالمعرفة والحرية والنضال والجهاد، وحددوا أهداف الأمة الإسلامية ودفعوا الشعوب للحركة مثل مولوي وحافظ وعراقي والحلاج وسعدي. ممن قوّموا النفس الإنسانية عن طريق تحديد ذاتها وإمكاناتها وأهدافها الوجودية وحدائها إلى مقامها المحمود في الدنيا والآخرة. فأول مجموعة مستقلة من شعره الفارسي، مثنوي بعنوان "أسرار خودي" يعني "الأسرار الذاتية" حيث اكتشف أسرار نفسه ووقف على حقائق. وطبع هذا المثنوي سنة 1920(ألف وتسعمائة وعشرين) بمعرفة المستشرق المعروف نكلسن. وتعتبر هذه المجموعة أول أذان كبر لفجر إقبال. ويجمل بنا هنا أن نشير إلى أن عهد شبه القارة الهندية باللغة الفارسية كتابة ومخاطبة يرجع إلى ألف سنة. وأن الفارسية ظلت أكثر من سبعمائة سنة لغة رسمية لتلك البلاد، حتى إذا ما تدخل الاستعمار البريطاني فيها سنة 1834 م ألف وثمانمائة وأربع وثلاثين الميلادية)، احتلت الإنجليزية مكان الفارسية كلغة رسمية. تبحر إقبال في اللغة الفارسية: وكان كلف إقبال بالشعر الفارسي أمراً ملحوظاً، وقد صرح شخصياً في إحدى رسائله بولعه بهذا الشعر واجتهاده ومعاناته في سبيل إحراز مكانة فيه. أما أساتذته في الفارسية فمنهم، السيد مير حسن الرضوي السيالكوتي والدكتور سردار صلاح الدين السلجوقي من مشاهير أدباء الأفغان وكان صديقاً حميماً لإقبال. وكذلك صديقه الآخر العلامة الشيخ عبد العلي الطهراني الذي كان يقيم مع إقبال في مدينة لاهور. وكان إقبال بالنسبة لاستعمال التراكيب الفارسية بالغ الدقة والحساسية مما كان يدفعه إلى الاحتياط والرجوع إلى أساتذة اللغة أمثال غلام كرامي وجودري محمد حسين والسيد سليمان الندوي للتعرف على طبيعة التراكيب وحساسيتها في الاستعمال. أما أساتذته الإيرانيون فمنهم المرحوم سعيد نفيسي الأستاذ محمد محيط الطباطبائي اللذان يعتبران أساتذته الإيرانيين وقد كانت بينهم علاقات متينة ومكاتبات تاريخية ذات قيمة. وقد بلغ حب إقبال للفارسية حتى إذا في عروجه الخيالي إلى العوالم العلوية أنطق سكان المريخ باللغة الفارسية:
ويقول:
هذا مع ملاحظة أن هذه الأشعار كتبت في الفترة السابقة على الانفصال وظفر الباكستان الإسلامية باستقلالها وحريتها. ثم يعترف على نفسه فيقول: "إن الفارسية أقرب إلى مزاجي وسجيتي" بل ويسجل كتابة: "إنه أحياناً ما يتهيأ له أن روح خواجة حافظ تملي عليه وتمازجه" وهذا أمر طبيعي بالنسبة للتفاعل الباطني بين الشعراء. آثار إقبال الفارسية: أما آثاره التي كتبها واحتسبت للفارسية فهي على قسمين: شعر ونثر عبارة عن: 1 ـ مثنوي "أسرار خودي" و"رموز بيخودي"، الأسرار الذاتية والرموز الذاتية. 2 ـ "بَيام مشر:" رسالة المشرق كتبها في جوابه على "جوته" في كتابه "الديوان الشرقي". 3 ـ "زبور عجم" زبور العجم. 4 ـ "جاويد نامه" الرسالة الخالدة. 5 ـ "مسافر" المسافر. 6 ـ "أرمغان حجاز" فيوضات الحجاز أو الفتوحات الحجازية. وأما النثر ففي كتابيه الفلسفيين القيمين اللذين وإن كانا قد كتبا أصلاً بالإنجليزية إلا أنهما ترجما إلى الفارسية وأصبحا كتابين لإقبال بالفارسية واعتبر ضمن الكتب الفارسية وتوارى الأصلان الإنجليزيان: "The Reconstriction Of Religious thaught in Islam" الذي ترجم بعنوان "أحياي فكر ديني در إسلام" بمعرفة أحمد آرام وقد راج رواجاً عظيماً والكتاب الآخر: "The Develipment Of Metaphysics in Persia" الذي ترجم بعنوان "بيشرفت ما وراي طبيعت در إيران" بمعرفة حسين آريان بور. والواقع أن العلامة إقبال يحظى في إيران بحياتين، إحداهما حياة فلسفية باعتباره فيلسوفاً وحكيماً إسلامياً مفكراً، والأخرى حياة أدبية باعتباره شاعراً ثورياً ومناضلاً عارفاً واعياً. أفكار إقبال: ولعل الفرصة قد حانت لنلقي نظرة عابرة نتعرف على أفكار إقبال ولو بصورة إجمالية من خلال أشعاره الفارسية. فنلاحظ أن أفكاره صارخة بضرورة اليقظة واستنهاض الهمم للانعتاق على محور يتلخص في أن الحياة هي الحركة وأن الموت هو السكون والجمود، هذه الفكرة التي صورها في شعره بأنواع الصور ورمز لها بأجمل الرموز.
وكما رأينا فإن الشاعر أجرى الحوار بين الساحل والموج فرمز للجمود والتحجر بالساحل ورمز للحركة والنهوض بالموج في جيشانه وانطلاقه في حركته الذاتية ذاهباً آيباً يلطم الصخر ويجري ليعود ليلطمه ليل نهار طول الدهر كأنه في أرجوحة كلما اشتدت حركتها ازداد حيوية. فهو حي مادام متحركاً. بينما الساحل في أعماق الغفلة سكران ذاهل عن نفسه لا يعرف نفسه أو ما يجري عليه وذلك شأن الشعوب المستكينة المستسلمة التي لا تفكر في أن تجيش أو تتحرك أو تعرف نفسها. وعلى نفس المحور يقول:
وإذا كان في البيتين السابقين أعلاه قد بين الفرق بين الحركة والسكون وعرض القضية كاملة. فإنه من الضروري أن يتخذ الخطوة العملية فتراه في هذين البيتين يأمر بالنهوض ينهى عن الاستسلام للركود فيقول:
ويأخذ الدفع إلى الثورة عنده أشكالاً أخرى جميلة منها قوله:
فهو يأمر الإنسان أن يفك عقدة تعاليه واكتفائه بحرية خيالية يشع فيه غروراً ذاتياً موهوماً ويأمره بأن يكون واقعياً فيحطم ما يكبله من أغلاله الوهم وينزل من سمائه ويندمج مع البحر الهائج. وفي هذا دعوة للطبقات المتخلفة حتى تنزل لمستوى الكفاح الشعبي وتشارك الشعوب في حركتها الناهضة يقول لها: كفتند، أي قالوا. ومن أولئك الذين قالوا؟ إنهم المجربون رواد الحياة الحق أمثاله من مشاعل الحرية.
