دهشة :: الموسوعة العربية
الصفحة الأولى عن دهشة شجرة الموقع تسجيل للإتصال بنا
اسم المستخدم     كلمة السر مستخدم جديد؟ سجل الأن

الأكثر قراءة
بحث







أثاث دمياط فرنتشر  حملة اعلانية اعلن هنا اعلان  فوركس يارد الفوركس 
حملة اعلانية اعلن هنا اعلان



وحشيات أبي تمام – دراسة : محمد كمال

ناشر الموضوع : مشتاق

وحشيات أبي تمام – دراسة : محمد كمال *


بدأت فكرة الاختيارات الشعرية منذ العصر الأموي بدوافع متفاوتة الأهمية مختلفة المقاصد، فمنها ما يتصل بالنزوع القبلي وما يقتضيه من ضرورة الحرص على مآثر القبيلة وفضائلها وتخليد مكارمها، وهذا لا يكون إلا بجمع أشعارها المتفرقة والحفاظ على دواوين شعرائها إن كانوا من المكثرين، فقد ذكر صاحب "الفهرست" أن الشيباني جمع أ شعار أكثر من ثمانين قبيلة، وأن السكري جمع أشعار ذهل وشيبان وكنانة وغيرها من القبائل، كما جمع دواوين امرئ القيس والفرزدق وغيرهما من الشعراء، ومنها ما يتصل بالتأدب الخلقي العام وما يستتبع من تعليم الفصاحة والبيان وتربية النشء على مآثر الأجداد وفضائلهم، ومن هذا النوع كتاب المفضليات الذي جمعه المفضل الضبي مؤدب المهدي بن المنصور، فأشار عليه المنصور بأن يختار لكل شاعر أجود ما قال، فأنفذ المفضل إشارته فكانت المفضليات(1)، ثم تلا تلو المفضل الضبي في هذا النهج عبد الملك بن قريب الأصمعي فصنع الأصمعيات، وأبو زيد القرشي فصنع جمهرة أشعار العرب، ومنها ما يتصل بالخوف على اللغة بعد اتساع الدولة وتمازج الشعوب من أ ن تشوبها العجمة فتذهب بفصاحتها وصفائها، فنهض العلماء يثبتون قواعد اللغة والنحو مؤيدة بما وصل إليهم من فصيح الشعر جاهليه ومخضرمه، ولولا القرآن الكريم وهذه المجموعات الشعرية لاختلت موازين اللغة وضعفت السلائق وحار الدليل.


على أن هذه الاختيارات بالإضافة إلى المعلقات لم تكن إلا أشتاتاً مختلطة من جياد القصائد وروائع المقطعات لا تقوم على وحدة تقصد ولا نسق يراد، إلى أن جاء أبو تمام شاعر العربية الكبير فوضع ديوان الحماسة، فكان أول اختيار يقوم على التصنيف والتبويب ويعتمد على الفنون الشعرية الرائجة التي بلغت في ذلك العصر غاية الامتياز والوضوح، ثم اتبعه بالوحشيات وهو الحماسة الصغرى  التي سنقف عندها بعد قليل.


وكأن فكرة الحماسة قد راقت عدداً من الأدباء بعد شيوعها وانتشارها وتبين أهميتها، فنهضوا يقلدونها ويؤلفون على غرارها كتباً سموها الحماسة أيضاً جمعوا فيها ما تناثر من القصائد والمقطعات التي تجمع شرف المعنى وسمو المقصد ونادر الغرض إلى براعة الأداء وجمال العبارة وحسن التعبير، حتى بلغت هذه الحماسات عشراً هي بحسب تتابعها الزمني: "حماسة البحتري، وحماسة أبي بكر بن المرزبان، وحماسة أحمد بن فارس القزويني، والحماسة العسكرية لأبي هلال العسكري، وحماسة الظرفاء من أشعار المحدثين والقدماء لأبي محمد عبد الله العبدلكاني الزوزني، وحماسة الأعلم الشنتمري، والحماسة الشجرية لهبة الله العلوي بن الشجري، والحماسة البصرية لصدر الدين البصري، والحماسة المغربية لأحمد بن عبد السلام الجراوي والحماسة للعباس بن علي البغدادي النجفي"(2).


على أن هناك مجموعات أخرى من المنتخبات والمختارات بلغت الثلاثين تقريباً لم تلتزم بتسمية الحماسة وكان لها الفضل في جمع الشعر العربي وحفظه إذ لا تزال مصدراً من المصادر التراثية الوافية.


وهذه الحماسة منها ما التزم أو قارب الالتزام بمنهج أبي تمام في تقسيمه حماسته وتسمية أبوابها، ومنها ما شذ عنه شذوذاً بعيداً ونحا نحواً وفقاً لقواعد ذوقية أو أسس فكرية خاصة، فإذا كان أبو تمام قد جعل حماسته في عشرة أبواب هي: باب الحماسة فالمراثي فالأدب فالتشبيب فالهجاء فالأضياف والمديح فالصفات فالسير والنعاس فالملح فمذمة النساء فإن الشاعر البحتري قد فصل وأوسع فجعل حماسته في مئة وأربعة وسبعين باباً، وأن ابن الشجري قد جعل حماسته في خمسة عشر باباً وعشرين فصلاً، أما الوحشيات فقد جاءت مطابقة في عدد أبوابها وتسمياتها للحماسة الكبرى، مع تغيير طفيف لتسمية الباب الثامن وهو باب السّير والنعاس، إذ أطلق عليه أبو تمام في الوحشيات باب المشيب.


