|
||||||||||
|
تاريخ النقد الادبي عند العرب / احسان عباسناشر الموضوع : سمير خالدبسم الله الرحمن الرحيم تلخيص كتاب تاريخ النقد الادبي عند العرب / احسان عباس مقدم للاستاذ الدكتور الفاضل: ماجد جعافرة اعداد الطالب : سمير خالد احمد الغزوي 2008101016 مادة: بحث في اللغة ( ع 499 ) الفصل الثاني: 2008/2009 النقد الأدبي في أواخر القرن الثاني نظرة عامة في قواعد النقد حتى أواخر هذا القرن المحاولات النقدية في القرن الثالث إن النقد الأدبي لم يفز من النقاد بكتاب خاص مستقل في هذا القرن،ذلك هو صورة ما وصلنا، إذ يبدو إننا يجب أن نفسح المجال لآثار قد تنفتح عنها باب المستقبل، وفي طليعة ذلك جهد دور الناشئ الأكبر في النقد والناشئ الأكبر كان شاعراً متكلماً نحوياً عروضياً، وما كنا نعلم أن له مشاركة في النقد، لولا أن أبا حيان التوحيدي وصفه في كتاب " البصائر والذخائر " بالتفوق في هذا المضمار فالناشئ يقول في تعريف الشعر ووصفه: " الشعر قيد الكلام وعقال الأدب وسور البلاغة ومحل البراعة ومجال الجنان ومسرح البيان وذريعة المتوسل ووسيلة المترسل وذمام الغريب وحرمة الأديب وعصمة الهارب وعذر الراهب وفرحة المتمثل وحاكم الأعراب وشاهد الصواب ". فهذا التعريف يشير إلى طبيعة الشعر وليس في مقدورنا أن نحكم على كتاب الناشئ وجهده عامة، لأنا لا نملك إلا أربعة اثر الاعتزال في النقد وقد اندفع المعتزلة نحو استبانة المقاييس البلاغية والنقدية لعاملين كبيرين: (1) أولهما أن البلاغة عنصر هام في الإقناع، والإقناع غاية الجدل (2) وثانيهما: إيمان المعتزلة - أن الشعر العربي مصدر من مصادر المعرفة الكبرى ووعاء لها، ويمنح هذا الإيمان أصحابه قوة في وقفتهم ضد الشعوبية لأن الشعر في تصور هؤلاء المدافعين عن العرب تراث عربي خالص، ليس هناك ما يشبهه لدى الأمم الأخرى إلا شبهاً عارضاً، كذلك فإن إلحاح المتأدبين من المعتزلة على اتخاذ الشعر وعاء للمعرفة، كان ذا اثر في توجيه النقد الأدبي، وأصبحت الحاجة ماسة إلى نقد يعتمد تبيان الجمال لا المنفعة الثقافية في الشعر. وقد تعددت المحاولات النقدية في القرن الثالث. ووقعت تحت فئات متباينة، نميز فيها خمساً: 1- الاهتمام بإبراز المعاني المشتركة بين الشعراء: وهو اهتمام أدى إلى تتبع السرقات، ومن صور الاهتمام بها في القرن الثالث: كتاب سرقات الشعراء وما اتفقوا عليه لابن السكيت وكتاب إغارة كثير على الشعراء للزبير بن بكار وكتاب سرقات البحتري من أبي تمام وكتاب سرقات الشعراء لأحمد بن أبي طاهر طيفور والحاجة التي دفعت إلى هذا اللون من الاهتمام في ذلك القرن هي الانشغال بقضية المعنى، النقد الضمني: فكانت من ذلك كتب الاختيار التي ظهرت في ذلك القرن، وهي كتب لا تقوم على أسس نقدية صريحة، بل تعتمد على ذوق صاحبها، وذوقه يرتد إلى " مسبقات " ضمنية توجهه في أخذ ما يثبته وترك ما ينفيه، حماسة أبي تمام وقد خالف أبو تمام ( - 231) في تأليف كتاب " الحماسة " هذه الروح المتوجهة نحو الشعر المحدث، لأن ما أورده في كتابه من شعر المحدثين قليل، ولا ريب في أن موقفه يثير إعجابنا ودهشتنا معاً، فهو شاعر ذو طريقة خاصة في الشعر يهاجمها كثير من النقاد والمتذوقين حينئذ. و هو يعمد إلى الشعر القديم، وقد دلت مختاراته على أنه يستطيع أن يتجاوز طريقته الشعرية وما فيها من طلب للصور ومن إغراب في توليد المعاني واستغلال للذكاء الواعي إلى شعر مشمول بالبساطة حماسة البحتري ولقد حاول البحتري (284) محاكاة صنيع ابي تمام،لكنه غلبت عليه النزعة الاخلاقية، المنظوم والمنثور لابن طيفور لم يقصره على الشعر دون النثر، ثم هو مييز النظم والنثر على درجتين: (أ) المفرد في الإحسان. (ب) المشارك بعضه بعضاً في الإحسان؛ القصائد الطوال؟ نفهم انه حتى القرن الثالث لم تكن تلك القصائد تسمى معلقات إذ لم ترد هذه اللفظة في كتاب " المنظوم والمنثور " يستنتج من هذه الروايات التي أوردها ابن طيفور أن عملية انتخاب عدد معين من القصائد يتراوح بين 7 - 12 قصيدة قد قام به غير واحد، وان التمحيص قد تناول المختارات فأسقط منها ما أسقط، وأثبت ما اثبت، وأن الإجماع تم حول سبع قصائد طوال لا دخل للجاهليين باختيارها وهي: قصيدة امرئ القيس وزهير وطرفة وعمرو وعنترة ولبيد والحارث ابن حلزة، ثم حاول بعضهم أن يلحق بها قصيدة عبيد (أقفر من أهله ملحوب) وقصيدة الأعشى وقصيدة النابغة. الأسس النقدية في اختيار تلك القصائد (1) اشتمال القصيدة على معان كثيرة لا مثل لها، مثل قصيدة امرئ القيس وزهير (2) وانفرادها بمحاسن لم تجئ في غيرها وإطلاق خاتمة بليغة فيها كقصيدة طرفة. (3) وانفرادها في الوزن والعروض كقصيدة عبيد موقف ضد الاختيار حين يبلغ التقدير لشاعر ما درجة تشبه التقديس، يصبح شعره غير قابل للأختيار، أي يصبح جميع ما قاله مختاراً، ولكن مثل هذا الأمر نادر الوقوع؛ 3 - إعادة صياغة النظريات القديمة: أن جهد العلماء والرواة وقف أحياناً عند حدود البيت المفرد، أو تعداه إلى استبانة صفة عامة في طبيعة الشعر كاللين أو الفحولة، غير أن بعض نقاد القرن الثالث كانوا مخلصين للموروث الذي تلقوه عن أساتذتهم، وكانوا يرون أن الحل للمشكلات الأدبية هو تطوير النظريات التي لقنوها عن أولئك الأساتذة وإعادة صياغتها محمد بن سلام الجمحي ( - 232) ابن سلام يهتم بدور الناقد كان ابن سلام من أول من نص على استقلال النقد الأدبي فأفرد الناقد بدور خاص، حين جعل للشعر - أي بنقده والحكم عليه - " صناعة " يتقنها " أهل العلم بها " ، مثلما أن ناقد الدرهم والدينار يعرف صحيحهما من زائفهما بالمعاينة والنظر؛ ولكن ابن سلام يمنح الناقد البصير " سلطاناً مطلقاً " فمتى قال رأيه في أمر وجد على الآخرين ان يأخذوا بحكمه لانه لا يحسنون ما يحسنه. الناقد وقصة الانتحال تصدى ابن سلام في مقدمته إلى ضروب الانتحال وأسبابه فدون في ذلك نظرات لم يطورها من جاء بعده فكرة الطبقات وقد بنى ابن سلام كتابه، كما يدل عنوانه على فكرة " الطبقات " ، فذكر من شعراء الجاهلية عشر طبقات في كل طبقة أربعة شعراء، ثم اتبعهم بذكر ثلاث طبقات أخرى هي: طبقة أصحاب المراثي، وطبقة شعراء القرى العربية، وطبقة شعراء اليهود؛ ثم جعل شعراء الإسلام في عشر طبقات أخرى، منتهياً بذلك إلى أواخر العصر الأموي، ولم يلق بالا إلى من نشأ بعدهم من شعراء حتى عصره. الأساس في قسمة الشعراء إلى طبقات يبدو أن " الفحولة " هي الأساس الأول في ذلك، فكل من ذكرهم في كتابه شعراء فحول، أما الأساس الثاني فهو تقارب كل أصحاب طبقة في أشعارهم ويبدو التصنيف الرباعي قائماً على نوع من التحكم في العدد. و مبدأ اعتمده ابن سلام حين تحدث الطبقة السابعة من فحول الجاهلية يرى أن الفحول لا تتحقق بقصيدة أو عدد قليل من القصائد، ولابد من اعتبار " الكم " وبقي من مقاييس الأصمعي مقياس " اللين " ، وقد كان هذا المقياس حاضراً في ذهن ابن سلام غير أنه لم يقرنه بالخير، و اتخذ " اللين " أداة للتوقف في أخذ الشعر والاسترابة فيه، ثعلب ( - 291) وكتاب " قواعد الشعر " موقع ثعلب في القرن الثالث ان كتاب " قواعد الشعر " الذي يحمل اسمه لا يعدو أن يكون عودة إلى الأحكام التي سبقت ابن سلام والأصمعي، وتفسير ذلك أن ثعلباً كان عالماً في النحو واللغة، وأنه كان يعرف حده فيقف عنده، ولا يدعي ما لا يعرف، الشك في نسبة قواعد الشعر إلى ثعلب ان نسبة الكتاب إليه محل شك - فيما أرى - إذ لم تشر المصادر القديمة إلى كتاب له بهذا الاسم، لان اضطراب الأنواع والتقسيمات وعدم وضوح منهج معين في تبويب الكتاب يدل على أن مؤلفاته لم يدرك القرن الرابع، الطابع العام لكتاب قواعد الشعر ويتسم كتاب قواعد الشعر بغرابة المنحى وشذاجته معاً، وبالتفرد في كثير من المصطلح النقدي. فلن تجد ناقداً سوى مؤلف هذا الكتاب يجعل قواعد الشعر هي: الأمر والنهي والخبر والاستخبار، وأن فنون الشعر من مدح ورثاء واعتذار عودة إلى المصطلح البدوي إن مؤلف " قواعد الشعر " قد عاد إلى الخليل بن أحمد، فتحدث عما يخل باتساق النظم من سناد وإقواء وأكفاء وإجازة وايطاء، ان مصطلح " قواعد الشعر " قد ربط بالسلاسل القوية جسم البيت الواحد وشده كتافاً. 