ثم يميط اللثام عن السبب في التخلف وفساد الأوضاع الطبقية وانعدام العدالة الاجتماعية والتسلط والتحكم مستنهضاً الكادحين للثورة في كثير من المواقف، نشير إلى أحداها إذ يقول:
ويستفز الجيل المسلم القائم الذي يشبهه بالبرعم حديث التفتح للنهوض والتصدي للدفاع عن بيته المغتصب أو على الأصح عن حماه ووطنه السليب، ويطالبه بأن يفتح آذانه ويسمع هداية الهداة ويصحو على تكبير آذان الحرية ويدفئ أفكاره بأنفاس الروحانيين المخلصين للحق حتى يتوفر له الوعي بأهدافه فينضم إلى رواد القافلة التحريرية وطلائعها الثورية، ويدحروا كابوس النوم بسهام اليقظة.
وكأنه يستعمل التكرار طبلا يدق به على رأس النيام حتى يتيقظوا.
فإذا سأله ماذا؟
من أين؟! من:
انتفضي يا أمة الإسلام في الهند في سمرقند في العراق في همدان في كل مكان انتفضي تيقظي من نومك الثقيل. وبعد هذه العمومية يعود إلى الإنسان بالذات فيطالبه بأن تكون له قوة الموج وعرامة الطوفان، وأن يثور على الحياة الهامشية ويتمرد على الفراغية والركود والعزلة والتحوصل، وأن يطفر بنفسه من بؤر العفن التي تنحل فيها نخوته ومباءات الترف التي تميع شخصيته، ويخرج لصيد النمر فيضرب خيمته في الجبال والفلوات وبذلك يحرّشه للقضاء على عدوه النمر بعد أن يتحرر في عوامل التخلف والانهزامية:
يقول:
وهذا القائد العظيم، لا تغيب عنه صورة الشهداء ولا حقوقهم على الأحياء فهم يحتلون خياله دائماً في صورة الشقائق. ولن يهدأ هذا الدم ما لم تتحقق الأماني التي دفعوا لها أرواحهم، وعليه، فدمهم أمانة في ذمة الأحياء. ولهذا فإن الحرب لا يمكن أن تضع أوزارها إلا بعد تحقق النصر فالمعمعان على أشده والدروع لا زالت في الأيدي، فكيف يتفق مع العقل أن أوراق الشقائق ما زالت تتقاطر بدماء الشهداء المكفنين بها ثم تلقي الدروع وتتربع في خيمة الصمت على الساحل النعسان. إن المسألة دوامة الماء التي تلفنا وتمنطقنا مسألة التمساح الكامن في الدوامة والمبارزة سجال والدوامات يقظة تتحين الفرصة للانقضاض عليك. أن تماسيح الاستعمار والاستكبار والاستثمار ودوامة الفتنة تترقب بك الدوائر:
يقول:
هذا، وتتجلى في شعر إقبال قيم أخلاقية وتربوية عظيمة فطالما أشار إلى أسرار الاعتماد على النفس والاستفادة من القوى الكامنة في الإنسان المسلم. فيطالبه بأن يطابق بين معرفة الكون ومعرفته بنفسه. بمعنى أن يدرك الإنسان حقيقة عالمه الباطني، فالغفلة عنه غفلة عن مصدر القوى الهائلة الكامنة فيه الممنوح له حتى يستخدمها، هذه الغفلة التي تؤدي إلى التعطل والشلل والفساد. فإقبال لا يقصر نظر الإنسان على السير الآفاقي بل يزاوج بينه وبين السير الأنفسي أيضاً فالمسيرتان تتم إحداهما الأخرى وهما معاً قدماً المعرفة وسلم العروج. ومن أفكاره التربوية العميقة، نظرته إلى الموت. فالموت في نظره ليس شيئاً مخيفاً. لأن الإنسان لا يفنى. فالمجاهد الحق في نظر إقبال حريص مشوق إلى لقاء الموت. إنه هو الذي يكمن للموت حتى يظفر به لا الموت، هو الذي يلاحقه حتى يأخذه مهما هرب منه فحياه العارف مسيرة هادفة إلى أن يصل إلى الموت بنفسه. فمن يحرص على الموت توهب له الحياة، لأن الموت واسطة انتقال وحركة عالم سفلي إلى عالم علوي. ثم إن الكريم لا يسلب ما وهب. فالموت إذن حياة. أما الموت الحقيقي في نظره، فهو موت القلب هو عدم اليقين عدم الإيمان بالحياة الأخرى والاندفان في قبر الملاذ الدنيوية ومدفن الشهوات الزائلة. يقول:
يقول:
ثم تتسع نظرة إقبال إلى الحركة باعتبارها هي الحياة، إلى المشهد الآدمي الأول بعد أن تواجد على أثر حركة الخلق وقد كان قبل ذا نسياً منسياً. وكانت تلك الحركة المباركة السارية في الوجود أولا وآخراً، ولعله ألهم هذه النظرة من الآية الكريمة: )وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون( (البقرة 2، ى / 30) فهو يقول في قصيدة بعنوان ميلاد آدم، عندما خلق الله سبحانه وتعالى آدم (ع). وقعت الحركة في الكون فصاح العشق: لقد ظهر العاني الفاني في الدين والعشق والمعرفة. واهتز الحسن لأن صاحب النظر الذي يعرف قدر الحسن قد جاء للوجود. واضطربت الفطرة تتعجب إذ كيف يخلق فجأة من التراب الهامد المجبور فاقد الإرادة موجوداً يمتاز بثلاث صفات، بالعصامية وقهر النفس والكبرياء. وفجأة طار الخبر من الفلك إلى سرادق العزة، أن يا أيها الملائكة المحجبون خلف الأستار أيها الكروبيون خذوا حذركم، فقد ظهر من يهتك الأستار الذي تتضاءل أمامه أقداركم، الذي يعصى في الأرض. وفجأة صحا الأمل النائم في أحضان الحياة ونفض النوم عن أجفانه فرأى عالماً آخر غير الذي كان. وقالت الحياة لنفسها: لقد تمرغت طول حياتي في التراب حتى انفتح باب الحركة والصعود من هذا الفلك:
يقول:
على أنني قبل أن أختم كلامي بشكر السادة المستمعين على صبرهم وسعة صدرهم في تحمل مشقة الاستماع إلى جهد المقل أتمنى أن يشملني عطفهم في أن أختم بهذه الإشارة أيضاً. لقد نزل إقبال إلى ميدان الشعر الفارسي شاعراً فحلا وجارى شعراء إيران، وثبت بينهم واحداً منهم إلا أن مولانا جلال الدين الرومي كان أقربهم إليه وآثرهم عنده، وكان أثر مولانا الرومي عليه بالغاً حد الاعتراف له بذلك الفضل والشواهد والأدلة على هذه الحقيقة وفيرة، إلا أننا سنعرض على سبيل المثال موقفاً واحداً من تعاطي العلامة إقبال لأفكار العارف الرباني العظيم جلال الدين في إشارته إلى الحكمة في ما روي عن الفيلسوف اليوناني "ديوجين الارثي" ومصباحه. قال جلال الدين:
يعني:
فاستقبل إقبال هذا المعنى وقال:
يقول:
وكما نرى فالبحث هنا لدى الثلاثة عن "الإنسان الكامل" فقد بحث عنه ديوجين بالنهار وطوف المدينة بالمصباح فلم يهتد. إلا أن إقبال وجد الإنسان الكامل فيمن يتأسى بالحسين (ع) ومسلكه في كربلاء، فهو يقول لم يؤثر الحياة على الموت في سبيل الحق لا تصاحبني فأنا لا أسمع نصيحتك ولن أغلق فمي ولن أمتنع عن إباحة الأسرار بل إنني سأتزود بالسهم والرمح والخنجر والسيف وكل وسائل الحرب الأخرى في سبيل الحق، فابتعد عني إن كنت تخاف فإنني أرى عظمة الفناء في سبيل الحق، تلك العظمة الحسينية، هي كمال الشرف الإنساني. فليرتفع صوت التكبير عالياً ولتعل كلمة الإسلام على أشلائي في أسعد مقاماتها أسوة "بسيد الشهداء" بسبط الرسول. وهنا نشاهد أن الحركة قد شملت إقبال نفسه وفي هذا ما فيه من صفات القيادة الحق والسلام على إقبال في كل وقت وطابت ذكراه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. *** المصادر والمراجع: أ ـ باللغة الفارسية. 1 ـ ديوان إقبال لاهودي (تهران، انتشارات بكاه 1362) 2 ـ إقبال لاهودي وديكري شعراي فارسي كوى، دكتر محمد رياض (إسلام آباد، مركز تحقيقات فارسي إيران وباكستان، 1927). 3 ـ كشف الأبيات إقبال، دكتر صديق شبلي ـ دكتر محمد رياض (إسلام آباد، مركز تحقيقات فارسي إيران وباكستان، 1977). 4 ـ شعر فارسي دربلوجستان، دكتر إنعام الحق كوثر (إسلام آباد، مركز تحقيقات فارسي إيران وباكستان، 1975). ب ـ باللغة العربية: 1 ـ فلسفة إقبال، الشاعر والفيلسوف الباكستاني محمد إقبال، الدكتور علي حسون (دمشق، دار السؤال، 1985). naseem ![]() عدد القراءات : 3680 |
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
الحقوق محفوظة لشبكة دهشة 2007© 2007
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
مواقع صديقة: وظائف خالية | سوق 24 | Adsriver Classifieds & Free Ads | تحميل ملفات | سوقك - اعلانات مجانية | Mega Article Directory | Article Directory








محمّد إقبال فيلسوف الذات وشَاعر العشق ـــ د. عبد الكريم اليَافي
المرء حيث يضع نفسه
حكمة بليغة من أوابد حكم العرب. ندرك بها كيف نشعر بنصيب من الرفعة والسمو حين نتدارس حياة عظيم من العظماء، وكيف نكرّم أنفسنا حين نكرم ذكراه. ومع الشعور بالتكريم والسمو والرفعة نرى الدنيا مرة جديدة أكرم وأجمل مما نظن إذ جادت بأولئك العظماء وهيأت لنا معايشة ذكراهم وتأمل أعمالهم وأفكارهم. وهكذا يسعدنا أن نتحدث عن الذكرى التاسعة بعد المائة لميلاد شاعر الشرق محمد إقبال.
ولد محمد إقبال سنة 1877 في سبلكوت لأسرة كشميرية الأصل برهمية المحتد، أسلمت قبل عدة قرون في زمن السلطان زين الدين الياس بودشاه. ثم هاجرت إلى البنجاب ذات الطبيعة الفاتنة. رجا أبواه التقيّان الشيخ نور محمد والسيدة إمام بيبي أن يكون لهذا الوليد شأن. فعكفا على تنشئته وتربيته وتعليمه كأفضل ما يكون التعليم والتربية والتنشئة. وفي كل مرحلة من مراحل النمو كان الطفل الناشيء واليافع اللامع يتجاوز في الأصالة والتفكير والعمق والبيان كل ما كان يُقدَر له.
درس في كلية سيلكوت على عالم مشهور كان يشار إليه بالبنان في الأدبين الفارسي والعربي هو شمس العلماء مولانا مير حسن. ثم انتقل بعدها إلى كلية الحكومة بمدينة لاهور حاضرة البنجاب، فبرّز بين أقرانه، وحاز جوائز متعددة. ولمح أستاذه المستشرق السرتوماس أرنلد مخايل نبوغه. فلم يكد يتخرج حتى عهد إليه في تدريس الفلسفة واللغة الإنكليزية بالكلية نفسها. ثم هاهو ذا يسافر في تباشير القرن العشرين سنة 1905 إلى أوربة شغفاً بالتحصيل العلمي العالي ورغبة في الإطلاع على مظاهر حضارة الغرب. فهو يُجاز في الفلسفة من جامعة كمبردج. ثم ينتقل إلى ألمانية فتمنحه جامعة مونيخ شهادة الدكتوراة في الفلسفة. ثم يرجع إلى إنكلترة فيحصل على شهادة المحاماة من جامعة لندن. وفي خلال ذلك كله يلقي محاضرات تتلامح فيها بوادر فلسفته العالية. ولم تكن تلك الشهادات كلها شيئاً بالنسبة إلى ينبوع العبقرية الثر الأصيل في قلب الشاب فهو قد قطف تلك الشهادات كما يقطف المتنزه في طريقة بعض الأزاهير تدل على مروره بتلك المعالم.