ولقد طارت شهرة الحماسة في الآفاق وانتزعت إعجاب القدماء من رجال الأدب واللغة، وتناصرت الآراء على أهميتها حتى "وقع الإجماع من النقاد على أنه لم يتفق في اختيار المقطعات أنقى مما جمعه أبو تمام(3)"، كما حكى الصولي أنه سمع المبرد يقول: سمعت الحسن بن رجاء يقول: ما رأيت أحداً قط أعلم بجيد الشعر قديمه وحديثه من أبي تمام"(4)، ونقل التبريزي "أن أبا تمام في اختياره الحماسة أشعر منه في شعره"(5)، بل أن كتاب الحماسة أصبح مضرب المثل في الحسن والإتقان، فهذا البيهقي يترجم للقبيصي أحد علماء الفلك في عصر سيف الدولة ويثني على كتابه "المدخل إلى علم النجوم" فيقول "وهو في كتب النجوم مثل كتاب الحماسة بين الأشعار".


فكان لابد للحماسة بعد ذلك أن يشمر للعناية بها وشرحها عدد من العلماء اختلفت مذاهبهم وتنوعت اتجاهاتهم واهتماماتهم، فمنهم من شغلته المعاني الشعرية فأقبل يفسرها ويوضحها، ومنهم من قصر شرحه على مسائل الإعراب أو اللغة، ومنهم من تتبع النصوص فذكر الأخبار والأسباب التي قيل من أجلها الشعر، ومنهم من وقف شرحه على تصحيح نسبة الأبيات إلى أصحابها مع العناية ببيان اشتقاق أسمائهم، فلا غرابة إذا رأينا الأستاذ فؤاد سيزكين يحفظ لنا في سفره الجليل "تاريخ التراث العربي" أسماء هذه الشروح التي بلغت ستة وثلاثين شرحاً(6)، على أن شرحي المرزوقي فالتبريزي يعدان من أوسع هذه الشروح وأبعدها شهرة وانتشاراً.


أما الوحشيات أو الحماسة الصغرى فلم تنل ما نالته الحماسة الكبرى من الحظوة والإقبال، ولم يلتفت إليها العلماء بالشرح والدراسة، وقد يعزيها بعض العزاء أن أديباً كبيراً في عصرنا الحاضر هو الأستاذ عبد الله الطيب قد أصدر مجموعة مختارة من الشعر العربي أطلق عليها اسمه "الحماسة الصغرى"، والأشد من ذلك أن كتاب الوحشيات لم يأت على ذكره أحد من رجال الأدب القدماء إلا التبريزي في مقدمة شرح الحماسة، والقاضي الباقلاني في كتابه إعجاز القرآن: 177، والعيني في شرح شواهد الألفية بهامش الخزانة: ب 2: 404، أو لعله ذكر في مواضع أخرى لم تكتشف بعد(7)، هذا مع أن أبا تمام قد اختاره كما يقول ناسخه البوازيجي بعد اختياره كتاب الحماسة الكبرى ولم يروه، ولكن وجد بعده مكتوباً في مسودة بخطه مترجماً بكتاب الوحشيات.


إلا أن الزمان أبى إلا أن ينتصف للوحشيات وينتشلها من مغاور النسيان أو الإهمال لترى النور زاهية بهيّة في إخراجها أنيقة في طباعتها، إذ أتيح لها عالم جليل ومحقق ثبت عرف بالغيرة على التراث الأدبي هو الأستاذ عبد العزيز الميمني الراجكوتي أستاذ اللغة العربية في جامعة علّيكره- الهند، فقد حقق أبياتها تخريجاً وضبطاً، وأشار إلى أصولها في كتب الأدب ومجاميع الشعر، ورد بعض مقطعاتها إلى أصحابها، وذكر ما فيها من خلاف في الرواية بعد سبر لغور معانيها بمسبار الفهم والروية، معتمداً في ذلك كله على نسخة فريدة في دار الكتب المصرية مصورة عن الأصل المحفوظ بكتبخانة السلطان أحمد الثالث في استنبول، ثم نهض علامة هذا العصر المحقق الأستاذ محمود شاكر فزاد في حواشيها بما عنّ له من إشارات علمية وتنبيهات ذكية ومن بعض الشروح العارضة لغوامض الألفاظ التي تغنى النص وتزيده جلاءً ووضوحاً، ثم أعيد النظر في العمل بعد تمامه والفراغ منه فاستدرك العالمان الجليلان على الحواشي ما يمكن أن يضاف إليها من حصيلة المراجعة والتقليب في المصادر الأدبية بعد روية وأناة، وألحقا هذا المستدرك في آخر الكتاب، ثم أتبعاه بخمسة فهارس تفصيلية تعين أولي البحث والدراسة، فاجتمع بذلك جهد إلى جهد، وفضل إلى فضل، ثم دفعا الكتاب إلى دار المعارف في مصر فظهر في العدد الثالث والثلاثين من سلسلة ذخائر العرب سنة ثلاث وستين وتسعمائة وألف.


ومع ذلك فإن منهج العمل فيه ظل قائماً على التحقيق والضبط وتقديم النصوص الشعرية على صورتها المثلى، وهو بعد بحاجة إلى مزيد من الشرح والتفسير والإيضاح مما يتمم العمل ويقاربه من حدود الكمال(8).


فلنرجع إلى ذلك الزمان ولندع التبريزي في مقدمة شرحه للحماسة يحدثنا عن الظروف والملابسات التي أدت إلى تأليف هذين الكتابين.