4 - المفاضلة بين شاعرين: كانت المفاضلة بين شاعرين وأكثر محوراً يدور حول كثير من النقد القديم، ولكن أصولها كانت بسيطة ساذجة، من ذلك رسالة كتبها أبو احمد يحيى بن علي المنجم (241 - 300) يفاضل فيها بين العباس بن الأحنف والعتابي، ويفضل الأول منهما على الثاني وقد بنيت الرسالة على أصول مناظرة قامت بينه وبين رجل يدعى المتفقه الموصلي في مجلس علي بن عيسى الوزير، فلما انقض المجلس، كتب ابن المنجم رسالة في هذا الموضوع وأنفذها إلى الوزير المذكور 5 - النظرة التوفيقية: كانت هذه النظرة ثمرة الصراع الذي نشأ بين القديم والمحدث من الشعر؛ وهو صراع لم يكن حاداً كما قد يتبادر إلى الأذهان، وكان للنقاد التوفيقيين ولغلبة ذوق العصر أثرهما في تخفيف حدته وتقصير مدته؛ أبو العباس المبرد (210 - 286) لم يدرج المبرد في النقاد؟ كان المبرد أسرع من معاصره اللغوي إلى تبني الشعر المحدث ومنحه شيئاً كثيراً من عطفه، واعتماده أصلاً من أصوله في تدريسه لطلابه فهو لم يكتف بإيراد نماذج منه في كتبه العامة كالكامل والفاضل، وإنما خصص كتاب " الروضة " لأشعار المحدثين غير أن هذه الصلة بين المبرد والشعر المحدث لا تتجاوز مجال العطف، غير أنه صريح في موقفه التوفيقي محاولته الكشف عن سرقات الشعراء أخذ يدل على المعاني المسروقة، لا بين الشعر والشعر وحسب، بل بين الشعر والنثر، خلطه بين الشعر والخطابة غير أنه يبدو لنا أن المبرد كان قد تمثل قواعد " الخطابة " اكثر من تمثله لمبادئ نقد الشعر، فمزج بين الفنين في نقده - فتراه يتحدث في الشعر عن " الاستعانة " ، وأصل الاستعانة أن يعمد المتحدث إلى ألفاظ يتكئ عليها ليتذكر ما بعدها؛ ومرة بتحدث عن التشبيه حديثاً طويلاً نظرته إلى قضية اللفظ والمعنى الشعر لديه مستحسن أحياناً لصحة معناه وجزالة لفظه وكثرة ورود معناه بين الناس أو لقرب مأخذه أو لسهولته وحسنه أما الضرورات اللفظية والالتواء في المعاني واستعمال الكلمات الهجينة فذلك هو ما ينكره ويمقته عمرو بن بحر الجاحظ ( - 255) الشعر مصدر للمعرفة استغل الجاحظ الشعر مصدراً لمعارفه العامة، إذ استمد منه تصوره للخطابة وبعض معلوماته عن الحيوان، بل إنه جاء بأشعار وشرحها لان شرحها يعينه على استخراج ما فيها من معرة علمية، وهو إذا روى الشعر بمعزل هم الاستشهاد فإنما يريده للمذاكرة أو للترويح عن النفس ومع ذلك كله يتميز الجاحظ عن جميع الرواة ومرد هذا إلى طبيعته الذاتية وملكاته وسعة ثقافته. موقفه من الصراع بين القديم والحديث ان الجاحظ كان توفيقي النظرة لا يعتقد بتفضيل قديم على محدث. نظريته في الغريزة والبيئة والعرق فأول ذلك ان الشعر في الجماعات إنما يعتمد على ثلاثة عناصر: الغزيرة (أي الطبع العام المواتي للشعر) والبلد (أي البيئة) والعرق (أي الصلة الدموية) غير أن الجاحظ لم يتقيد بالبيئة كثيراً، حين ذهب إلى ان العرق العربي (سواء أكان المرء عربياً في الحاضرة أو أعرابياً في البادية) أشعر من العرق المولد الذي يعيش في مدينة أو قرية - العلاقة بين الشعر والرسم لو تخطى الجاحظ حدود التعريف لوجد نفسه في مجال المقارنة بين فنين: الشعر والرسم - بل إن تعريفه لا يخرج عن قول هوراس: " الشعر والرسم " نظرية المعاني المطروحة اتجه الجاحظ هذا الاتجاه لان عصر الجاحظ كان يشهد بوادر حملة عنيفة يقوم بها النقاد لتبيان السرقة في المعاني بين الشعراء، و قد حاول الرد على هذا التيار بان يقرر أن الأفضلية للشكل لان المعاني قدر مشترك بين الناس جميعاً. تناقض الجاحظ في موقفه من الشكل ثم وقف الجاحظ من نظريته في الشكل موقفين آخرين أحدهما يؤيدها والثاني ينقضها، فأما الأول فهو إصراره على أن الشعر لا يترجم " وأما الثاني فهو قوله إن هناك معاني لا يمكن ان تسرق فقوله إنه لا يسرق دليل على أن " السر في المعنى " قبل اللفظ، موقفه من الصحيح والمتحول ويكمل الجاحظ منهج ابن سلام في التمييز بين الصحيح والمنحول في الشعر، فيستخدم شهادة الرواة، ويتخذ تفاوت الشعر وسيلة يثبت بها الانتحال، حدته في الحكم كان حاداً أحياناً في نقده، ولكن هذه الحدة نجيء مرات مشفوعة بالسخرية، ولكنه آثر في أغلب الأحوال ان يكف من لذعاته، أحكام عامة وتدفعه حماسته أحياناً إلى إرسال أحكام كبيرة لا نستطيع اليوم أن نستوثق من صحتها، أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة (213 - 276) منهج أبن قتيبة في مؤلفاته المختلفة توفيقي تدل مؤلفات أبن قتيبة على تعدد مناحي اهتمامه، فأبن قتيبة يكمل دور الجاحظ في الدفاع عن العرب والرد على الشعوبية. و ينحو منحى الجاحظ في اتخاذ الشعر العربي مصدراً للمعرفة، نظرته التوفيقية في النقد إذا استثنينا هذه الناحية وجدنا أن التوفيق والتسوية صفتان تمثلان جهد أبن قتيبة في مختلف الميادين، ومنها النقد الأدبي، وبينا انحاز الجاحظ إلى جانب اللفظ، ذهب أبن قتيبة مذهب التسوية. مشكلة اللفظ والمعنى اتجه أبن قتيبة في هذا نحو المنطق ووجد أن الشعر أربعة أضرب، (أ) لفظ جيد ومعنى جيد (ب) لفظ جيد ومعنى رديء (ج) لفظ رديء ومعنى جيد (د) لفظ رديء ومعنى رديء. وقد استعملنا هنا لفظتي " فالمسألة إذن مسألة صلة بين المعنى واللفظ، وعلاقة الجودة في كليهما معاً هي المفضلة، وهذا يعني أن المعاني نفسها تتفاوت. ثنائية الطبع والتكلف قد كثر الحديث في عصره عن الطبع والتكلف، دون تحديد لهذين المصطلحين، فتناولهما أبن قتيبة بالتفسير والتمثيل. فالتكلف حين يكون وصفاً للشاعر مختلف عن " التكلف " حين يكون وصفاً للشعر، وتقابل لفظة " الطبع " عند أبن قتيبة ما سماه الجاحظ " الغريزة " ، الحالات النفسية وعلاقتها بالشعر ولما وقع أبن قتيبة في نطاق الحديث عن " الطبع " بمعنى " المزاج " ، كان لابد له من أن يلتفت إلى الحالات النفسية وعلاقتها بالشعر، وقد تناولها من ثلاثة جوانب: (أ) من جانب الحوافز النفسية الدافعة (ب) من جانب العلاقة بين الشاعر والزمن، فبعض الحالات النفسية والجسدية كالغم وسوء الغذاء تمنع من قول الشعرولعله كان في هذا أدق فهماً للطبيعة الإنسانية من صاحبيه (ج) مراعاة الحالة النفسية في السامعين (أي في الجمهور)، ومن هذه الناحية علل أبن قتيبة بناء القصيدة العربية: من استهلالها بالبكاء على الأطلال ثم الانتقال إلى وصف الرحلة والنسيب: " ليميل نحوه القلوب ويصرف إليه الوجوه وليستدعي إصغاء الأسماع لأن التشبيب قريب من النفوس لائط بالقلوب لما جعل الله في تركيب العباد من محبة الغزل وإلف النساء، فليس يكاد أحد يخلو من أن يكون متعلقاً منه بسبب وضارباً فيه بسهم حلال أو حرام؛ فإذا استوثق من الإصغاء إليه والاستماع له عقب بإيجاب الحقوق.. وقد فهم بعض الدارسين حرم على المتأخرين التحلل من ربقة هذا النظام، وكان أبن قتيبة يومئ من طرف خفي إلى أن أبا نواس لم يصنع شيئاً فنياً في دعوته، لأن الوقوف على الحانات بدل الوقوف على الأطلال تغيير في الموضوع لا في الطريقة الفنية. اهتمام أبن قتيبة بالشاعر يفوق اهتمامه بالشعر مما تقدم نرى أن اهتمام أبن قتيبة متجه في أكثره نحو الشاعر(دون إغفال للشعر والجمهور) فهو إما متكلف أو مطبوع، ولحالته النفسية أثر بين في الشعر، وللغرائز عند الشعراء أثر في تبيانهم في الفنون الشعرية المختلفة. و الطبع يتضمن تلك القوة التخيلية التي تستثار بالحوافز ويورد أبن قتيبة ملاحظ جزئية، إن بعض الشعر يروى لخصائص أخرى كالإصابة في التصوير أو جمال النغمة أو طرافة المعنى المستغرب أو لأسباب خارجية أخرى خلاصة في مميزات أبن قتيبة في النقد وعلى الرغم من فقر المصطلح النقدي لدى أبن قتيبة فقد تمرس في مقدمته بأكبر المشكلات النقدية فتحدث عن الشعر من خلال قضية اللفظ والمعنى، والتكلف وجودة الصنعة، وعن ضرورة التناسب بين الموضوعات في القصيدة الواحدة وتلاحقها في سياق، واعتمادها على وحدة معنوية تقيم التلاحم و " القران " بين أبياتها، وعن أسباب خارجة عن الشعر أحياناً تمنحه في نفوس الناس منعزلة وقيمة، وعن العيوب الشكلية التي تعتري العلاقات الإعرابية والنغمات الموسيقية والقوافي. وألمح إلى أهمية التأثير في نفسيات الجماهير بالتناسب والمشاركة العاطفية، وتحدث عن الشاعر متكلفاً ومطبوعاً، وعن المؤثرات والحوافز التي تفعل فعلها في نفسه، وعن علاقة الشاعرية بالأزمنة والأمكنة وعن ثقافة الشاعر، وتفاوت الشعراء في " الطاقة الشعرية " أبو العباس عبد الله بن المعتز ( - 296) ناقد انطباعي لعل ابن المعتز خير مثل الناقد الذي كان يؤمن بقول القائل " أشعر الناس من أنت في شعره حتى تفرغ منه "لأنه يريح الناقد من المفاضلة أو البحث عن تداول المعنى، قاعدة قد ينفر منها النقد الموضوعي الخالص، ولكن نقاد العرب لم يوردوا قوله توجز معنى النقد التأثري مثلها. ولا ريب في أن الظهور بهذا المظهر التاثري يحقق له صفة الناقد العادل أكثر مما تحققه