رجع إقبال من أوربة عام 1908 فلقي استقبالاً حافلاً وعرضت عليه مناصب حكومية فأعرض عنها. إنه نزيه عفيف النفس يقنع بالكفاف ويرضى بالميسور. كما عبر ذلك في بيت من ديوانه "رسالة المشرق"، قال:
"أنا لا أتحمَّل دلال الملوك ولا جرح الإحسان، يا من انخدعت بالمطمع! انظر إلى همة هذا الفقير."
وإنما انصرف إلى الفكر والأدب مع ممارسة المحاماة، فصنف ديوانين باللغة الفارسية هما "أسرار خودي" و"رموز بيخودي" فنالا إعجاباً عاماً. وترجم الأول المستشرق الشهير نيكلسن إلى الإنكليزية، فذاع صيت المؤلف في أوربة وأمريكة. ثم يتوالى الإنتاج الفكري وتتلاحق ترجماته. ولعل من أعظم أعماله ديوانه المعروف "بيام مشرق" أي "رسالة المشرق" كتبه مساجلة للشاعر الألماني الكبير غوتي الذي ألف "الديوان الشرقي للمؤلف الغربي".
وترجم المستشرق الإنكليزي أربري ديوان إقبال هذا ترجمة جميلة إلى الإنكليزية بعنوان "زنابق سيناء".
وقد حمله أصدقاؤه على ترشيح نفسه لعضوية المجلس التشريعي في إقليم بنجاب سنة 1926 فانتخب عضواً وسعى سعياً حثيثاً لتخفيف الضرائب عن كاهل الفلاح الهندي ولإجراء إصلاحات اجتماعية متعددة. ثم انتخب عام 1931 عضواً في مجلس المائدة المستديرة المنعقد بلندن لإصلاح دستور الهند. وفي رجوعه زار القدس وأوجس مطامع الصهيونية الماكرة كما زار مصر. ثم زار أفغانستان ليشارك فكرياً في تأسيس جامعة كابل. وقام بوجوه كثيرة من النشاط الاجتماعي والثقافي والسياسي. وفي غضون ذلك كله لم يفتأ ذلك الصوت العبقري يعلو ويسمو ويقوى حتى تجاوب في الآفاق العالمية دانيها وقاصيها. ولكن صاحبه كان يريد أن يبلّغه أيضاً مسامع العرب. ذلكم أن عناصر ذلك الصوت إن كانت في الظاهر هندية فإن جرسها الممتاز وروح نبراتها عربيان. يقول في ختام قصيدة طويلة رائعة بعنوان شكوى:
أسمعهمو يا رب ما ألهمتني
وأعد إليهم يقظة الإيمان
وأذقهم الخمر القديمة إنها
عين اليقين وكوثر الرضوان
أنا أعجمي الدنّ لكن خمرتي
صنع الحجاز وكرمِها الفينان
إن كان لي نغم الهنود ولحنهم
لكن هذا الصوت من عدنان
لقد سكر إقبال من محبة العرب ودينهم ولكنه كان متفتح النفس تجاه الأمم جميعها. فلقد كتب فيما كتب هذه الأبيات في ديوانه "أرمغان حجاز" ينوه فيها بقدر إيطالية حين مر بها: "انظروا إلى هذه الأمة تتشبث بأمواج البحر الأبيض المتوسط الزرقاء. إنها تغني الآن كالقيثارة وترتفع شامخة كشجرة السرو."
وقد تُرجم ديوانه "جاويد نامه" وهو من أنفس الدواوين إلى الإيطالية بعنوان "أشعار سماوية". وذلك أن إقبالاً بارى به شاعر إيطالية "دانتي" في ملهاته المشهورة. وفي عنوان الديوان تورية بابنه جاويد.
لقد قلّ أن يجتمع لإنسان ما اجتمع لإقبال من مواهب فطرية وعبقرية عالية وثقافية واسعة. كان عالماً ضرب بسهم وافر في ميدان الثقافة الإنسانية الزاخرة، مطلعاً على تاريخ الفكر الفلسفي الشرقي ولاسيما الإسلامي وبخاصة التصوف، وكذلك على تاريخ الفكر الغربي واعياً لمكاسب الفكر الحديث حتى آخر المكاسب العلمية الفكرية. ونحن الذين نفخر بأنادرّ سنا ما راج في العصر الحاضر من عناصر نظرية المعرفة وفلسفة الفيزياء الحديثة وقد بدلت وجه العالم ولاسيما في نهاية الربع الأول من هذا القرن نجد آثاراً لها وإشارات إليها في كتابات إقبال. ونحن نعلم أن إقبالاً توفي سنة 1938 أي أنه لم يغفل عن معالم الفكر الحديثة أيان نجمت وأنّى برزت.
وكان إلى ذلك شاعراً من أكبر شعراء عصره. بل كان أكبرهم وأوسعهم أفقاً وأعمقهم شعوراً وأشدهم سمواً. وإذا كان الشعراء يكتبون أشعارهم بلغة واحدة فقد أتيح له أن يكتب أشعاره بالفارسية والأردية وأن يكتب إلى ذلك بحوثاً فلسفية واجتماعية وسياسية بالإنكليزية فضلاًَ عن معرفته لغات أخرى كالألمانية والفرنسية وإلمامه بالعربية والسنسكريتية.
وهكذا تضافرت الثقافية الواسعة والموهبة الشعرية النادرة والفلسفة المتأملة الواعية والإيمان العميق الدقيق في تكوين هذا المفكر الفيلسوف المصلح الشاعر العظيم.