يقول التبريزي: "وكان سبب جمع أبي تمام الحماسة أنه قصد عبد الله بن طاهر وهو بخراسان فمدحه... وعاد من خراسان يريد العراق، فلما دخل همذان اغتنمه أبو الوفاء بن سلمة فأنزله وأكرمه، فأصبح ذات يوم وقد وقع ثلج عظيم قطع الطريق ومنع السابلة، فغم أبا تمام ذلك وسر أبا الوفاء، فقال له: وطن نفسك على المقام، فإن هذا الثلج لا ينحسر إلا بعد زمان، وأحضر خزانة كتبه فطالعها واشتغل بها وصنف خمسة كتب في الشعر منها كتاب الحماسة والوحشيات وهي قصائد طوال فبقي كتاب الحماسة في خزائن آل سلمة يضنون به ولا يكادون يبرزونه لأحد حتى تغيرت أحوالهم، ثم ورد همذان رجل من أهل دينور يعرف بأبي العواذل فظفر به وحمله إلى أصبهان، فأقبل أدباؤها عليه ورفضوا ما عداه من الكتب المصنفة في معناه، فشهر بهم، ثم فيمن يليهم(9).


أما بقية خمسة الكتب التي ذكرها التبريزي لأبي تمام عدا الحماستين فهي كتاب اختيار الشعراء الفحول أو فحول الشعراء "تلقط فيه محاسن شعر الجاهلية والإسلام فأخذ من كل قصيدة شيئاً، حتى انتهى إلى إبراهيم بن هرمة"(10)، وكتاب الاختيار من أشعار القبائل، يقول الآمدي عنه: "اختار فيه من كل قبيلة قصيدة وقد مر على يدي هذا الكتاب"(11)، وكتاب نقائض جرير والأخطل الذي ثبت أنه منسوب إليه خطأ.


لقد كان أبو تمام إذاً واحداً من الأعلام الأفذاذ في الشعر والأدب، التقت في شخصيته الأدبية تيارات ثقافية متنوعة كان المجتمع العربي إبان العصر العباسي يتفتح عليها ويغتني بكنوزها، فنهل من الثقافة العربية علوم القرآن والحديث واللغة والمنطق وعلم الكلام، بالإضافة إلى الموروث الشعري الذي جمع ألوان الحكمة وفنون البيان، ونهل من الثقافة اليونانية الفكر الفلسفي بما فيه من جدل عقلي ومطارحات ذهنية، فظهر ذلك كله جلياً في مذهبه الشعري من حيث احتفال شعره بالمعاني المكثفة مما يحتاج إلى استنباط وشرح وتفسير، فخرج بذلك عن مذهب الطبع والعفوية إلى مذهب الصنعة والتحكم العقلي، وتروي كتب الأدب أنه كان رجلاً يعد لمواهبه كل ما تحتاجه من خبرة علمية ومعرفة فكرية، فغري بالكتب والمطالعة وعمق صلته بكل ما يمت إلى فن الشعر ويقوي الملكة ويرفد الموهبة، يقول ابن المعتز وهو يترجم لأبي تمام في طبقاته: "حدثني أبو الغصن محمد بن قدامة قال: دخلت على حبيب بن أوس بقزوين وحواليه من الدفاتر ما غرق فيها فما يكاد يرى، فوقفت ساعة لا يعلم بمكاني لما هو فيه، ثم رفع رأسه فنظر إلي وسلم علي، فقلت له: يا أبا تمام، إنك لتنظر في الكتب كثيراً وتدمن الدرس، فما أصبرك عليها! فقال: والله مالي إلف غيرها ولا لذة سواها، وإني لخليق أن أتفقدها أن أحسن، وإذا بحزمتين واحدة عن يمينه وواحدة عن شماله، وهو منهمك ينظر فيها ويميزهما من دون سائر الكتب، فقلت: فما هذا الذي أرى من عنايتك به أوكد من غيره؟ قال: أما التي عن يميني فاللات، وأما التي عن يساري فالعزى أعبدهما منذ عشرين سنة، فإذا عن يمينه شعر مسلم بن الوليد صريع الغواني وعن يساره شعر أبي نواس".


وهذا الخبر يجد ما يؤيده في قول الآمدي: "فهذه الاختيارات تدل على عنايته بالشعر، وأنه اشتغل به وجعله وكده، واقتصر من كل الآداب والعلوم عليه، وأنه ما فاته كثير من شعر جاهلي ولا إسلامي ولا محدث إلا قرأه وطالع فيه"(12).


أما تسمية الكتاب بالوحشيات فلأنه ضم بين دفتيه شوارد من الشعر ومقطعات منها ما عرف قائلوها، وإن كانوا من المغمورين المقلين من شعراء الجاهلية والعصر الإسلامي، ومنها ما ظل غفلاً من النسبة لم يعرف قائلوها، فكأن قارئها لم يأنس بها من قبل ولم تلامس سمعه ولم تسترع نظره، وإن كانت للمشهورين المعروفين من الشعراء، ففيها نقع على أبيات لعمر وبن معد يكرب وبشار بن برد والفرزدق وجرير وكثير عزة وأبي نواس ومسلم بن الوليد والمجنون وأبي العتاهية.


وأما تسميته بالحماسة الصغرى فلأنه لا يختلف عن كتاب الحماسة منهجاً وتبويباً، فكلاهما اختيار موسع لا يقف عند قبيلة واحدة أو شاعر واحد، وإنما يجمع من الشعر ما ينهض شاهداً على ذوق أبي تمام وعمق فهمه لفن الشعر ودوره في الحياة الإنسانية، ولاسيما في حياة العرب الذين لم يكن لهم فن سواه، فكان مستودع أحلامهم ومستقر تصوراتهم، على أن الوحشيات أضيق حجماً من الحماسة وأقل عدد مقطعات، فإذا كانت الحماسة الكبرى قد بلغت نحواً من ثمانمئة وإحدى وثمانين مقطوعة فإن الوحشيات قد بلغت خمسمئة وثلاث مقطوعات، إلا أن باب الحماسة من الأبواب العشرة قد جاء في مئة وتسع وتسعين وحشية، وذلك لأن هذا الباب أوسع من غيره في الشعر العربي بشكل عام.