الموضوعية، رسالته في أبي تمام والتطور في رأيه النقدي إلا ان ابن المعتز لم يكن دائماً ذلك الناقد التأثري وإنما نعتقد أن كتاب " طبقات الشعراء " يمثل مرحلة متأخرة في حياته، وبين موقفه من قضية السرقة، وهو يشبه آراء نقاد آخرين من معاصريه فقال: " ولا يعذر الشاعر في سرقته حتى يزيد في إضاءة المعنى أو يأتي بأجزل من الكلام الأول، ثم بين أن العيوب التي عدها وأورد شواهدها من شعره لم تكن إلا نماذج وأنه أسقط ذكر عيوب أخرى ولم يثبتها في رسالته أبو تمام ومذهبه سبب في تأليف كتاب البديع ويصح لنا أن نقول إن أبا تمام كان يمثل " مشكلة فنية " لدى ابن المعتز، وكانت سبباً من الأسباب التي وجهته إلى تأليف كتاب البديع، ليدل على أن هذا الفن موجود عند العرب وفي القرآن والحديث وكلام الصحابة، وان المحدثين لم يكونوا مبتكرين له ومع أن الكتاب قد سمي باسم " البديع " ، فإن ابن المعتز أضاف إليه " بعض محاسن الكلام والشعر " لتكثر فائدة كتابه وقد عرف ابن المعتز بين أبناء عصره باللهج بالبديع والإحساس الدقيق في استكشاف نماذجه وبحثه عنها في الأدب العربي القديم، حتى كانوا يسلمون له السبق في هذا الميدان؛ الاتجاهات النقدية في القرن الرابع أبو تمام - المتنبي - أرسطو، وأثرهم في نقد القرن الرابع لولا ثلاثة أشخاص كانوا قوى دافعة في توجيه النظرية الشعرية في نقد القرن الرابع جعلوا للنقد محوراً ومجالاً، سواء أكان ذلك في الحدود النظرية أو التطبيقية، ولذلك يمكن أن يدرس معظم النقد في القرن الرابع في ثلاثة فصول هي: الصراع النقدي حول أبي تمام، والنقد في علاقته بالثقافة اليونانية، ومعركة النقد التي دارت حول المتنبي. وقد استعمل النقد في هذه المجالات جميع الوسائل التي ورثها من العصر السابق، ومما قبله من عصور، غير أن هذه الصور النقدية الثلاث - يجب إلا تحجب عن أنظارنا الجهود النقدية الأخرى: فهناك محاولة أبن طباطبا في " عيار الشعر " ، وأكبرها عمقاً، كذلك المبادئ النقدية استخدمت في دراسة الإعجاز القرآني على يد جماعة من غير النقاد فيهم الخطابي والرماني والباقلاني، النقد في كتاب الصاحبي أما ما أورده أبن فارس في كتاب الصاحبي عن الشعر فإنه كرر فيه تعريف قدامة بن جعفر للشعر بأنه " كلام موزون مقفى دال على معنى " ثم زاد على ذلك قوله " ويكون أكثر من بيت " ثم ذكر الأسباب التي جعلت النبي منزهاً عن الشعر وفي جملتها أن الشعر يقوم على الكذب، وتحدث عن ركوب الشعراء للضرورات والجوازات، ومن ملاحظاته قوله في تفاوت وهو يرى أن الاختيار الذي يزاوله الناس إنما هو شهوات، كل يستحسن شيئاً حسب شهوته النقد في اختيار الخالدين المسمى الأشباه والنظائر ومن أهم المختارات العامة حماسة الخالديين التي تسمى " الأشباه والنظائر " ، ويمثل هذا الكتاب عودة إلى إبراز روائع الشعر الجاهلي وشعر المخضرمين وتعليقات الخالديين تتفاوت بين شرح للمعنى أو التنويه بحسن التشبيه أو حسن التقسيم أو جودة المعنى وأشباه ذلك ومع إن " الأشباه والنظائر " تشبه " المفضليات " من حيث اعتمادها شعر غير المشاهير، فإنها تختلف عنها وعن حماسة أبي تمام وعن كثير من كتب الاختيارات بوضوح كثير من الأسس النقدية فيها من خلال المفاضلة والمقارنة وإرسال الأحكام والتعليقات النقد في تشبيهات أبن أبي عون وهناك اختيارات اعتمدت قاعدة صورية لا موضوعية أو جمعت بين الاثنتين واعني بذلك كتب التشبيهات وفي طليعتها كتاب أبن أبي عون في هذا الموضوع. السرقات في نقد القرن الرابع وقد شغل النقد في القرن الرابع كثيراً بالكشف عن السرقات؛ ولعل التأليف في السرقات يربو على المؤلفات في أي موضوع آخر. وسنتحدث في الصفحات التالية عن أهم الظواهر النقدية في القرن الرابع اعتماد الذوق الفني في إنشاء نظرية شعرية (عيار الشعر لابن طباطبا - 322) لمحة عن ابن طباطبا عاش الشاعر أبو الحسن محمد بن احمد بن طباطبا بأصبهان وتوفي فيها، وله كتب ألفها في الأشعار والآداب أشهرها " عيار الشعر " وقد نعده في تاريخ النقد الأدبي حلقة متممة لما جاء به ابن قتيبة. وكانت لديه أثارة من ثقافة فلسفية أو اعتزالية أفادته في تعميق نظرته عامة تعريف الشعر عند أبن طباطبا يعرف ابن طباطبا الشعر بأنه " كلام منظوم " وإن الفرق بينه وبين النثر إنما يكمن في النظم، اتباع السنة العربية في الشعر و أبن طباطبا على تضييقه في هذه الاتباعية ينفذ إلى أغوار عميقة توضح انه لا يرى الشعر شيئاً منفصلاً عن البيئة والمثل الأخلاقية وإن لم يستطع أن يطبق على معاصريه قانون " تغير البيئات والأزمنة الشعر نتاج الوعي المطلق لا يلبث عند الخوض في طريقة بناء الشعر أن يقضي قضاء مبرماً على ما سماه النقاد بشعر الطبع عند العرب، وان يعتمد صنعة جديدة المضمون والطريقة في النظم، إذ يصبح الشعر لديه " جيشان فكر " - قائماً على الوعي التام المطلق، تضاؤل المسافة بين القصيدة والرسالة محا أبن طباطبا الفروق بين القصيدة والرسالة النثرية في البناء والتدرج واتصال " الأفكار " : " إ ، ولكن يظل هناك فرق بين القصيدة والرسالة: فقد يجوز في الرسالة ان يبنى فيها كل فصل قائماً بنفسه، أما القصيدة فلا يجوز فيها ذلك بل يجب أن تكون كلها " ككلمة واحدة الوحدة في القصيدة وحدة بناء ان الوحدة فيها قد تكون وحدة بناء وحسب، والصورة الصناعية لا تفارق خيال ابن طباطبا في عمل الشعر، ومن ثم تصور ابن طباطبا الوحدة في العمل الفني كالسبيكة المفرغة من جميع أصناف المعادن مأزق الشعر المحدث، هو السر في اختيار هذه الطريق أكبر الظن انهذه الطريق كانت تعبيراً عن أزمة الشاعر المحدث، الذي كان في رأي ابن طباطبا في محنة: " لأنهم قد سبقوا إلى كل معنى بديع ولفظ فصيح وحيلة لطيفة وخلابة ساحرة، قلة المعاني لدى الشاعر المحدث وطريقته في تحصيلها على الشاعر ان يستعمل " المعاني المأخوذة في غير الجنس الذي تناولها منه، وتعود صورة الجوهري الصائغ إلى ذهن ابن طباطبا فيشبه هذا الأخذ بعمل الصائغ الذي يذيب الحجر الكريم ويعيد صياغته بأحسن مما كان عليه صورة العلاقة بين اللفظ والمعنى ولكنه لابد ان يكبر فيه شيئين: أولهما هذا التصور الذي لا يختل أبداً لصورة القصيدة في نفسه، وثانيهما هذا الإلحاح الشديد على نوع من الوحدة لا نجده كثيراً عند غيره من النقاد. وذلك هو تصوره للعلاقة بين المعنى واللفظ في القصيدة على نحو العلاقة بين الروح والجسد، ولما كان ينظم الشعر في رأي ابن طباطبا عملاً عقلياً خالصاً، كان تأثير الشعر عقلياً كذلك، لأنه مقصود بمخاطبة الفهم، ووسيلته إلى هذه المخاطبة هي " الجمال " أو الحسن، والسر في كل جمال الاعتدال والفهم هو القوة التي تجد في الشعر " لذة " و هنا موقف لابد من ان يستوقفنا في تاريخ النقل العربي، وهو الإلحاح على فكرة المتعة المترتبة على الجمال في الشعر، وتعريف العلة الجمالية بأنها " الاعتدال " ، ومع ان الناقد يربط بين الغايتين اللذية والأخلاقية فانه اكثر جنوحاً إلى تأكيد المتعة الجمالية الخالصة، لأنها هي التي تتحقق في " الفهم " أولاً . الصدق - يسبب الاتجاه العقلي - أساس الشعر وما دام الفهم هو منبع الشعر ومصبه، فلا غرابة أن يجعل ابن طباطبا عنصر " الصدق " أهم عناصر الشعر وأكبر مزاياه؛ ولهذا كانت لفظة الصدق متفاوتة الدلالة عند ابن طباطبا: (1) فهناك الصدق عن ذات النفس بكشف المعاني المختلجة فيها والتصريح بما يكتم منها والاعتراف بالحق في جميعها (2) وهناك صدق التجربة الإنسانية عامة (3) وهناك الصدق التاريخي، (4) " الصدق الأخلاقي " وهو ما لا مدخل فيه للكذب بنسبة الكرم إلى البخيل او نسبة الجبن إلى الشجاع، (5) الصدق التصويري أو ما يسميه ابن طباطبا " صدق التشبيه تلخيص عام لموقفه النقدي ولكن ذلك هو ابن طباطبا في نقده، يرى اتباع السنة حيث أمكن ذلك أمراً لازماً. وينفي الفرق بين القصيدة والرسالة إلا في النظم ويتصور الوحدة في القصيدة وحدة مبنى قائم على تسلسل المعاني والموضوعات. بحيث تكون " العملية " الشعرية عملاً عقلياً واعياً تمام الوعي. ويعتبر التأثير الآتي من قبل الجمال - وهو الاعتدال - تأثيراً في الفهم على شكل لذة كاللذة التي تجدها الحواس المختلفة في مدركاتها، وإذا كان الاعتدال ميزة للجمال في الكيان الكلي، فان الصدق - على اختلاف مفهوماته - هو الذي يهيئ الفهم لقبول المحتوى والتجربة 2 - الصراع النقدي حول أبي تمام أبو تمام لدى نقاد القرن السابق كانت الظاهرة التي يمثلها أبو تمام في الشعر قد شغلت النقاد والمتذوقين في القرن الثالث، ثم