إنه في الشعر والفلسفة الفارسيين يلحق بالشعراء الأفذاذ العالميين ولاسيما بجلال الدين الرومي الذي كان إقبال معجباً به ـ ومن منا لا يعجب بمولانا جلال الدين ـ وإن كان يختلف عنهم باختلاف العصر وصروف المجتمع وفي شؤون أخرى عدة ولا سيما في توكيده مكانة العمل وإلحاحه على فكرة الذات وتفردها وهو في هذا الشأن يقترب من الشيخ محيي الدين بن عربي كما يختلف عنهم جميعاً في الاستفادة من الفكر الحديث ومن مكاسبه.
عاش إقبال في عهد شهد المدّ الأعظم لطغيان القوى الاستعمارية ولاسيما الإنكليز، كما شهد إزاء هذا الطغيان غفلة الشرق بعامة والمسلمين بخاصة والعرب بوجه أخص ورأى تفرق هذه الأمم والشعوب جميعاً. لقد نهض عظماء في الشرق وبين المسلمين وفي أكناف العرب أهابوا بالنوّام أن يستيقظوا وبالغافلين أن يتنبهوا وبالمتفرقين أن يتجمعوا وبالمتواكلين أن يجدّوا ويعملوا. ولكن هيهات لصيحات قوية مخلصة أن توقظ ملايين الرقود كالأموات من دون تهيئة أسس فكرية ومادية مكينة ورصينة تجاه حديد الغرب ورصاصه ولؤمه ودخانه. لقد عرف العرب الإصلاح السلفي في محمد بن عبد الوهاب. والثورة الواعية المتنقلة في السيد جمال الدين الأفغاني، والعلم الديني المستنير في الشيخ محمد عبده، والتنديد بالاستبداد والتفرق في عبد الرحمن الكواكبي، والوطنية الشابة المتأججة في مصطفى كامل، والإخلاص الغيور لمصلح في خير الدين التونسي وأمثالهم، كما عرفت الهند بعض زعماء الإصلاح أمثال السيد أحمد خان والسيد أمير علي (كلمة السيد هنا لقب كما هي للأفغاني) فكان أمثال هذين المصلحين إرهاصاً من بعض وجوه النظر بالفيلسوف الشاعر العظيم محمد إقبال.
راع إقبالاً تخلف الشرق المرير تجاه تقدم الغرب المادي كما راعه سيطرة هذا الغرب الذي رآه بلا قلب على مئات الشعوب وملايين الأفراد فنذر فكره وقلبه وقلمه للإصلاح وللنضال وللتنديد بالغزو الاستغلال والاستلاب.
وجد الغرب مفعماً بالنشاط زاخراً بالحركة. ولكنه مجرد من المبادئ الخلقية الأصيلة، فقير بالحب والإيمان، تكبله قيود المنطق بل تنهشه كالأفاعي. لقد سخّر الطبيعة لأغراضه، ولكنه أخفق في محو البؤس الإنساني، بل زاد هذا البؤس في آسية وأفريقية وبين شعوب أمريكة وأسترالية الأصليين. أما مأساة الشرق فهي النزوع نحو المظهر الخارجي الخلاب الذي يظهر به الغرب لا نحو قدراته العلمية المبدعة. لقد عانى إقبال ما وجده في الشرق والغرب من انفصام فهو يقول:
"في الغرب العقل مصدر الحياة،
وفي الشرق الحب قوام الحياة،
فيثبت مكاسب الحب.
انهضوا وأقيموا دعائم عالم جديد.
بالتوفيق بين الحب والعقل".
وينظر إقبال حوله فلا يكاد يدع مشكلة إلا أولاها قبساً من فكره وأضاءها بسنا من بيانه.
آذاه استغلال الإقطاعي للفلاح فسعى لتخفيف الضرائب عنه كما أشرنا من قبل إلى ذلك، وآذاه الرأسمالي للعامل أيان كان فناداه منبهاً على مكانته في الإنتاج مقترنة بوهن حالته: "أيها العامل الذي ابتلعه الرأسمال المحتال! لقد غبرت حالتك قروناً على الغصون الواهية. يدك هي الخالقة للثروة ومع ذلك تمتد كأنها متسولة للحصول على الآجر.. لقد أطعمك ساحر الموت أوراق الحشيش فظننتها أيها الغافل سكّر النبات. لقد سيطر عليك الراسمالي بالحيل الماكرة، فغلبت أيها العامل على أمرك بكل سذاجة. تيقظ لأن أسلوب محفل العالم تبدد. وقد ابتدأ شأنك الآن في الشرق وفي الغرب."
كذلك آذاه وآده طغيان بعض الحكومات على رعاياها وهو الذي أشاد بالحرية وعرف مكانتها العليا في تربية الشعوب فهو يقول:
"إلى اليوم ما يزال الإنسان شر فريسة لصيد الحكام. وإنها لقيامة كبرى أن يبقى الإنسان فريسة الإنسان."
ويقول أيضاً: "لم يخلق هذا الهيكل الترابي في أول فطرته من تراب الجحيم ولا من تبر الرضوان ولكن الحياة تخلق فيه بأسلوب العلم جحيماً أو جنة."
أحب إقبال العرب وفُتن بلغتهم العظيمة، ولا غرو فهي لغة القرآن، لغة السماء زيادة على كونها لغتهم. وهو قد شحذ بأفكاره وأشعاره همم الهنود وأجج بحماسته عزائم الفرس وأطرب بنغماته الكواكب والأفلاك حتى وصلت إلى السماء السابعة. ولكنه تمنى لو تصل أصوات نايه الرخيم العذب القوي إلى مسامع العرب وتبلغ فحواها قلوبهم فيجمعوا شملهم ويعودوا أمة واحدة بعد أن صاروا أجزاءً متفرقة وأباديد، ويستأنفوا سبيل مجدهم الصاعد. لقد آلمه تفرقهم وتصدعهم فهو يتلهف على جمع شملهم ويناشدهم:
كل شعب قام يبغي نهضة
وأرى بنيانكم منقسماً
في قديم الدهر كنتم أمة
لهف نفسي كيف صرتم أمماً
لقد انقطعت أوصال البلاد العربية وتوزعها الغزاة بعيد الحرب العالمية الأولى. وقع بعضها في مخالب الانتداب وبعضها في براثن الاستعمار فأصابت إقبالاً صدمة عنيفة ولكنه أبى أن يتشاءم أو يستسلم: "إن سقط جبل من المآسي على العرب فلا حاجة إلى العويل. إن الفجر لا يطل إلى بعد فناء آلاف النجوم."