"ولكن العجب كل العجب من التبريزي حين وصف الوحشيات بأنها قصائد طوال، وهذا ما يجعلنا نشكك في اطلاعه عليها"(12)، إذ هي في الغالب الأعم تتراوح عدة أبيات المقطوعة منها بين البيت الواحد وعشرة الأبيات، ولم يكد يخرج عن هذا العدد إلا أربع قصائد بلغ أطولها سبعة وأربعين بيتاً والثانية خمسة وثلاثين بيتاً والثالثة خمسة وعشرين بيتاً والرابعة عشرين بيتاً.


ويتبين من البحث في هذه المقطعات ما يلي:


1-إن أبا تمام كان يكتفي أحياناً بإيراد عدد محدد من الأبيات ينتقيها من قصيدة تروى في كتب الأدب تكون عدة  أبياتها أكثر مما جاء في الوحشيات، فنراه يروي لخلف الأحمر بيتين يهجو فيهما قوماً فيقول:


أناس تائهون لهم رواء                 تغيم سماؤهم من غير وبلِ


إذا انتسبوا ففرع من قريش          ولكن الفعال فعال عُكلِ


والأبيات سبعة رويت في عيون الأخبار وغيره من كتب الأدب، كما يروي ثلاثة أبيات للعتبي يرثي بها أولاده الستة الذين فقدهم فيقول:


وكنت أبا ستة كالبدور               فقد فقؤوا أعين الحاسدينا


فمرّوا على حادثات الزمان           كمرّ الدراهم بالناقدينا


وحسبك من حادث بامرئ           ترى حاسديه له راحمينا


وهي اثنا عشر بيتاً في عيون الأخبار أيضاً.


وهذا الانتقاء يدل لدى الفحص على أن أبا تمام قد مضى في اختياره وفق نهج مسبق يقوم على إبعاد فضول القول وحشو الكلام والاكتفاء بما قل من القصيدة ودل، وأما بقية الأبيات فقد يراها تشتت التجربة وتفقدها التركيز والإيجاز، أضف إلى ذلك أن هذا المختار يسهل حفظه وترديده والاستشهاد به في مواقف الحياة المماثلة وأما أن ندعي أن أبا تمام لم يكن يعرف بقية الأبيات فهذا لا يقوم له دليل ولا تدعمه حجة وهو أقرب عهداً بهؤلاء الشعراء وأوسع معرفة وأكثر حفظاً للشعر، وقد عرفنا من قبل أنه لم يكن يكتفي بما تمليه عليه حافظته، بل كان قد أقبل على خزانة الكتب فطالعها واشتغل بها كما يقول التبريزي.


2-إن أبا تمام كان يعمل قلمه في بعض المفردات الشعرية فيغيرها ويبدلها كما يحلو له ليستقيم المعنى وتعتدل الفكرة ويأتي البيت في صياغته على حسب ما يرضي ذوقه ويصيب هواه، ولقد كان المرزوقي في مقدمة شرحه للحماسة الكبرى قد تنبه لذلك وصرح به في قوله: "حتى إنك تراه ينتهي إلى البيت الجيد فيه لفظة تشينه، فيجبر نقيصته من عنده، ويبدل الكلمة بأختها في نقده، وهذا يبين لمن رجع إلى دواوينهم فقابل ما في اختياره بها"(13)، ثم نجده في شرحه للحماسية ذات الرقم (347) يورد قول ابن العميد: "إني لأتعجب من أبي تمام مع تكلفه رمّ جوانب ما يختاره من الأبيات، وغسله من درن بشع الألفاظ، كيف ترك تأمل قوله: فليأت نسوتنا، وهذه لفظة شنيعة..".


وقد وقع الأمر نفسه في الوحشيات غير ما مرة، وأشار إليه الأستاذ محمود شاكر في زياداته على الحواشي، واتهم أبا تمام مرة بالتخليط وأخرى بالإفساد، ففي الوحشية ذات الرقم (397) لكعب بن ذي الحبكة النهدي روى أبو تمام البيت الأول على هذا النحو:


أترجو اعتذاري يا بن أروى ورجعتي          عن الحق قدماً غال حلمَك غولُ


وروايته: "إلى الحق دهراً"، وذلك في تاريخ الطبري (5: 97) ومعجم الشعراء للمزرباني (345) ومعجم البلدان مادة "دنياوند"، ولا يخفى ما طرأ على المعنى من اختلاف جراء اختلاف الرواية. وفي الوحشية ذات الرقم (471) روى أبياتاً في وصف أولها قول الشاعر:


يكفيك من قَلَع السماء مهندٌ                  فوق الذراع ودون بَوع البائع


وصواب الرواية كما في الحيوان (5: 88): "قلع السماء عقيقة"، ويعلق الأستاذ محمود شاكر على هذا البيت بقوله: و "قلع السماء" قطع من السحاب كأنها الجبال، و"العقيقة" البرق يشق السحاب كأنه سيف مسلول، وأما أبو تمام فقد غير الشعر فأفسده.