ورثها نقاد القرن الرابع وأمعنوا فيها أما الخصومة الشفوية حوله فقد كانت واسعة النطاق، ولم تسكن نائرتها في القرن الرابع، بل لعلها ازدادت في النصف الأول منه حدة، وقد تحددت تلك العيوب في سرقته لبعض المعانيوفي تعسفه للاستعارة وبعض وجوه البديع الأخرى وفي الابتداءات البشعة وفي استعماله لألفاظ وحشية غريبة وفي استغلاق بعض معانيه، رسالة أبن عمار القطريلي في أخطاء أبي تمام كتب أحمد بن عبيد الله بن عمار القطريلي ( - 319) رسالة يبين فيها أخطاءه في الألفاظ انتصار الصولي لأبي تمام وكان موقف ابي بكر محمد بن يحيى الصولي ( - 335) رداً على أمثال أبن عمار ممن حاولوا أن يغمطوا أبا تمام حسناته، فكتب أخبار أبي تمام ومجمل رأي الصولي أن النقد لا يكون بإبراز بعض العيوب والتشهير بالشاعر من أجلها وإغفال ما له من حسنات كثيرة إزاءها؛ موقف الصولي من العلاقة بين الشعر والدين وقد نبه الصولي إلى ناحية المعتقد الديني، فقد أتهم أبو تمام بأنه كان يخل بفروضه وهذه قضية خطيرة في النقد، ومن استقلال النظرة النقدية في تاريخ النقد العربي أن نجد هذا الفصل التام فيها عند الصولي. الحق أن كتاب الصولي يعد في كتب السيرة أكثر مما يعد في كتب النقد، غير أن كل من تعرض لأبي تمام كان في الغالب مضطراً للوقوف عند البحتري لأن الذين كانوا يغضون من شأن الأول كانوا ؟في الأكثر - يكبرون من الثاني. ثم قسم الآمدي بعد ذلك ما أورده أبو الضياء الى أنواع: معان قال أبو الضياء إنها مسروقة إلا انه اخطأ لأنه ليس بين كل معنيين منها أي تناسب، و معان زعم أبو الضياء أنها مسروقة، ولكن الاتفاق فيها في الألفاظ وهذا غير محضور على الشاعر، الآمدي ومؤلفاته في النقد أبا القاسم الحسن بن بشر الآمدي ( - 370) ، ناقد متخصص، جعل النقد أهم ميدان لجهوده، وفيه كتب اكثر مؤلفاته، فمن ذلك: كتاب معاني الشعر للبحتري، كتاب الرد على ابن عمار فيما خطا فيه أبا تمام فالآمدي سيطر على التراث النقدي حتى عصره. وتصدى بالتعقب لأهم اثرين نقديين ظهرا في أوائل القرن الرابع وهما عيار الشعر، ونقد الشعر؛ وكان ناقداً بناء، وكان منهجه واضحاً في اكبر اثر نقدي وصل إلينا من آثاره وذلك هو " كتاب الموازنة بين الطائيين " . الآمدي يحس أنه الناقد الحق الذي صوره ابن سلام وقد كان الآمدي صورة ذلك الإحساس الذي عبر عن ابن سلام بإيجاز حين ميز دور الناقد، أن النقد " علم " يعرف به الشعر، وليست تكفي فيه الوسائل الثقافية مهما تنوعت، لأن حفظ الأشعار أو دراسة المنطق أو معرفة الجدل أو الاطلاع على اللغة أو الفقه ليست هي الطريق التي تكفل لصاحبها إحراز " علم الشعر " ؛ ولذلك يشكو الآمدي من كثرة المدعين للمعرفة بعلم الشعر؛ فمن الواجب ألا ينازعوا الناقد في حكم أصدره. ذلك لأنه مهيأ لذلك بالطبيعة أولاً وبكثرة النظر في الشعر والأرتياض له وطول الملابسة فيه. الموازنة المعللة هي الطريقة التي يثبت بها المرء انه قد أصبح ناقداً، فليكن الآمدي ذلك الناقد، وليقم الموازنة المعللة منزلة كتاب الموازنة في تاريخ النقد، ومنهج المؤلف فيه فكتاب " الموازنة " وثبة في تاريخ النقد العربي، ذلك لانه ارتفع عن سذاجة النقد القائم على المفاضلة بوحي من " الطبيعة " فكان موازنة مدروسة مؤيدة بالتفصيلات التي تلم بالمعاني والألفاظ والموضوعات الشعرية بفروعها المختلفة، وكان تعبيراً عن المعانات التي لا تعرف الكلل في استقصاء موضوع الدراسة من جميع أطرافه، أضف إلى ذلك أن كتاب الآمدي قد استغل جميع وسائل النقد التي عرفت في عصره: من تبيان للمعاني المسروقة ومن سلوك سبيل القراءة الدقيقة والفحص الشديد، ومن الاحتكام إلى الذوق الفردي حيناً وإلى الثقافة حيناً آخر، الموازنة ذات مظهر علمي موهم باستغلال الإحصاء اكبر الظن أن الموازنة كانت في حينها تلبية " علمية المظهر " والمنهج لحاجة ذلك الصراع الدائر بين المتطرفين من الفريقين؛ فمن حق الموازنة ان تكون قائمة على الحساب: هذه حسنة يقابلها حسنة وهذه خمس سيئات يقابلها أربع، فإن شئت بعد ذلك أن تقوم بعملية جمع وطرح، استطعت ان تصل إلى نوع من الحكم قائم على الدقة الإحصائية، الموازنة نظرياً نقطة التقاء المنصفين وعملياً توقع الآمدي في التناقض ان الموازنة نقطة الالتقاء بين المنصفين من كلا الفريقين: وبها ينكشف الغطاء عن مذهبين متوازيين عاشا جنباً إلى جنب في تاريخ الشعر العربي وتاريخ الذوق العربي. عمود الشعر نظرية خدمة للبحتري وأنصاره فأبعدت الموازنة عن الإنصاف كان يؤثر طريقة البحتري ويميل إليها. ومن اجل ذلك جعلها " عمود الشعر " ونسبها إلى الأوائل وصرح بأنه من هذا الفريق دون مواربة: ولا ريب في أن الآمدي حاول أن يكون منصفاً، وظهر بمظهر المنصف في مواطن عديدة، ولكن ميله كثيراً ما كان يوجهه رغماً عنه، فقد عرض لسرقات أبي تمام من جميع الشعراء على نحو تفصيلي. فلما وصل إلى البحتري، اكتفى بكر ما سرقه البحتري من أبي تمام وحسب، قانون " عمود الذوق " يقتل الاستعارة وإذا كان الآمدي - خدمة لقانونه هذا - قد تناول القواعد القديمة من اعتماد كل أصول اللياقة وعلى قانون منتهى الجودة و قد تجاوز حدود تلك القواعد وبيان ذلك أن الشعر لا يتأثر كثيراً إذا أخطأ الشاعر فجعل ذيل فرسه طويلاً،أو استعمل السوط في حثه على الجري حملة الآمدي على استعارات أبي تمام بعبارة أخرى: إن اخطر ما في هذا الاحتكام إلى طريقة العرب هو ما يصيب الاستعارة، لان تعقب الاستعارة يعني التدخل في التشخيص والقدرة الخيالية لدى الشاعر. ثم أراد أن يفهمنا بان هذه الاستعارات خارجة عما نهجه العرب الصلة بين ابن طباطبا والآمدي في الاتباعية وهذا الذي ذهب إليه الآمدي من الاحتكام إلى طريقة العرب، يذكرنا أيضاً بالمنهج الذي اختاره ابن طباطبا في " عيار الشعر " ، حين حدد طريقة العرب في التشبيه، إلا أن الآمدي أربى عليه وكمل عمله، حين اهتم بالاستعارة، خضوع الآمدي الذي يحتكم إلى طريقة العرب لمؤثرات أجنبية دون أن يفهمها ومن غريب أمر الآمدي الذي يبني أكثر نقده على الاحتكام إلى طريقة العرب يستأنس أحياناً بثقافة فلسفية في الحديث عن صناعة الشعر، الذوق الخاص والأحكام التأثرية، ومعاداة العمق في المعنى الآمدي قد درس علم الكلام، غير أنه لم يتأثر به في النقد إلا تأثراً شكلياً. فهو لا يستطيع أن يتقبل ذوقياً إلا المعنى القريب الذي يسلم للقارئ نفسه في صياغة جميلة إسلاماً مباشراً، دون إعمال خيال أو إجهاد فكر، نشأة الآمدي التأثرية وأثرها في نقده السبب في هذا صعوبة التعليل واعتماد الآمدي على حكم " الطبيعة " نتيجة النشأة التأثرية، ، وكان ذوقه قد حدد وجهته في أخذ ما يأخذه وطرح ما لا يستسيغه، وفي هذه المرحلة يكون الإعجاب شيئاً لا يعلل، ويظل هذا الإعجاب هو المحرك الكبير دون أن يهتدي الناقد إلى إدراك الأسس الجمالية في الشيء الجميل، و الأركان النقدية في كتاب الموازنة إن كتاب الموازنة يعتمد على ثلاثة أركان نقدية كبرى وهي: 1 - الكشف عن السرقات: فقد عد لأبي تمام 120 بيتاً أخذ معانيها عن الشعراء، ثم ناقش أبن أبي طاهر في ما عده من سرقات أبي تمام فصحح له 31 بيتاً أيده في أنها مسروقة، ورد مما عده أبن أبي طاهر خمسة عشر بيتاً فكأن كل ماأخذه أبو تمام من غيره 151 معنى، وللآمدي موقف خاص من قضية السرقة، فهو على تتبعه لها، يحس أنها ليست من العيوب الكبيرة ولدى الآمدي مقياساً للسرقة وهو أن ما جرى على الألسن وشاع من المعاني أو اصبح كالمثل السائر بين الناس فإنه لا يعد سرقة إذا اشترك فيه الشاعران ، كذلك فغن ما كان اتفاقاً بين ألفاظ معينة لا يعد سرقاً 2 - القراءة الدقيقة: والغاية منها الكشف عن الخطأ في استعمال الألفاظ، وفي المعاني، 3 - الموازنة: وهي أهم الأركان وأكبرها ومن أجلها في المقام الأول ألف الكتاب. 1 - اخذ معنيين في موضعين متشابهين. 2 - تبيان الجيد والرديء مع إيراد العلة. 