هذا وكل فيلسوف حق ومصلح كَفيّ لابد أن يفعم قلبه الأمل. يقول إقبال:
"أنا بشير زنابق الربيع
يتوقد ضرام الحب في قلبي
لا تأنفْ من اليوم إن وجدتني وحيداً
سوف تتوالى قوافل الورد تترى من بعدي"
الورد يتلو الزنبق
حتى في أنقاض الدمار كان إقبال يلمح شعاع أمل لحياة جديدة أكثر حركة وأشد عزماً وأبهى إشراقاً من الماضي.
شُهر عن إقبال أنه شاعر الإسلام وفيلسوفه الكبير الحديث. ولكنه عندنا شاعر العشق وفيلسوف الذات. إنه فيلسوف الإنسان وشاعر المحبة الإنسانية يتجه إلى الإنسان ليجلو عن ذاته الصدأ والخمود ويبث في روح المحبة وعزيمة العشق. ونحن يهمنا أن نبين ولو بإيجاز السبيل الفكري الذي يسلكه في الإصلاح.
إن هذا السبيل هو النفوذ إلى نفس المرء وشحذ ما فيها من ذاتية مفردة ودفعها في ميدان الأمل والعمل والإقدام والعزة والرقي.
من المعلوم أن سقراط منذ القديم قد اتخذ في الفلسفة شعاراً وهو "اعرف نفسك بنفسك." ولما جاء الصوفية المسلمون تجاوز أحدهم وهو يحيي بن معاذ الرازي هذا القول فنوه أن "من عرف نفسه فقد عرف ربه." ونحن نفهم من هذا القول أن سر النجاة وأكسير النجاح في غمار الحياة أن يسلك المرء السبيل الذي به يحقق ما يحسن من قيم رفيعة ومجد مؤثل فيستطيع أن يبني ولو حجراً ما في صرح الحضارة الإنسانية بتعاضده هو وغيره من الناس حتى يتم الرقي ويطّرد التقدم. ذلك أن الطريق إلى الله بعدد نفوس بني آدم كما أشار إلى ذلك صوفي آخر. فالطريق الخاص بكل امرئ هو الذي يستطيع فيه أن يتقن عمله ويحقق جانباً من المعالي، وإلا كان ضائعاً في ميدان الحياة مسلوباً وهو لا يعي أن هذا الميدان هو درب الخلود.
القضية عند إقبال ليست مجرد معرفة فاترة تكشف دون أن تحفز، وتجلو دون أن تدفع. ذلك أن النفس إنما هي في ذاتها نفس بقواها الدافعة الحافزة الخلاقة. أنيتها حركة دائبة وجهاد متصل وتوتر ناشط وكفاح مستمر وشعلة متوثبة النور. كل ما يحول دون توهجها سفساف قبيح مرذول. وكل ما يقويها ويزيد في نمائها ويزكيها فهو سام مستحب. قد يتوهم الإنسان الوقت خطأ ممدوداً يقيسه بالليل والنهار فيقع في شباك الوقت. والحق أن الوقت هو الحياة، هو الأمل والعمل والسير والدأب. ولا خير في حياة تمضي في صمت وسكون واستخذاء. إن الذات لتقوى بتوليد المقاصد وإيجاد الرغبات وتجديد الأماني. والغايات الرفيعة الجميلة تستهوي أصحابها وتبعث فيهم معين القوة ورسيس العشق. هنالك شأن اسمه الخلود... وهو يتهيأ في أحضان هذه الحياة التي نحياها. يقول إقبال: "غص في البحر وحارب الأمواج فإن خلود الحياة في الكفاح. السكون محال في الأرض. انصرام الليل مؤذن بانبلاج الصباح. وآخر عهد البراعم أول عمر الزهر. كل شيء هنا يتغير ويتبدل."ويقول أيضاً:
لقد دفنوا في التراب البذور
فلم تَفنَ في لحدها الهامد
ولم تنطفئ نارها في الحياة
على طول مرقدها البارد
هذا التوقد الحافز هو العشق فهو الذي يبعث الرغبات ويشعل في القلوب الجمرات. وهو الذي يغذي الذات ويولد فيها سمو المقاصد وتحقيق الغايات. العشق هذا معناه طلبك الشيء لتجعله جزءاً من نفسك. وأسمى صور العشق إبداع القيم. العشق متصل بالذات وبفرديتها. إن العشق يجعل الطالب فريداً والمطلوب فريداً أيضاً. إنك إن طلبت أو عشقت مقصداً وتمنيته فإن غيره لا يرضيك ولا يقنعك ولا ينقع غلتك ولا يقوم مقامه في إرضائك. العشق هو الطاقة التي تحطم القيود وتتجاوز السدود وتتغلب على الحدود. والذات العاشقة تتجاوز الزمان والمكان. إنها قلم القضاء ومصداق القدر.
وهكذا يتصل في فكر إقبال العشق المتقد بالعلم المنير. العلم يستدعي السؤالات ويدرك الصفات. والعشق يقتحم العقبات ويشهد الذات ويولد المعجزات ويرفع الإنسان فوق النجوم النيرات.
ولا يتم هذا دون مراحل ولا بغير شروط. ففي البدء تنشأ في الذات المقاصد. وتتولد الرغبات، وتبرعم الآمال. ثم تدخل الذات ميدان النضال ومضمار الجد والكفاح. وفي غمرة الكفاح والجد والنضال تتسلح بالمبادئ السامية وتهتدي بالإيمان العميق فتضبط شهواتها، وتشذب نزعاتها وتهذب طباعها، وتوحد اتجاهها. أو ليس الرسول العظيم قال لأصحابه حين قدم من غزاة: "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر. قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال" جهاد النفس."
وهنا لابد من أن نقف فينة عند هذا الأثر وإن كان في تخريجه بعض العلل. نوضح فحواه إيضاحاً ينسجم مع ما أراده إقبال. وعندئذ نوكِّد بالاستطراد المناسب قصد الفيلسوف الشاعر دون أن نخرج من دائرة أفكاره.