ولكني أرى أن الضمير في الأبيات التالية عائد إلى مذكر لا إلى مؤنث، إذ يقول الشاعر بعد ذلك:


صافي الحديدة قد أضر بجسمه                 طول الدّياس وبطنُ طير جائع


أُمر المواطرُ والرياحُ بحمله             فحملنه لمضاير ومنافع


وهذا ما سوغ لأبي تمام فيما أعتقد تغيير اللفظ بما يتفق وسياق الأبيات، هذا إلى أن رواية البيت في الأشياء والنظائر تطابق رواية الوحشيات.


ومع ذلك فإذا صحت هذه التهمة على أبي تمام وأن هذا التغيير ليس من عمل الرواة أو النساخ فإنها لا تنهض حجة مؤذنة بوصم الشاعر بالحياد عن الأمانة في النقل والرواية، وهذا الأستاذ عبد السلام هارون يقول: "وهذه التهمة: تهمة أبي تمام بتغيير النصوص التي اختارها والتي يدعمها المرزوقي في أثناء شرحه بما يظهرها ويقويها كان جديراً بها أن تنزل بقيمة الحماسة باعتبارها نصوصاً يستشهد بها في علوم اللغة والعربية، ولكنا نجد العلماء مجمعين على تزكية أبي تمام في الحماسة، وعلى تزكية الحماسة ونصوصها، بل يعدون صنيعه في الحماسة داعية إلى الوثوق بشعر أبي تمام والاستشهاد بشعره، وفي ذلك يقول الزمخشري: "وهو وإن كان محدثاً لا يستشهد بشعره في اللغة، فهو من علماء العربية، فأجمل ما يقوله بمنزلة ما يرويه، ألا ترى إلى قول العلماء: الدليل على هذا بيت الحماسة، فيقنعون بذلك لوثوقهم بروايته وإتقانه"(14).


3-إننا نجد في بعض أبواب الوحشيات مقطعات يصعب أن تعد من الباب الذي هي فيه: إلا إذا حاولنا أن نديم البحث في مضمون هذه الأبواب وحقيقة تسمياتها مقرين أن قضية الفصل بين الفنون قضية وثيقة الصلة بالمعنى الشعري لا بالشكل والصياغة، وأن نظر أبي تمام في فنون الشعر وأغراضه يتصف بالتمكن والإحكام، وهو الخبير بمعاني الشعر، المدرك لآفاقه ومراميه، إذ كان سباقاً إلى التمييز بين هذه الفنون على تشعبها أو تداخلها في كثير من الأحيان.


فهذان مثلاً بيتان للأحوص قد تضمنها باب الحماسة يقول فيهما(15):


فيا بعل ليلى كيف تجمع سلمها                وحربي وفيها بيننا كانت الحرب


لها مثل ذنبي اليوم إن كنتُ مذنباً              ولا ذنب لي إن كان ليس لها ذنب


فكيف نقتنع أنهما من الحماسة والشاعر فيهما يعرض طرفاً من مأساة حبه، وينكر على زوج محبوبته أن يقابل زوجته بالمسالمة ويقابل الشاعر بالمغاضبة وقد ثبت أن بينهما اتفاقاً في العواطف لا يواريه الشاعر ولا يتخفى منه، وربما كان بينهما تواصل ولقاء. وليس من المعقول أن يكون لفظ الحرب في البيتين قد أدى أبا تمام إلى أن يسلكهما في الحماسة.


والأعجب من ذلك أننا نجد في باب الحماسة أيضاً أبياتاً نسبها أبو تمام إلى عيسى بن فاتك وهو رجل من الخوراج، يقعد عن الحرب إشفاقاً على بناته، فهو يخشى إذا أصابته المنية أن تنزل بهن الفاقة والبؤس والفقر، وأن يعشن بعده في كنف جلف من الأعمام يظلمهن ولا يحسن إليهن، فيقول(16):


لقد زاد الحياة إليَّ حباً                  بناتي إنهن من الضعاف


أحاذر أن يذقن البؤس بعدي                   وأن يشربن رنقاً بعد صاف


وأن يعرين إن كسي الجواري                  فتنبو العين عن كُرْمٍ عجاف


وأن يضطرهن الدهر بعدي           إلى جلف من الأعمام جاف


ولولاهن قد سومت مهري           وفي الرحمن للضعفاء كاف


تقول بنيتي أوص الموالي               وكيف وصاة من هو عنك خاف


والحماسة في الأصل تعني التشدد، ثم كثر استعمالها واتسع معناها حتى صارت تطلق على الشجاعة التي هي الأولى من صفات العرب وأم فضائلهم، لما فيها من معنى الشدة على النفس والقرن، وعلى هذا فإن أبا تمام حين اختار للحماسة لم ينظر إلى معناها الضيق المحسوس من الكر والفر والإيقاع بالأقران والتصدي للخصوم في ساحات الحرب، بل نظر إلى معناها العام، وإلى بعض ما يتفرّع عنها من خصال كالنخوة والصبر على الأرزاء والمحن والاعتزاز بالشهامة في وقت السلم وفي وقت الحرب، وعلى ذلك فكأن الشاعر الأحوص كان يرى من الحماسة أن يتحلى بعل ليلى بالنخوة والشهامة والصبر على الأرزاء، فيكبت غيظه ويكف أذاه ويكون له من عقله وحلمه ضابط لما اشرأب في نفسه من غضب ونزق، ما دامت الزوجة قد اشتركت مع الشاعر في الذنب.


ثم لعل هذا الشاعر الخارجي كان يرى من الحماسة التي تتضمن تلك المعاني السالفة أن يمكث إلى جوار بناته الضعيفات يرعاهن ويفيض عليهن من مشاعر الأبوة ما يكف عنهن الأذى ويحفظ عليهن كرامتهن، وأن حرمه ذلك من متعة الجهاد ومشاركة الفرسان في مصاولة الأقران، فهذا كهذا حماسة ونجدة وحمية.