3 - تبيان الجيد والرديء دون إيراد علة لان بعض الجودة والرداءة لا يعلل. 4 - إصدار الحكم بان هذا اشعر من ذاك في هذا المعنى، دون إطلاق الحكم النهائي العام وهو " أيهما اشعر على الإطلاق " . وحين تقدم إلى الموازنة التطبيقية قسم الشعر في موضوعات: كالوقوف على الديار، والغزل والمواعظ والآداب والمدح والوصف والفخر والعتاب والرثاء ومن الملاحظ أن الأحكام أن الأحكام التي لا تعتمد على تعليل كثيرة جداً في هذه الموازنة؛ كما أن الآمدي أحياناً لا يصدر حكماً نهائياً، موقف الحاتمي من ابي تمام أن كتابه " حلية المحاضرة " يمثل إرساء للقواعد النقدية القديمة مع استكثار من الأمثلة، فإنه تعرض فيه لأبي تمام، ذهاباً مع ميله إلى مقارعة الآخرين حول ما يحملونه من آراء. وإذا تجاوزنا عن غرور الحاتمي. وعن ميله الدائم إلى كسب الفلج في كل مناظرة. وجدنا ان هذا الذي أورده يشبه لمحة صغيرة من جهد الآمدي. النقد والأثر اليوناني مقدمة في حركة الترجمة وكتاب الشعر كانت حركة الترجمة في القرنين الثاني والثالث، قد قربت بين الثقافات المختلفة من هندية وفارسية ويونانية وعربية، لكن هذه الثقافات المختلفة لم تترك آثاراً عميقة في البلاغة والنقد، حتى الجاحظ نفسه لم يمس الشعر من الزاوية الفلسفية إلا مساً رفيقاً؛ وكان من أسباب ذلك، الفصل الحاسم الذي أقامه النقاد والشعراء بين الشعر والمنطق، والموقف الدفاعي الذي اتخذوه من الشعر حين جعلوه موازياً أحياناً للعلوم المترجمة ترجمة أبي بشر متي بن يونس لكتاب الشعر وعادت جهود المترجمين تتناول كتاب الشعر من جديد في القرن الرابع، فترجمه أبو بشر متي بن يونس القنائي ( - 328) من السرياني إلى العربي، ثم أفاد منه الفارابي، ثم عاد تلميذه يحيى بن عدي ( - 364) فنقله نقلاً جديداً إلى العربية . تقييم لترجمة متي وقد وصلتنا ترجمة أبي بشر ، ولدى المطالعة الأولى يستطيع القارئ أن يحكم بأنها ترجمة رديئة، تدل على ان بين المترجم والنص حجاباً من عدم الفهم، وبعض مستويات هذه الترجمة واضح في الدلالة ميسر في التطبيق إلا انه معتمد على خطا في التصور والفهم، وذلك كترجمة التراجيديا بالمدح والكوميديا بالهجاء، ولكن هذه الترجمة على سوءها. أو شيئاً شبيهاً بها. كان ذا أثر في النقد الأدبي. قدامة بن جعفر ونقد الشعر علاقة قدامة بالثقافة اليونانية لا ريب في أن الثقافة اليونانية كانت من ابرز المؤثرات في قدامة بن جعفر. فقد كان ممن يشار إليه في علم المنطق وعد من الفلاسفة الفضلاء .وهذه الثقافة نفسها هي التي جعلته يشارك في النقد الأدبي، إذ لا تكاد تشك في أن المنزلة الثالثة من كتاب الخراج إنما كتاب صدىً لكتاب أرسطو في الخطابة، وإن استكماله لمراحل المنطق الأرسططاليسي ويبدو أن قدامة لم يعرف شيئاً عن كتاب " نقد الشعر " للناشئ، ولم يطلع على كتاب " عيار الشعر " لأبن طباطبا، لأنه يصرح بأنه لم يجد " أحداً وضع في نقد الشعر وتخليص جيده من رديئه كتاباً " حد الشعر عند قدامة " الشعر قول موزون مقفى يدل على معنى " فكلمة قول: بمنزلة الجنس، وموزون فصل له عما ليس بموزون، ومقفى فصل عما هو موزون ولا قوافي له، ودال على معنى فصل له عما يكون موزوناً مقفى ولا يدل على معنى. صورة موجزة لكتاب نقد الشعر ويظل الحديث عن عناصر: اللفظ، والوزن، والقافية، وعن ائتلاف اللفظ والوزن وائتلاف المعنى والقافية (وهو مفتعل) أمراً سهلاً ليس فيه تعقيد في حلي الوجوب والسلب أو الجودة والرداءة. 1 - فاللفظ يجب أن يكون سمحاً سهل مخارج الحروف من مواضعها. 2 - والوزن يكون سهل العروض. 3 - والقافية تكون عذبة الحرف سلسة المخرج فيها ترصيع، 4 - وائتلاف اللفظ والوزن أن تكون الأسماء والأفعال في الشعر 5 - وائتلاف القافية مع المعنى أن تكون متعلقة بما تقدمها تعلق ملاءمة ونظم، مصطلح قدامة أن قدامة قد حشد مصطلحاً كبيراً أصبح مادة، هامة في نقد الشعر وفي البلاغة على السواء، غير أن هذا المصطلح نفسه يدل على انشغال قدامة بالتحديد والتقعيد، ورأى قدامة أن أغراض الشعر إما أن يكون موضوعها الإنسان (الممدوح - المهجو - المرثي - المتغزل فيه - الموصوف) وإما يكون موضوعها الشيء (الموصوف)، تحديد الصفات الإيجابية حسب نظرية الفضيلة الأفلاطونية هنا لجأ إلى ثقافته الفلسفية، فوجد أن أفلاطون يجعل الفضائل الكبرى أربعاً: العقل والشجاعة والعدل والعفة. وبما أن مدح الرجال معناه ذكر فضائلهم. فمن أتى في مدحه بهذه الأربع كان مصيباً ومن مدح بغيرها كان مخطئاً كيف تم التلاءم بين القاعدة الأخلاقية والغلو في الشعر ان الفضيلة وسط بين طرفين، فهل يجوز للشاعر أن يصف قوماً بالإفراط في هذه الفضائل؟ وجواب قدامة على ذلك بالإيجاب ويستمر قدامة في تأييده للغلو حتى ولو أفرط فيه الشاعر وجاء بما يخرج عن الموجود الغلو. وقد كان قدامة في هذا الموقف يستوحي أيضاً فكرة وردت عند ارسططاليس وهي: " أما فيما يتصل بالصدق الشعري فإن المستحيل المحتمل مفضل على شيء غير محتمل إلا انه ممكن " هل يجوز الفحش والرفث في الشعر مع قيامه على اساس افلاطوني أن المعاني كلها معروضة للشاعر يتكلم منها فيما أحب دون أن يحظر عليه معنى من المعاني، إذ كانت المعاني للشعر بمنزلة المادة الموضوعة، والشعر فيها كالصور. هل يبقى الشاعر على مستوى نفسي واحد؟ وهل يقبل منه التضاد ليس ينتظر من الشاعر ان يظل على مستوى نفسي واحد، إذ أن الشاعر لا يوصف بان يكون صادقاً، إنما يراد منه إذا أخذ في معنى من المعاني - أياً كان ذلك المعنى - أن يجيده في وقته الحاضر وحسب التناقض في موقفين ليس عيباً على الشاعر، ولكنه عيب كبير حين يكون في المعنى الواحد، وهنا يفسر معنى التقابل: إن الأشياء تتقابل على أربع جهات. 1 - جهة أل إضافة: كالأب والابن، 2 - جهة التضاد: كالخير والشرير والحار والبارد. 3 - جهة العدم والقنية كالعمى والبصر. 4 - جهة النفي والإثبات منطق الشعر فإن " منطق الشعر " يقتضي صحة التقسيم وصحة المقابلات وصحة التفسير والتكافؤ، وهو أيضاً ينر فساد التقسيم وفساد التقابل وفساد التفسير والتناقض؛فقد يتم للبيت من الشعر صحة التقسيم، أو صحة المقابلات أو صحة التفسير، ثم لا تميزه إحدى هذه الخصائص عن مستوى الكلام العادي ولهذا يمكن أن نقول أن الصفات الإيجابية التي وضعها قدامة للمعاني لا تميز الشعر بشيء، وبقي هذا الشعر بحاجة إلى استنباط خصائص أخرى، إحساس قدامة بان " منطق الشعر " لا يمكن أن يكون كلياً ان إحساس قدامة أحياناً بان الشعر لا ينضبط بالقاعد الصارمة موجود في كتابه. لماذا يهون قدامة من شان الاستعارة كما استبعد الآمدي الاستعارات البعيدة؟ وهذا التهوين الضمني من شان الاستعارة يشير إلى شيئين: أولهما أن المنهج العقلي لا يستلطف مثل هذا التصور الجامح الذي لا يخضع لتحديدات منطقية، انعدام الاهتمام بالحالة النفسية في نقد قدامة ثم أن الاهتمام بالاستعارة يعني من بعض جوانبه الاهتمام بقوة الخلق عند الشاعر، ولن تجد ناقداً مثل قدامة، قصر حديثه كله على الشعر نفسه دون أن يلتفت للشاعر أو للمتلقي. فليس يدخل في نقد قدامة أي حديث عن الحالات النفسية بالمعنى الدقيق ولا عن الطبع لم لم يهتم بالسرقات رغم احتفاله بالمعنى وهذا التركيز الشديد جعله يصدر حكماً على السرقات الشعرية وبذلك أهمل موضوعاً كبيراً. غير أن وصف المعنى بأنه غريب وطريف لا علاقة له بكونه جيداً أو غير جيد، فقد يكون الجيد غير طريف أو غريب. وقد يكون الغريب الطريف غير جيد. والسبق إلى المعنى ليس صفة للمعنى نفسه بل هو صفة للشاعر إذ انه هو السابق في الاهتداء إليه. أما المعنى فإنه عن كان قبيحاً في ذاته لم يحسنه هذا السبق، والعكس كذلك مقياس الجودة قدامة لا يملك مقياساً في النقد إلا الجودة (ويقابلها الرداءة) وفي الطرف الأعلى منتهى الجودة وبين المرحلتين مواقف هي وسائط بين المدح والذم نظرة إجمالية ذلك هو قدامة في النقد، يقف موقف العالم، يصنف كل شيء بمنتهى الدقة والوضوح، ويسيء الظن بالقارئ، فيضع له الأنموذج ليقيس عليه، ولا ريب في أنه بنى أسساً نقدية متكاملة. وغاص بذكائه الفذ على أمور دقيقة في المعاني، وآمن بان النقد يقوم على نظرية محددة؛ وقدامة في كل ذلك نسيج وحده. وغن خالفناه في اكثر ما يريده من الشعر والنقد؛ لقد أراد أن يكون " معلم " النقد في تاريخ الأدب العربي، كما كان أرسططاليس في تاريخ " المنطق " وفي " كتاب الشعر " ، ولكن حيث كان كتاب الشعر عاملاً حافزاً. كان كتاب قدامة كالمعلم المتزمت، أو سرير بروكست، من كان طويلاً فلا بد أن يقص جزء منه كي يستطيع ان ينام فيه. وإذا كان كتابه قد لقي من المهاجمين أكثر مما لقي من المؤيدين - كما سنوضح في هذا السياق التاريخي - فإنه يمثل اجتهاداً ذاتياً مدهشاً. وقد كان موضع الرضى لدى أولئك الذين آمنوا بقيمة الفكر والثقافة الفلسفية. أبو نصر الفارابي ( - 339) سبب اهتمام الفارابي بالخطابة والشعر كان اهتمام الفارابي بالخطابة والشعر جزءاً من منهجه الفلسفي العام، ولذا فإنه فسر ريطوريقا (كتاب الخطابة)، ويبدو أن " رسالة في قوانين صناعة الشعراء " تلخيص لجزئيات من كتاب الشعر مع الإفادة من شرح لثامسطيوس