يتضمن لفظ الجهاد اعتماد القوة في تغيير الواقع: واقع النفوس الباطن وواقع الحياة الخارجية. ولما كانت الأديان ثورة على الفساد وإحلالاً للنظام والوحدة لزم أن تتضمن تعاليمها اعتماد القوة في ذلك. لم تكن المسيحية كلها سلاماً. فلقد جاء في إنجيل متى قول السيد المسيح: "لا تظنوا أني جئت لألقي على الأرض سلاماً. لم آت لألقي سلاماً لكن سيفاً." إن الإنسان قد يضطر إلى حمل السلاح دفعاً للظلم وتحقيقاً للعدل وحفاظاً على الكرامة الإنسانية. وقد نشأ في العصر الحاضر التفريق بين الحرب العادلة والحرب الغاشمة. فالحرب والعدة والسلاح أمور خارجية لقهر المعتدين والمفسدين. وكذلك هي رمز لقهر الإنسان عدوه الكامن في نفسه وهو التشتت والهوى والنزعات الفاسدة حتى يحل فيها النظام والعدالة والوحدة. فنهاية الحربين الخارجية والباطنة السلام. وإنما اشتق الإسلام من السلام وهو غاية النفس والمجتمع. ويبدو حرب الأعداء أمراً يسيراً بالنسبة إلى حرب شتات النفوس وتوزعها. لأنه متى توحدت النفوس وساورها النظام والعدالة سهل التغلب على العدو الخارجي.
ولهذا جاز استعمال لفظ الجهاد في الميدانين واعتبار جهاد النفس الجهاد الأكبر كما جاز اعتماد السلاح رمزاً للموعظة الحسنة والكم الطيب والحجة البالغة. وقد اشتق العرب من مادة فصل: الفيصل للسيف والمفصل بكسر الميم للسان وقالوا: قول فصل وفصل الخطاب وحكم فيصل. وجاء في أساس البلاغة: رب كلام بالمفصل أشد من كِلامٍ بالمقصل" وقالوا: سيف مقصل أي قطاع، ولسان مقصل أي حديد ذرب. ويؤيد صحة الرمز والاستعارة هذين عامة ما جاء أيضاً في رؤيا القديس يوحنا: "وفي يده اليمنى سبعة كواكب ومن فيه يخرج سيف صارم ذو حدين" فالسيف الخارج من الفم لا معنى له إلا الكلم ووصفه ذا حدين إشارة إلى قوة البناء وقوة التدمير فيه.
وعندنا أن إقبالاً وعى كل الوعي مكانة البيان فنذر نفسه للشعر والفلسفة يدمر الفاسد ويبني الصحيح في نفس الإنسان متوجهاً إلى كيانه الذاتي منسجماً مع مبدأ جهاد النفس.
هذا ومن أهم أساليب البيان وأشدها تأثيراً الشعر وضرب الأمثال والتخيل والإتيان بقصص قصيرة معبرة. انظروا كيف يهاجم البغي والقوة الغاشمة وتقتيل النفوس بغير حق جشعاً وطمعاً في سرقة أموال الغير وسرقة أراضيهم. فقد قص قصة الشيخ ميانمير أحد كبار الصوفية إذ زاره أحد سلاطين الهند. وكان السلطان مولعاً بالحرب والتدمير. وبينما السلطان يلتمس من الشيخ أن يدعو له بالنصر تقدم أحد المريدين من الشيخ بدرهم قائلاً: كسبت هذا بكدّي وأرجو من سيدنا الشيخ أن يقبله مني. فقال الشيخ للمريد: أعط هذا الدرهم السلطان فهو أفقر الفقراء وأحرص الناس على الاستجداء كم أخرب بلاداً وقتل عباداً لبشبع!
وإذا جرى كل امرئ على أصول ضبط النفس ومكافحة الأهواء تضافرت الجهود وتلاقت الأعمال وتحول التشتت إلى التناسق والتفرق إلى التوافق، وصار التجزؤ والانقسام إلى الوحدة والالتئام. وسهل حل جميع العقد المنيعة المطلب والصعبة المرام. ذلك هو ملتقى الكمال للعلم والقوة وتلك نقطة الاتصال بين الفكر والعمل والعاطفة والعقل. عندئذ تتهيأ للإنسان خلافة الأرض.
وهنا نجد فيلسوف الذات يرفع قدر الإنسان وينوه بعظمته الفكرية ونشأته الروحية، ويوقع عليه المسؤولية الفردية الاجتماعية في تنظيم هذا العالم وذلك بالحرية الواعية الهادية والذاتية المتقدة العادلة والسمو المبدع:
أما أنا فلست أد
ري أين يعلو نظري
أنا تراب غير أنّ
الشمس دون جوهري
الإنسان مسؤول في الحياة. هو صانع ذاته ومجتمعه بالعمل والبناء والنضال والإتقان، وهو مدمرها ومدمر مجتمعه بالتواكل والتكاسل والإهمال. إنه يكافح إذا عرف ذاته وجوهره ليسمو فوق كل من العالم الذي صنعه الإنسان والعالم الذي خلقه الله. يتخيل إقبال حواراً ممتعاً بين الله والإنسان ليظهر سنا من السر الإلهي في العالم. يخاطب الله الإنسان: "أنا خلقت العالم من الماء والصلصال كما خلقت. وأنت خلقت الحواجز الجغرافية لإيران وتركية والتتر وغيرها. جعلت أنا الفاكهة تنبت من التراب واخترعت أنت السيف والقوس والنشاب. أهويت أنت على براعم الحديقة بالفأس. حبست أنت الطيور الصداحة في الأقفاص."
ويجيب الإنسان: رباه
الليل أنت خلقتَه
وأنا الذي اخترع السراج
والطين أنت صنعتَه
فجعلت منه أنا الزجاج
والبيد والغاباتُ صنعك
والجبال الشاهقات
منها جعلتُ أنا الحدائقَ
والجنان الزاهرات
وأنا الذي من صخرها
صقل المرايا اللامعات
وجعلت من سم الأفا
عي الرقش أنواع العلاج
أو ليس الإنسان جلاء هذا العالم وإنسان عينه على حد تعبير الصوفي الكبير محيي الدين بن عربي؟! أو ليس إن أحسن التصرف يستحق الخلافة حين حمل الأمانة؟!
إن الأصالة ليست الانقطاع عن الأصل ولا التنكب عن التراث. يأبى ذلك اللفظ العربي كما يأباه جذر مقابله الأجنبي Originality، Originalite إنها نسغ يتخلق من الأصل ويندفع بالعشق في الذات ويعلو بالفكر ويسمو بالنضال. ولعل شخصية إقبال مثال حي على هذه الأصالة الرائعة العالية.