ولقد كان المرزوقي قد أشار إلى هذه الظاهرة أيضاً في شرحه ديوان الحماسة إذ وقف عند مقطوعتين تصوران عقوق الأبناء والديهم ما يتوهم أنهما ليستا من باب الحماسة في شيء فيقول(17): "فإن قيل: بماذا دخل هذه الأبيات وما يتلوها وهو في معناها في باب الحماسة؟ قلت: دخلت فيه بالمشكلة التي بينها وبين ما تقدمها من الأبيات المنبئة عن المفاسدة بين العشائر، وما يتولد فيها من الأحن والضغائن، المنسية للتواشج والتناسب، المنشئة لهتك المحارم، المبيحة لسفك الدماء وقطع العصم، إذ كان عقوق البنين للآباء وتناسي الحرم فيه مثل ذلك وهو ظاهر بين".


ومع صلاح هذه التعليلات فإن من الصعب أن نجد تسويغاً لوجود أبيات في الخمرة والدعوة إلى الشراب قد سلكت في باب النسيب إلا أن نقدّر كما قدر أبو تمام أن النسيب صِنْوُ الخمرة وتوأمها في التأثير في النفس ودفعها إلى حالة واحدة من الانتشاء(18)، كما قال الشاعر متغزلاً(19):


هي الخمر في حسن وكالخمر ريقها            ورقة ذاك اللون من رقة الخمر


وقد جُمِعَتْ فيها خمورٌ ثلاثةٌ          وفي واحد سكر يزيد على السكر


وقد نبه المرزوقي أيضاً إلى دخول الحماسيات ذوات الأرقام (178 و 481 و 585) في باب النسيب وهي ليست منه.


4-أن أبا تمام ساق هذه المقطعات عارية عن ذكر المناسبة التي قيلت فيها، وبتعبير آخر: أسقط عنها الثوب التاريخي الذي تتلفع به، ثم جاراه في ذلك سائر أصحاب الحماسات والمختارات، ولقد نعلم أن الشعر العربي القديم إبداع وثيق الصلة بمجريات الحياة اليومية شديد الارتباط بالفعل الواقعي وبالتجارب الخاصة، وأن ذكر المناسبة يضع القصيدة في إطارها الزماني والمكاني ويسهل على المتلقي فهمها وتذوقها، فبعض اللوحات الشعرية قد تتغلق فيها سبل التواصل بين الشاعر والقارئ ويعتاص الولوج إليها ما لم تقدم بإشارة إلى الواقعة الحية التي حفزت الشاعر إلى صياغتها وإيداع أفكاره وعواطفه فيها، وما أظن هذه الظاهرة التي تتبدى في الوحشيات وفي الحماسة أيضاً من قبيل الإهمال أو السهو، فربما تبين للمتأمل أن شاعرنا الفذ كان قد قصد إلى ذلك قصداً حين أدرك بذكائه المرهف وحسه الشعري النفاذ أن الإبداع الشعري أمر يختلف كل الاختلاف عن عملية تسجيل الوقائع والأحداث، فالشاعر يسعى إلى تسجيل ماهو محتمل وممكن لا ما هو آني واقعي، وبما أن الشعر يلهم ولا يعلم نراه ينزع إلى الإثارة وتنمية الحس الجمالي بالحياة، فكأن أبا تمام حين جعل هذه المقطعات تنسل من خيام عصرها وتتفلت من ذاكرة زمنها أرادها أن تنطلق في زمن أرحب وعصر أوسع لتحل في ذاكرة المستقبل خالدة متجددة، ثم ليقف القارئ أمام الأبيات، وليستوح منها ما يشاء وفق طبيعته وبنيته النفسية واستعداده الفني، وليخرج منها بتصورات وانطباعات ربما تختلف أو تتفق وتصورات الشاعر وانطباعاته في زمن القصيدة الخاص، وبذلك يصبح الشعر نفسه باعثاً محرضاً يهيمن على القارئ ويحرك وجدانه وروحه ويضعه في بؤرة الإبداع والإلهام.


5-آن لنا بعد لك كله أن نتساءل: ما المعيار الفني الذي اهتدى إليه أبو تمام في اختياره هذه المقطعات، فالوحشيات كتاب، والكتاب سواء أكان جمعاً أم تأليفاً يقوم على خطة بينة ومنهج سديد ورؤية تحدد معالمه وتوحد أصوله، وقبل الإجابة عن هذا السؤال يحسن بنا أن نتحرى الفروق بين القصائد والمقطعات، إذ أن الوحشيات ومثلها الحماسة غلبت عليها المقطعات القصيرة التي تصل في بعض الأحيان إلى بيت واحد مفرد، فالقصائد غالباً ما تكون طويلة تصور تجربة شمولية ذات استشراف واسع يمتد فيها النفس وتكثر التفصيلات، وربما تشتمل على عدد من الأغراض والموضوعات، ولهذا تقتضي العناية الفنية وجودة البناء وحسن المدخل وبراعة التخلص والانتقال، أما المقطعات فهي معاناة مباغتة تصور حالة انفعالية في موقف انفعالي عابر، وإن كانت في الغالب حادة قاسية، ولهذا تقتضي التركيز والتكثيف وتتطلب التعبير القائم على الإشارة والإيجاز.


ولقد كان المرزوقي قد تعرض لهذا المعيار وجعل له حيزاً في مقدمة شرحه للحماسة فرأى (20) "أن أبا تمام كان يختار ما يختار لجودته لا غير، ويقول ما يقوله من الشعر بشهوته، والفرق بين ما يشتهى وما يستجاد ظاهر".