على ذلك الكتاب، أنواع العلوم التي تتناول الشعر تنقسم العلوم التي تتناول الشعر في أقسام فبعضها لإحصاء الأوزان والأسباب والأوتاد وبعضها يتناول نهايات الابيات، وبعضها للفحص عما يصلح ان يستعمل في الشعر من ألفاظ، موضع الأقاويل الشعرية بين سائر الأقاويل وليست الأقاويل الشعرية إلا ضرباً واحداً من ضروب الأقاويل: فهناك الأقاويل البرهانية والجدلية والخطابية والسوفسطائية والشعرية، عنصر المحاكاة أو التخييل وهذا التخييل هو الذي يسمى المحاكاة إذن فالشعر (القول الشعري) يقوم على المحاكاة، وهو في ذلك يشبه الرسم (صناعة التزويق) وليس من اختلاف بينهما إلا في مادة الصناعة. ولكنهما متفقان في صورتها وافعالها وأغراضها، أهمية المحاكاة في الشعر وما دام الشعر يعتمد على المحاكاة فغن المحاكاة والأشياء التي تتم بها تعد أهم عنصر في الشعر، قيمة الوزن في الشعر غير أن الشعر إذا خلا من الوزن بطل ان يكون شعراً والأصح أن يسمى عند ذلك " قولاً شعرياً " وعلى أساس الوزن ينقسم الشعر في أنواع، ولم يجعلوا لكل موضوع وزناً خاصاً به، الخلاف بين الشعر العربي وغيره في العلاقة بين الشعر واللحن وقد نشأت عند بعض الأمم علاقة وثيقة بين اللحن والوزن، إذ يجعلون النغم التي يلحنون بها الشعر أجزاء للشعر، أما المحاكاة فإن من شانها أن تخيل الأمر على حال افضل أو احسن " وذلك إما جمالاً أو قبحاً أو جلالة أو هواناً أو غير ذلك مما يشاكل هذه السبب في قدرة المحاكاة على التأثير والسبب في قوة المحاكاة ان ما يعرض لنا لدى التخييل شبيه بما يعرض لنا عند النظر إلى الشيء نفسه، فلو كان هناك شيء نعافه ولكنه ليس يخيل إلينا انه مما يعاف فتنفر أنفسنا منه فنتجنبه، وإن انه ليس في الحقيقة كما خيل لنا " محاكاة المحاكاة وقد تنتقل المحاكاة خطوة أخرى فتصبح محاكاة المحاكاة كالذي يضع تمثالاً لزيد، ثم يضع مرآة يرى فيها التمثال، وليس واضحاً كيف تكون محاكاة المحاكاة " في الشعر، إذ لا نظن ان الفارابي يعني هنا محاكاة نماذج شعرية معتمدة، ولعله إنما يعني الرمز والإيماء والكتابة. تلبس الشعر بالخطابة والخطابة بالشعر هذه المحاكاة قوام الشعر ولكنها ليست عنصراً في الخطابة (وهذا فرق أساسي بين الفنين من القول) طبقات الشعراء بالنسبة للقدرة على المحاكاة 1 - طبقة تسعفهم حيلتهم وطبيعتهم المهيأة للمحاكاة 2 - طبقة يعرفون الصناعة حق المعرفة حتى لا يند عنهم شيء من خواصها وقوانينها 3 - طبقة تقلد هاتين الطبقتين وقد تعترض الشاعر عوائق عن قول الشعر: يرجع بعضها إلى " الكيفيات النفسية " وترددها بين القوة والفتور، وتتفاوت جودة التشبيه، فقد تكون بين أمرين قريبين، وربما أوحد الحاذق المشابهة بين شيئين متباينين، تلك هي الآراء التي جاء بها الفارابي مقتبساً أو مفسراً أو مجتهداً، وهو لم يحاول - فيما نعرف - أن يبذل جهوداً تطبيقية في دراسة الشعر. واكتفى بهذا الموقف النظري، وقد جاء بنظرات تصلح أسساً للفهم العميق، كالتفرقة الارسططاليسية بين الشعر والخطابة، والمفاضلة بين المحاكاة والوزن في الشعر. تعريف الطراغوذيا والقوموذيا أما تعريفه لطراغوذيا وقوموذيا يدل على اختلاط المفهومات في ذهن الفارابي. فقوله في الطراغوذيا إنه نوع من الشعر له وزن معلوم. ومن هذا يتضح لنا أن الفارابي لم يخطئ الفهم ولكن قصر به التصور عن الطبيعة الدقيقة للمأساة. مواطن الأخذ من أرسطو والخطأ في ذلك وفي حديثه عن المحاكاة وأهميتها طرف غير قليل من آراء ارسطو، ولكن بعضه خاطئ أو محرف.. ومن الغريب أن الفارابي (وهو يعيش في عصر النهضة الشعرية) لم يلابس الشعر العربي كثيراً، و، لو كانت لدى الفارابي شجاعة قدامه في وضع منهج نقدي متكامل. أبو حيان التوحيدي وأصحابه من مفكري القرن الرابع ذوق أبي حيان وثقافته وصلتهما بالنقد الأدبي كان أبو حيان يجمع إلى ذوقه الدقيق في إدراك الجمال في النثر والشعر اطلاعاً على ما كتب في النقد الأدبي، وكان مهيأ بحكم ذلك الذوق النافذ والإطلاع الواسع ليكون في طليعة النقاد، ولكنه، لأمر ما، كان يتهيب النقد أو كما يسميه علم " الكلام على الكلام مجالات جهود أبي حيان في النقد قد تناول ثلاثة مظاهر: (أ) إرسال أحكام الموجزة حول الشعراء والكتاب المعاصرين. (ب) تقرير أصول البلاغة نظرياً وتطبيقها عملياً. (ج) استثارة المعاصرين إلى الإجابة عما يتعلق بالمشكلات النقدية. (أ) إرسال الأحكام الموجزة حول الشعراء والكتاب المعاصرين: تناولت أحكام التوحيدي عدداً من أدباء عصره، فمن الشعراء: السلامي والحاتمي وابن جلبات والخالع ومسكويه وابن نباتة وابن حجاج. و يبدو الكلام مرسلاً لأنه غير مؤيد بالشواهد، مثلما يتحمل الخلط بين تقدير أبي حيان للشاعر وتقديره للشعر في آن معا. (ب) تقرير أصول البلاغة وتطبيقها عملياً: تقرير مفهوم البلاغة وذهب التوحيدي يحدد البلاغة بأنها تعتمد على الطبع أو على الصناعة أو على الاثنين معاً، وعلى هذا تجيء البلاغة في ثلاثة مستويات؛ بلاغة المطبوع ولا يخلو من صناعة، وبلاغة المصنوع ولا يخلو من طبع، وفن ثالث مسلسل يبتدر في أثناء هذين المهذبين، كيف يكون المرء كاتباً ويجيب التوحيدي على السؤال العملي: " كيف يكون المرء كاتباً " فينص في ذلك على الإخلاص والاستهانة بالجهد وعدم الانقياد لسحر اللفظ قبل الوثوق من حدود المعنى، وعلى العناية بالجمال في التأليف، وعلى التوفيق بين الشكل والمحتوى توفيقاً متلاحماً لا انفصال فيه، (ج) استثارة المعاصرين إلى الإجابة عما يتعلق بالمشكلات النقدية: المفاضلة بين النظم والنثر ومع ذلك فان أبا حيان كان يرى أن الأكثرية يقدمون النظم على النثر، دون ان يحتجوا فيه بظاهر القول، وان الاقلين قدموا النثر وحاولوا الحجاج فيه، ثم حدد أبو حيان هذا السؤال على نحو ادق، حول أشدهما تأثيراً في النفس، فكان جواب أبي سليمان شبيهاً بما قاله عيسى الوزير، حين قال: " النظم أدل على الطبيعة لان النظم من حيز التركيب، والنثر أدل على العقل لان النثر من حيز البساطة أثر اختلاف الألفاظ واتفاق المعاني في النفس واشتق التوحيدي من صلة جرس اللفظ بالحس وصلة المعنى بالعقل سؤالاً جديداً، " ما معنى قول بعض الحكماء: الألفاظ تقع في السمع فكلما اختلفت كانت أحلى، والمعاني تقع في النفس فكلما اتفقت كانت أحلى " جواب أبي سليمان عن ماهية البلاغة حين سال أستاذه أبا سليمان عن ماهية البلاغة اكتفى بقوله " هي الصدق في المعاني مع ائتلاف الأسماء والأفعال والحروف وإصابة اللغة، وتحري الملاحة والمشاكلة، برفض الاستكراه ومجانبة التعسف ". ولو كان أبو حيان يعرف كتاب الخطابة، لاحس أن أستاذه ذا المقام الكبير في نفسه قد خيب ظنه، في هذا المقام. هل بلاغته أحسن من بلاغة العرب؟ وعند هذا الكلام يندفع أبو حيان بقوة حبه للغة العربية إلى أن يسال: " هل بلاغة احسن من بلاغة العرب؟ فيجيبه أستاذه، ان ما عرف من اللغات يدل على ان اللغة العربية " أوسع مناهج وألطف مخارج وأعلى مدارج وحروفها أتم وأسماؤها اعظم ومعانيها أوغل ومعارفها أشمل؟ " . لم يكون شعر العروضي رديئاً وفمن ذلك ما لاحظه من أن " العروضي " يكون شعره في الغالب ردئياً، مع أن العروض ميزان ولذلك يتوجه إلى مسكويه بالسؤال: وخلاصة رد مسكويه أن العروض صناعة، وصاحب الصناعة لا يجري ذي الطبع الجيد الفائق. تعريف العامري الفيلسوف للشعر ولهؤلاء المفكرين الذين اتصل بهم التوحيدي، حدود وآراء في بعض ما يتصل بالنقد، كتعريف أبي الحسن العامري للشعر بأنه " كلام مركب من حروف ساكنة ومتحركة. بقواف متواترة، ومعاني معادة، ومقاطع موزونة، ومتون معروفة " وهو تعريف لايزيد شيئاً على ما تقدم من تعرفيات ولأبي تقارب النثر والنظم في الإيقاع إن أبا حيان يخلص إلى القول بان خير الكلام " ما قامت صورته بين نظم كأنه نثر ونثر كأنه نظم، يطمع مشهوده بالسمع، ويمتنع مقصوده على الطبع " مسكويه وأثر أفلاطون وينفرد مسكويه من بينهم بأنه وقع - إلى جانب تأثره بأرسطو - تحت تأثير أفلاطون، فإذا هو يتبنى رأيه في ما يجره الشعر من ضرر في تربية الناشئين، ولكن مسكويه لا ينفي الشعر جملة وإنما يستبقي منه في منهاجه التربوي ما يتلاءم والصحة النفسية والجسمانية: الحاتمي والعلاقة بين الفلسفة والشعر وقد حاول الحاتمي - وهو أيضاً ممن عرفهم أبو حيان - أن يقيم صلة بين الشعر والفلسفة فدل بذلك على نوع جديد من ثقافة الناقد الأدبي في عصره، ولكن الرسالة على وجه الإجمال تضعنا في جو حكمي فلسفي إذ إنها تتناول شئون الطباع والنفس والشهوة والعقل والزمان والأخلاق، من جبن وغلبة وظلم وحلم وعجز وفضل وحكمة ومحبة وعشق وحرص على المال. وبعضها واضح الصلة بالفلسفية الأفلاطونية مثل: " إذا تجوهرت النفوس الفلسفية لحقت بالعالم العلوي الحاتمي والمفاضلة بين النظم والنثر وقد شارك الحاتمي أيضاً في الإجابة عن تلك المسالة التي دار الجدل كثيراً حولها في حلقات أولئك المفكرين واعني بها قضية المفاضلة بين النظم والنثر، فكان من القائلين بتفضيل الأول على الثاني الحاتمي وقضية الصدق والكذب في الشعر ولم يكن الحاتمي موقف حاسم من قضية " أعذب الشعر أكذبه " لكنه لا يرى باساً من إيراد نماذج من الغلو في كتابه يسمى كل بيت منها " أبدع بيت قيل في الإغراق " ، دون أن يكون منتمياً إلى أحد الفريقين بجرأة ووضوح. 