ذلك أنه لم يتخلّ عن مضامين التراث التي وعاها ولا رفض قيم الحضارة الحديثة التي اطلع عليها وإنما كان وفيأ لمطالب الحياة المستجدة، أميناً على خزائن التراث الرفيعة. وإذا لهج بعض الفلسفات الفنية الحديثة بفكرة "الالتزام" فإنا لنجد فنه من أوله إلى آخره ملتزماً بحب الإنسان والسعي لإسعاده أيان كان. ينوه برفعته، ويشيده بسموه، ويوجهه إلى أنبل الغايات وأعلى المقاصد. وهو في أساليب تعبيره عن ذلك لا يقطع الصلة بين تشوف الحاضر وصور الماضي. هل أذكر عنوانات كتبه: رسالة الشرق، زبور العجم، تحفة الحجاز، جناح جبريل، الرسالة الخالدة؟؟ أو أذكر بعض القطع الشعرية الوجدانية الرقيقة مثل صدر الشاعر، الحكمة والشعر، العالم بلا قلب، ميلاد آدم، خمرة الشوق، النهر، قيمة الخطر، الوجود والعدم، مأدبة العشق، كلمة الحب!
لأورد ترجمة هذه القطعة الصغيرة "كلمة الحب" ذات الصور المحسوسة المتسلسلة يروي بعضها الخبر عن بعض، وكأنها لمعان البرق. يقول إقبال:
"عندي خبر هذه الكلمة. هي جذوة القلب. هي سر وليست بسر. أنا أنبئك بمن سمعها وأين سمعها. لقد سرقها الندى من السماء وأوحى بها إلى الوردة، وسمعها البلبل من الوردة، وحملها نسيم الصبا من البلبل".
كل قصائد إقبال جديرة بالعرض السليم والشرح الدقيق، ولكني أتجاوزها لأنوه بتعبير أصيل غدا متداولاً بين شعراء الشرق قديماً والغرب حديثاً، وهو تشبيه النفس الإنسانية في تشوقها أنوار المعالي بالفراشة تطوف بالسراج المتقد المتلألئ. فكما أن الفراشة تطوف حول النور المتوهج ثم ترمي بنفسها في لتحترق وتضيء، كذلك النفس في سعيها نحو المعالي تحترق مأخوذة بسنا المثل العليا.
ثمة أمثلة متعددة على ذلك سعدي الشيرازي وحافظ الشيرازي وفريد الدين العطار. وقد تناقل الباحثون التصوير البارع الذي صوره قديماً أحمد الغزالي أخو أبي حامد صاحب الأحياء. وهو أن الفراشة تطوف عاشقة للنور. ولكن لهيب الشمعة ينعطف نحوها فيصطلمها ويتغذى بها. وهكذا يصبح العاشق قوتاً لمعشوقه وليس المعشوق قوتاً لعاشقه. وقد جاء الشاعر الألماني المشهور "غوتي" فاهتدى بأساليب العرب والفرس واطلع على اللغتين العربية والفارسية، وسمى إحدى مجموعاته الشعرية "الديوان الشرقي للمؤلف الغربي". كتب في هذا الديوان قصيدة بعنوان "الشوق السعيد" اتخذ فيها الفراشة رمزاً لمن يعشق النور ويحترق به ليتحول إنساناً أي إنسان لا مجرد طيف يغمره الظلام.
ولما جاء إقبال عبّر أوجز تعبير عن حكاية الفراشة المحترقة فهو يصرح بأنها تحترق لتصبح هي نفسها شعلة مضيئة كالشمعة نفسها. هذا هو الوصال الحقيقي. ولحظة الاحتراق أفضل من العيش أعواماً دونه:
أحب احتراقي بنار اشتياقي
ولا أرتضي عيشة الخاملين
فناء الفراشة في النار يعلو
حياة الجبان طوال السنين
ويقول أيضاً:
معنى احتراق القلب في الإخلاص أن
القلب يصبح كله أنوارا
ولقد تحولت الفراشة شعلة
لما أن احترقت فصارت نارا
هذا الاحتراق هو احتراق الحب. الحب المسكر المصطلم، حب الإنسان لأخيه الإنسان حتى لا يكون في الأرض ظلم ولا استغلال ولا طغيان.
إن الإنسان إمكانية مرمية في الكون كما يقول بعض الوجوديين. لنقل مع إقبال: ذاتٌ مرمية في الوجود تلتقي بمزاياها وخصوصيتها بخصوصيات الذوات الأخرى ومزاياهم. تتلاقى هذه الذوات ليسند بعضها بعضاً وتتضامن في معراج الرقي والتقدم فتسمو وترتفع جميعاً وهكذا يكون سر السعادة الخفي واكسيرها السرمدي في تلاقي هذه الذوات وتضامنها ومودة بعضها لبعض وهكذا يستبين معنى هذين البيتين لإقبال:
لم ألق في هذا الوجود سعادة
كمودة الإنسان للإنسان
لما سكرت بخمرها القدسي لم
أحتج إلى تلك التي في الحان
لقد اعتاد الناس متى أعجبتهم حكمة أو قول بليغ أن يكتبوه بأحلى خط ويصنعوا له إطاراً منقوشاً بماء الذهب. ولما تعذر لديّ الذهب استبدلت به إطاراً من الشعر والأدب لكي أبرز فيه حكمة إقبال في هذين البيتين، حكمة الإسلام والعرب فقلت في الختام:
واهاً لإقبال سمت غاياته
لما تأمَّل رفعة الإنسان
الذات، يا للذَّات في آرائه
قبسٌ عليٌّ من علا الرحمن
لو أدرك الأحياء رفعة شأنها
ما كان من خسف ولا طغيان
كالليزر الوقاد ذاتُك فاتجه
بالذات نحو المجد والعرفان
فإذا تضافرت الذوات تناولت
ما تبتغيه من علا وأماني
الود رابطة الشعوب لو أنَّه
متحقق عاش الورى بأمان
ولما تنافرت القلوب وكافحت
سلب الحقوق وسَرقَةَ الأوطان
إقبال قد ناديت! هل سمع الندا
ظمأى الحروب وطغمة العدوان
صُنتَ السلام لكل قوم ذاتهم
متيممين حقائق العمران
يا للنداء تصوغه متميزاً
متسلسلاً من منهل الإيمان
أصفى وأعذب ما سمعت وما سرى
يوماً من الألحان في الآذان
هذا الإطار صنعته بحشاشتي
وبسهد أجفاني ووقد جناني:
"لم ألق في هذا الوجود سعادة
كمودة الإنسان للإنسان
لما سكرت بخمرها القدسي لم
أحتج إلى تلك التي في الحان"
http://awu-dam.org/trath/23/turath23-001.htm