ففي هذا القول ما يدل على أن المرزوقي يرى أن مذهب أبي تمام في اختياره يختلف عن مذهبه في شعره، ثم نفاجأ بعد سطرين من هذا الكلام بقوله: "وهذا الرجل لم يعمد من الشعراء إلى المشتهرين منهم دون الإغفال، ولا من الشعر إلى المتردد على الأفواه، المجيب لكل داع، فكان أقرب، بل اعتسف في دواوين الشعراء جاهليهم ومخضرمهم، وإسلاميهم ومولدهم، واختطف منها الأرواح دون الأشباح، واخترف الأثمار دون الأكمام، وجمع ما يوافق نظمه ويخالفه لأن ضروب الاختيار لم تخف عليه، وطرق الإحسان والاستحسان لم تستتر عنه".


ولا يخفى ما في كلام المرزوقي من تناقض في الحكم وتعارض في الرأي على ما فيه من رغبة واضحة في إنصاف أبي تمام ووصفه بالاعتدال والموضوعية، وعندي أن أبا تمام في اختياره لم يغادر في قليل ولا كثير مذهبه الذي ارتضاه لنفسه وطريقته التي استنها لشعره، فإنه وإن كان من غير المعقول أن يجد في شعر السابقين له ممن عاشوا في عصر غير عصره واغتذوا بثقافة غير ثقافته ما يتفق ومذهبه كل الاتفاق من حيث الإكثار من المجاز، والاعتماد في الشعر على العقل ومقاييسه المنطقية، وعلى البديع وما يفيد في تلوين المعنى وتشقيقه لم يأل جهداً في البحث عن الشعر الذي ينصرف إلى المضمون دون الشكل، وإلى ما فيه معنى جديد في تصوير المواقف الإنسانية المتأزمة والحالات النفسية المتصادمة، والعدول عن الشعر الذي تصفو ألفاظه وتروق عباراته ويطرب إيقاعه، وفي ذلك ما فيه من الالتزام برؤيته الخاصة للشعر وموقفه من أصوله مما يثبت أحد شقي كلام المرزوقي حين قال: "واختطف منها الأرواح دون الأشباح واخترف الأثمار دون الأكمام" وهل كان قصد أبي تمام في شعره، إلا إلى أرواح المعاني وأثمارها دون أشباح الأساليب وأكمامها، وهو الذي يصف شعره بقوله:


ولكنه صوب العقول إذا انجلت               سحائب منه أعقبت بسحائب


فهذا باب الحماسة يغص بالمواقف التي يصل فيها الشاعر إلى حد من الهياج النفسي والانفعال المحتدم مما لا يقل براعة وتأثيراً عن أقوى المشاهد المأساوية التي يعرضها شكسبير في مسرحياته، فمن ذلك مثلاً ما قاله توبة بن مضرس السعدي إذ قتل رهط خاله أخويه طارقاً ومرداساً، فجزع عليهما جزعاً شديداً، وقال فيهما مراثي جيدة، وظل يبكيهما حتى طلب إليه الأحنف بن قيس أن يكف، فلما أبى لقبه بالخنّوت وهو الذي يمنعه الغيظ أو البكاء عن الكلام، ثم بدا له أن يقتل خاله ثأراً لأخويه، ولو أدى ذلك إلى تفطر قلب أمه رميلة حزناً على أخيها، ففعل وقال(21):


بكت جزعاً أمي رُميلة أن رأت                دماً من أخيها في المهند باقيا


فقلت لها لا تجزعي أن طارقاً          خليلي الذي كان الخليل المصافيا


وما كنت لو أُعطيت ألفي نجيبة                وأولادَها لغواً وستين راعيا


لأقبلها من طارق دون أن أرى                 دماً من بني عوف على السيف جاريا


وما كان في عوف قتيل علمته                  ليوفيني من طارق غير خاليا


وهذا نهيك القشيري يُقتل واحد من أفراد عشيرته، ويلطخ الدم ثيابه وينتهب بزه، لم لا تهب العشيرة للثأر، ويقعد زعماؤها وأولياء أمورها متخاذلين مستكينين إلى الملذات، يتعاطون الخمور وينعمون بالسمر على ضفاف الينابيع والغدران، فيلتهب غيظاً منهم وغضباً، ويمتزج الغيظ بالأسف الهادر في داخله، فيفضح شأنهم ويعلن على الملأ مثالبهم، ثم يلتفت إليهم مهدداً متوعداً فيقول(22):


ألهى مواليَّ الخمور وشربُها            وعقيلةُ الوادي ونهي الأخرمِ


وأخوهم في القوم يُقسم بزُّه          بثيابه ردعٌ كلون العندم


ضربت عليَّ الخثعمية نحرها           إن لم أصبحكم بأمر مبرم


تعدو به فرسي وترقص ناقتي          حتى يشيع حديثكم في الموسم


وتطالعنا في باب الهجاء أبيات حادة الوقع شديدة الأسر تتعاظم فيها شكوى الشاعر من ابنه الذي أساءت أمه تربيته، فانتهب مال أبيه وعقه ولم يراع كبر سنه وانحناء عظامه، ثم مضى لا يرجى منه البر والإحسان فيقول(23):


تظلَّمني مالي خليجٌ وعقني             على حين صارت كالحنيّ عظامي


وكيف أرجِّي البر منه وأمه           حَراميَّة، ما غرني بحرام


لعمري لقد ربيته فرحاً به             فلا يفرحن بعدي أب بغلام


ويضم باب النسيب بيتين لمجنون بني عامر يرسمان صورة فذة لحالة النفس العاشقة حين تثقل عليها وطأة الحب وتلهبها لفحات الذكرى، فإذا بالمفردات الحية المجسدة تغدو بديلاً موضوعياً للإحساس المجرد الموغل في طغيانه وهيمنته فيقول(24):


كأن بلاد الله حلقة خاتم               عليَّ فما تزداد طولاً ولا عرضاً


كأن فؤادي في مخاليب طائر           إذا ذكرتك النفسُ زاد به قبضا


وفي باب النسيب أيضاً يطالعنا بوح شجي ملفع بالخجل والتصون والخشية يترقرق من امرأة من طيئ تتجاذبها قوتان عارمتان لا تستطيع لهما دفعاً، قوة يستفزها القلب بما فيه من شهوة وعاطفة وصبوة، وقوة يستفزها العقل بما فيه من تحكم وأناة وامتثال للقيم، فإذا بها ترى محبوبها أصفى من ماء المزن الذي تجمع في الأودية فمرت عليه النسائم الصيفية فجردته من القذى فغدا عذباً نقياً لذة للشاربين، ولكن أنى لها أن تستجيب له وتنهل منه وهي التقية التي تخشى على نفسها من عواقب الإثم والخطيئة فلتمض في طريقها على ما في النفس من حرارة الظمأ ولتسجل هذه الخلجات في هذه الأبيات(25):


فما ماء مزن من شماريخ شامخ                 تحدر من غرٍّ طوال الذوائب


بمنعرج أو بطن واد تحدرت           عليه رياح الصيف من كل جانب


نفى نسمُ الريح القذى عن متونه              فليس به عيب تراه لشارب


بأطيبَ ممن يقصر الطرفَ دونه                 تقى الله واستحياءُ بعض العواقب


وحسبي ما عرضت من قطوف أبي تمام وعناقيد اختياراته شاهداً على ذوقه الرفيع الثاقب وشاعريته التي تجلت في إبداعه كما تجلت في اختياره، وأخلق بالحماسة الصغرى هذه أن تسمى الأنسيات بعد أن ظلت قروناً مديدة ترفل بثياب الوحشيات.


محمد كمال- حلب


*       *       *


الحواشي:


(1)ذيل الأمالي: 132.


(2)فؤاد سيزكين. تاريخ التراث العربي، الشعر: 106-120.


(3)ديوان الحماسة، شرح المرزوقي: 10.


(4)المصدر السابق: 14.


(5)شرح التبريزي للحماسة: 1: 3.


(6)الحاشية رقم (2).


(7)محمود شاكر، مقدمة الوحشيات: 10-11.


(8)بدا لي أن أزيد في حواشي الكتاب ما ظهر لي عرضاً من ملاحظات:


-الحاشية ذات الرقم (27): البيتان الأخيران في ديوان المعاني.


-الحاشية ذات الرقم (186): في (اللسان: قزع): وقال ابن الأعرابي هو للكميت بن ثعلبة. وكذلك نسب الآمدي البيت الثاني في الموازنة: 56 إلى الكميت بن ثعلبة.


-الحاشية ذات الرقم (339): في الأغاني 20/106 الأبيات منسوبة إلى ابن أبي عيينة.


(9)شرح التبريزي الحماسة: 1: 4.


(10)الآمدي، الموازنة: 55.


(11)المصدر السابق.


(12)الراجكواني: الوحشيات المقدمة.


(13)المرزوقي- شرح ديوان الحماسة: 14.


(14)عبد السلام هارون، مقدمة تحقيق ديوان الحماسة: 9.


(15)الوحشية: 144.


(16)الوحشية: 138.


(17)المرزوقي، شرح ديوان الحماسة: ص756.


(18)انظر الوحشيات: 314- 315- 339-344.


(19)الوحشية: 301.


(20)ص13.


(21)الوحشية: 121.


(22)الوحشية: 166.


(23)الوحشية: 404، ويبدو أن أبا تمام خلط بين اللعين المنقري واسمه منازل بن زمعة وصاحب هذه الأبيات واسمه منازل بن فرعان، أو أن نسبة الأبيات إلى اللعين من عمل النساخ، والغريب أن فرعان أبا منازل كان قد تزوج على أمه امرأة شابة، فغضب منازل واستاق إبل أبيه واعتزل مع أمه، فقال فيه فرعان أبياتاً رواها أبو تمام في ديوان الحماسة (الحماسية ذات الرقم 603).


(24)الوحشية: 327.


(25)الوحشية: 337.


*      *       *


المراجع:


(1)الأعلام للزركلي.


(2)الأمالي لأبي علي القالي.


(3)تاريخ التراث العربي لفؤاد سيزكين.


(4)حماسة أبي تمام.. شرح المرزوقي.


(5)شرح أبي تمام.. شرح التبريزي.


(6)دراسة في حماسة أبي تمام لعلي النجدي ناصف.


(7)عيون الأخبار لابن قتيبة.


(8)الفهرست لابن النديم.


(9)الموازنة للآمدي.


(10)الوحشيات.. تحقيق عبد العزيز الميمني الراجكواني.


________________________________________


* أستاذ اللغة العربية.


http://awu-dam.org/trath/52/turath52-003.htm





يجب أن تكون مسجلا لتتمكن من الرد     يجب أن تكون مسجلا لتتمكن من التعليق    










عدد القراءات : 4591


مواقع صديقة: وظائف خالية | سوق 24 | Adsriver Classifieds & Free Ads | تحميل ملفات | سوقك - اعلانات مجانية | Mega Article Directory | Article Directory


سياسة الخصوصية