4 - المعركة النقدية حول المتنبي المتنبي في طريقته وشخصه يمثل مشكلة كبرى للنقاد كان ظهور المتنبي، كانت مصدر حيرة كبيرة للذوق والنقد معاً. وصدم المتنبي الذوق مرتين: مرة بشخصه المتعالي المتعاظم، ومرة بجرأته في الشعر: جرأته التي تركب المبالغة نظرة عامة إلى جهد الحاتمي في النقد كان النقد ميدانه الاكبر، فلم يكن جهده فيه قاصراً على المتنبي، ولكن ظهور المتنبي في العراق بعد مغادرته مصر، أثار لديه نحيزته الهجومية، ولذلك جاءت آثاره في النقد متفاوتة تتراوح بين تقرير القواعد ووضع الأصول وبين الحدة الثائرة في تعقب السقطات؛ وفي كلا الطرفين يبدو الحاتمي متفرداً بين النقاد بكثرة الحفظ وتوفر الشواهد، ومن مؤلفاته التي تتصل بالنقد : 1 - كتاب المعيار والموازنة (لم يتممه). 2 - كتاب المجاز في الشعر. 3 - كتاب الهلباجة في صنعة الشعر، 4 - كتاب سر الصناعة في الشعر أيضاً. 5 - كتاب الحالي العاطل في صنعة الشعر 6 - كتاب حلية المحاضرة: وقد عاد فيه إلى الموضوعات التي عرضها في الكتاب السابق، مع مراعاة الإيجاز، ليكون كتاباً صالحاً للمحاضرة والمذاكرة لدى من يطالعه، ولدى الاطلاع على ما وصلنا من هذا الكتاب تجد المؤلف قد أثبت فيه بعد المقدمة، مادة غزيرة تتناول الأمور الآتية: (أ) فصول في المصطلح الشعري البلاغي مثل الاستعارة والتقسيم (ب) فصول في الأبيات التي تمثل الحكمة والأمثال الشاردة واحسن بيت وأصدق بيت وأكذب بيت وانصف بيت وأهجى بيت (ج) باب في مجاز الشعر ومعرض الكلام على أنواع السرقات ومراتبها (د) أبيات المعاني في موضوعات شتى، (هـ) عود إلى أحسن ما قيل في موضوعات مختلفة. (و عود إلى قضية تداول المعاني وبيان ما سبق إليه الشعراء، ومن هذا يتبين أن حلية المحاضرة قد جمع جهود السابقين إلا أنه ميز حدوده بمصطلح جديد. 7 - الرسالة الموضحة في ذكر سرقات المتنبي وساقط شعره. 8 - رسالة فيما وافق ارسطو من شعر المتنبي، وأما ما وصلنا من كتبه فإنه لا يومئ إلى موقف نقدي متفرد مبدأ التناسب في الشعر وصورة الجسد وهو يتابع ابن طباطبا في أن القصيدة يجب أن تكون في تناسب صدورها وأعجازها وانتظام نسيبها بمديحها كالرسالة البليغة. ومن الطريف أن الحاتمي إنما يهتدي إلى هذه الصورة لينادي بوحدة المختلفة لا إلى اشتراكها في طبيعة واحدة، جهد الحاتمي منصرف إلى الاستكثار الأمثلة وتبيان السرقات ولا نجد لدى الحاتمي مقاييس كبرى في مجال نقده التطبيقي. لم يكن شغله الشاغل إلا الحديث في الأخذ والسرقة أبواب السرقة وهذه هي الأبواب التي وضعها الحاتمي في تعداد أنواع الأخذ: 1 - باب الانتحال 2 - باب الأنحال 3 - باب الإغارة 4 - باب المعاني العقم 5 - باب المواردة 6 - باب المرافدة: 7 - باب لاجتلاب والاستلحاق 8 - باب الاصطراف 9 - باب الأهتدام 10 - باب الاشتراك في اللفظ 11 - باب إحسان الأخذ 12 - باب تكافؤ لمتبع والمبتدع في إحسانهما 13 - باب تقصير المتبع عن إحسان المبتدع 14 - باب نقل المعنى إلى غيره 15 - باب تكافؤ السابق والسارق في الإساءة والتقصير، 16 - باب من لطيف النظر في إخفاء السرقة 17 - باب كشف المعنى وإبرازه بزيادة، 18 - باب الالتقاط والتلفيق: 19 - باب في منظوم المنثور الرسالة الموضحة وسبب تأليفها والرسالة الموضحة أو " جبهة الأدب " أو " الحاتمية " تعتبر أول رسالة وافية صنفت في نقد شعر أبي الطيب وقد كتبت الموضحة في شكلها الكامل بعد وفاة المتنبي، اعتماد الموضحة على أربعة مجالس درامية فالموضحة في شكلها النهائي تتألف من أربعة مجالس: كان أولها في منزل المتنبي،وكان المجلس الثاني والثالث في حضرة الوزير المهلبي ثم كان المجلس الرابع باقتراح المهلبي نفسه ليتم التفاوض بين الحاتمي وأبي الطيب في شعر الطائيين. التفاوت بين المجالس الأربعة هناك تفاوتاً واضحاً فيما بينها، يدل على تصميم مدروس تقتضيه طبيعة التأليف، وتبعد عن الواقعية التاريخية؛ ويتميز المجلس الأول بوضع القواعد النقدية وشرحها وإيراد الأمثلة عليها ومدى مباينة أبي الطيب في بعض شعره لها. هنالك يضع الحاتمي حد الشعر: " حدود الشعر أربعة وهي اللفظ والمعنى والوزن والتقفيه. أما المجلس الثاني فقد تضمن إلى جانب الحديث في السرقة حديثاً عن الخطأ في المعاني، أما الثالث فيثبت قدرة الحاتمي على تزييف ما يعده أصحاب المتنبي من أبكار معانيه وعلى رده إلى المصادر التي سرق منه اما في المجلس الخامس، يورد نماذج من استعمارات أبي تمام وينحي عليها بالذم ويتهمه بالإحالة، نظرة إجمالية في الموضحة تلك هي الموضحة: وضحت موقف الحاتمي من قضايا النقد الأدبي، فأظهرت رأيه في حدود الشعر، وفي الاستعارة وفي عيوب المبنى الشعري وفي السرقة، وفي المفاضلة (أو الموازنة) بين المعاني المبتكرة لدى المتنبي من ناحية والطائيين من ناحية أخرى، ودلت على مدى اطلاع الحاتمي ؛ ولكنها رسالة موسومة بالانفعال في أكثر مراحلها، أبو العباس النامي ( - 371 أو 399) والصاحب بن عباد ( - 385) رسالة للنامي في عيوب المتنبي كتب في المتنبي رسالة يتعقب فيها أخطاءه، وهي رسالة لم تشر إليها المصادر، ولولا ابن وكيع لما عرفنا خبرها، وهذا النقد لم يعجب ابن وكيع فقال: " فلم يزد على سب أبي الطيب سباً من غير إيضاح العيب من قوله " ثناء الصاحب على مقدرة ابن العميد في النقد وأحسب أن الصاحب أستطرد للثناء على أبن العميد كأنه يطلب إلى بن العميد إقراره على ما سيقوله في المتنبي، مساوئ المتنبي كما ذكرها الصاحب ونريد أن نحمل رسالة الصاحب على محمل جاد لنتبين فيها المساوئ التي عدها على المتنبي، فمنها: 1 - استعمال الألفاظ الحوشية والنابية مثل 2 - الإبهام على طريقة الصوفية في كلام كأنه رقية العقرب 3 - رداءة المطالع، 4 - المبالغ المسرفة 5 - قلة الذوق في عدم مراعاة المناسبة، 6 - هجنت الاستعارة 7 - الخطأ في العروض 8 - رداءة التشبيه، 9 - ركوب القوافي الصعبة مثل: طريقته التهكمية وإنما ذهب في التهكم كل مذهب، واستعمل السباب الجارح، نقد وتعقيب لرسالة الصاحب ,والقسم المعيب كان يدور على الألسنة من مستغرب ما جاء به المتنبي؛ والثاني أنه كان باستطاعته الكشف عنه دون لجوء إلى ما يشعر بالتحامل والثالث أن هذه العيوب جميعاً لا تسقط شاعراً، ورابعها أن النقد ليس محض تعداد للسيئات؛ وخامسها: أن رسالته نفسها معيبة للاضطراب القائم بين طبيعة مقدمتها ومتنها، رأي الصاحب في السرقات الشعرية تصريح كبير يقول فيه أن السرقة ليست عيباً، شرح ابن جني ( - 392) وما أناره من ردود أين هم المتعصبون للمتنبي؟ ومن غريب الأمر أن لا نسمع أصوات أولئك الأنصار ولا نتعرف إلى أشخاصهم ولا نجد لهم آثاراً مكتوبة في الدفاع عن صاحبهم، أثناء القرن الرابع؛ وإذا تحدثنا عن الأنصار هنا فإنما يعني أولئك الذين كانوا يرون في المتنبي شاعراً فاق كل من قبله من الشعراء، لم ألف ابن جني شرحه للديوان ألف ابن جني شرحه للديوان و اضطلع بشرح ديوانه في ما ينيف على ألف ورقة ، ثم يستخرج أبيات المعاني منه وأفرادها في كتاب " ليقرب تناولها " أثر صلته بالمتنبي وقد كان ابن جني صديقاً لأبي الطيب وثيق الصلة به معجباً بشعره أو إن شئت فقل: معجباً بسمته الشعري . ولكن هذا الإعجاب لم يكن ليحجب عن عيني ابن جني أن في شعر المتنبي صعوبتين: إحداهما تعسف في بعض ألفاظه خرج وهاتان الصعوبتان لا يذل لهما إلا شرح الديوان، ماذا حقق ابن جني في شرحه القد جلا غوامض المعاني، ووجه النواحي اللغوية والنحوية التي أخذت على المتنبي، وزود شرحه بشواهد كثيرة ليدل على الشبه بين طريقة المتنبي وطريقة الأقدمين في التعبير اعتذار ابن جني عن الضعف في بعض الأمور اللغوية أن موقف المتنبي في بعض الأمور اللغوية لم يكن دائماً موقف القوي، ويتعذر عنه ابن جني بان مثل هذا يجوز للشاعر إثارة ابن جني لموضوع الهجاء المبطن في مدائح كافور ويعد ابن جني أول من فتح باب القول في أن مدائح المتنبي في كافور مبطنة بالهجاء، وأن الازدواج فيها كان مقصوراً، اهتداء ابن جني إلى الجرأة النفسية لدى المتنبي كذلك تنبه ابن جني إلى ظاهرة نفسية هامة تفسر شيئاً كثيراً مما أنكره خصوم المتنبي، موقفه من العلاقة بين الدين والشعر ومن التفاوت في الأحوال النفسية وكان ابن جني يحور إلى بعض القواعد العامة المتوارثة في مواقفه النقدية كقوله أن الآراء والاعتقادات في الدين لا تقدح في جودة الشعر وإيمانه أن شعر الشاعر يجب أن لا يتناقض بحسب اختلاف الأحوال النفسية، ولكن ربما كان أهم ما حققه ابن جني في نظر نفسه هو انه استطاع أن يحبب شعر المتنبي إلى أستاذه أبي علي الفارسي لما كان لهذا الأستاذ من مكانة في نفسه، الردود على ابن جني في التفسير وقد أصبح شرح ابن جني أساساً لكثير من الشروح والدراسات التي ظهرت حول المتنبي من بعد ، ولكن أكثر الذين تناولوه من بعد وقفوا عند النقاط الضعيفة فيه رد الوحيد على ابن جني في المنهج النقدي وأما العيب في الجانب النقدي فإن إبرازه أمر سهل لان ابن جني لم يكتف بالشرح بل تجاوزه في كثير من المواضع إلى التقييم تعريف بالوحيد والوحيد هو أبو طالب سعد بن محمد الازدي البغدادي، كان عالماً بالنحو واللغة والعروض بارعاً في الأدب " ويذكر أن له مؤلفاً في شرح ديوان المتنبي، ولا نعرف شيئاً عن هذا الشرح، كلمة في منهجه عامة تجاه المتنبي علينا أن نذكر أن موقفه من الشاعر والشارح كليهما ينطوي على تنقيص، وان الغضب كثيراً ما يخرجه عن طوره وفي الجملة لا يرضى طريقة المتنبي في عدم المجاملة للرؤساء ومن يجالسهم هجومه الشديد على ابن جني فأما ابن جني فإنه في رأي الوحيد قد تصدى لشيء لا يحسنه، بعض الإصابة فيما تعقب به ابن جني عندما امتدح ابن جني خلق المتنبي عارضه الوحيد بقوله: " ليس لذكر الأخلاق ها هنا معنى " وفي هذا الموقف نجد الوحيد يردد ما قال به قدامة بن جعفر من قبل. المبادئ النقدية العامة التي يعتمدها وأما المبادئ النقدية العامة التي يحتكم إليها الوحيد فيمكن أن نجملها فيما يلي: 1 - أن الشعر ليس هو الغلو في المعاني، و إن تصدي الشارح لتفسير شعر محدث هو في حقيقته طعن على صاحب ذلك الشعر " 2 - أخطأ ابن جني في الثناء على المبالغة المفرطة عند المتنبي 3 - إيراد ألفاظ الصوفية وألفاظ الطب والفلسفة والكلام يشين الشعر ويعيبه في رأي نقاد الشعر، 4 - فرض مواد البادية على عالم حضري غير مستساغ، 5 - لا يجوز لشاعر يعرف أقدار الناس أن يمدح الملوك بمدح السوق والسوق بمدح الملوك ويحيل في المعاني ويخطئ في اللغة، 6 - مجمل القول أن الشعر ثلاثة أقسام: مطرب وهو قليل في شعر المتنبي، ومعجب وله فيه كثير، ومضحك؛ و كان الوحيد منساقاً مع المقاييس النقدية " الحضرية " في رفض التعمق في المعنى والألفاظ البدوية والألفاظ التي قد تجيء من مصطلحات العلوم والمذاهب، والتعلق بأصول اللياقة الاجتماعية، واعتبار الشعر موسيقى جميلة، أبو محمد الحسن بن علي بن وكيع التنيسي ( - 393) تعريف موجز بابن وكيع شاعر ولد بمصر ونشأ فيها، وهو صاحب كتاب " المنصف للسارق والمسروق في إظهار سرقات أبي الطيب المتنبي " ويذهب بلاشير إلى أنه ألف ذلك الكتاب انتصاراً لابن حنزابة الذي كان مستاء من المتنبي لترفعه عن مدحه موقف المعجبين بابي الطيب ذو شقين وتنقسم القضية التي أثارها المعجبون حول أبي الطيب في شقين: أولهما أنه افضل من كل من تقدمه؛ والثاني أن معانيه مخترعة؛ ومع ان ابن وكيع لا يسلم بالشق الأول، فانه يرى أن الرد على الثاني أولى: وكأنما كان ابن وكيع يعتقد أن إثبات كثرة المسروق في شعر المتنبي هو رد ضمني على الشق الأول من القضية، أقسام السرقات يوطئ لذلك بمقدمتين: أولاهما تتناول البحث في السرقات الشعرية عامة، والثانية تتناول فنون البديع. وهو يقسم السرقات في عشرة أنواع، ثم يجعل لهذه العشرة أضداداً تساويها، وهذه هي الأنواع العشرة الحسنة: 1 - استفاء اللفظ الطويل في الموجز القليل. 2 - نقل اللفظ الرذل إلى الرصين الجزل. 3 - نقل ما قبح دون معناه إلى ما حسن مبناه ومعناه. 4 - عكس ما يصير بالعكس ثناء بعد أن كان هجاء. 5 - استخراج معنى من معنى احتذي عليه وان فارق ما قصد به إليه. 6 - توليد معان مستحسنات في ألفاظ مختلفات. 7 - مساواة الآخذ من المأخوذ منه في الكلام 8 - مماثلة السارق المسروق منه في كلامه، بزيادة في المعنى ما هو من تمامه. 9 - رجحان السارق على المسروق منه بزيادة لفظه على لفظ من اخذ عنه. فنون البديع ومتابعة قدامة والحاتمي وأما المقدمة الثانية التي تتناول فنون البديع، فهي إقرار صريح بان الناقد الأدبي محتاج إلى أن يعرف هذه الفنون كي يحكم على جمال الاستعارة وصحة المقابلة ويميز الإشارة وغير ذلك؛ وهذه سنة أوجدها قدامة، وسار عليها الحاتمي في الحلية صلته بالحاتمي رغم تجاهله له وموقفه من قضية الكذب في الشعر ولا ندري لم لا يصرح بذكر الحاتمي في كتابه، فإن صورة الحاتمي واضحة في " المنصف " ؛ فقد ضلله الحاتمي بمفهوم " الاستعارة " عند ارسطو حين جعلها تعني " الأخذ ". غير أنه يخالف الحاتمي في قضية " عذب الشعر أكذبه " فلا يتردد إزاءها، وإنما يقف منها بصراحة موقف قدامة، الجهد المضني في البحث عن سرقات المتنبي و فأما غاية " المنصف " الأولى فهي إبراز سرقات المتنبي، ويرسم لنسفه منهجاً في الكشف عن السرقات: 1 - فهو لا يقف عند الأبيات الفارغات والمعاني المكررات 2 - لا يذكر المعاني التي أكثرت الشعراء استعمالها. 3 - سيحكم عند كل سرقة ان كان المتنبي قصر في الأخذ قصور المنهج القائم على تبيان السرقات عن خدمة النقد أن الانهماك في تبيان السرقة قد حجب عن أعين النقاد أموراً هامة؛ كيف يستطيع ابن وكيع أن يرى مثلاً قيمة السخرية وهو يفتش عن المعاني المسروقة قبول أبي تمام والبحتري معاً لرفض المتنبي قبل أبا تمام والبحتري قبول توفيق، وعدهما شاعرين كبيرين ووضع المتنبي إزاءهما ليقول إنه عالة عليهما فيما أحسن فيه، بيان إسفاف المتنبي بسرقة معاني المغمورين ويمعن ابن وكيع خطوة أخرى وراء ما صنعه الحاتمي حين شاء عامداً أن يورد سرقات لأبي الطيب من شعراء مغمورين لا يدانون أبا تمام (والبحتري) أبداً، ليدل على ان هذا الشاعر كان يتخذ حطبه من أية غابة صادفها في طريقه، ويخشى ابن وكيع أن يتهم هنا بالافتئات، فيسند إلى علي بن حمزة البصري رواية تدل على أن المتنبي كان في الدور الأول عالة على معاني الخبزرزي، وانه كان يحاكي قصائده، متابعة الحاتمي في إثبات ضعف المتنبي في اللغة ويقع ابن وكيع في مجال الحاتمي حين يحاول ان يقتفي خطواته في إثبات ضعف المتنبي في اللغة. إيهامه بالموضوعية واختلافه في ذلك عن الحاتمي غير انه يخالف الحاتمي في انه اقل منه اندفاعاً وانفعالاً، يتناول الأمور في هدوء يوهم بالموضوعية ويحاول أن يقصر حديثه على السرقة، تشدده في فهم بعض الشعر ثم هو يتشدد اكثر من الحاتمي في التضييق من حدود الفهم للمعنى، ضيقه بالمغالاة التي تمس الناحية الدينية وهذا الضيق يتملك ابن وكيع أيضاً إزاء الأبيات التي يلمح فيها شيئاً من المغالاة يمس الناحية الدينية وكذلك نقده للمتنبي لأنه عاب الخمر، ونقضه لروح التدين التي اصطنعها قبلا.ومن الطريف أن نجد هذا الناقد المتحرج يهاجم المتنبي دفاعاً عن الخمر، فهو يعبر عن مذهب خاص في نظرته إلى الشراب، ولكن ابن وكيع، وكان مولعاً بالخمر، لا يعجبه هذا الموقف، ما ابعد " المنصف " من الإنصاف ولسنا نقول إن ابن وكيع لم يدفع بالنقد الأدبي إلى الامام، ولكنا نقول إنه كان محكوماً في نقده بمماحكات المعجبين والأنصار، مقيداً بكونه شاعراً ذا مذهب في الشعر والحياة مخالف لمذهب أبي الطيب، مغيظاً بسبب عدم التوازي في الشهرة، ولذلك أقام مقاييسه على نظرة متفاوتة، القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني ( - 392) ظهور الوساطة في المعركة وعلاقتها بما ألف حول المتنبي وقد توحي هذه المؤلفات بان الجو كان صالحاً لظهور كتاب " الوساطة " ليكون بمثابة التوفيق بين الطريفين، والاصطلاح بين الخصمين، كذلك نستطيع ان نرجح بان الجرجاني اطلع على شرح ابن جني لديوان المتنبي، الحاجة ملحة إلى الناقد المعتدل فالجرجاني يحدثنا أنه منذ أن خالط أهل الأدب وجد الناس في المتنبي فريقين، يكاد التوفيق بينهما يعد صيحة في واد أهل الاعتذار الموقف يتطلب فريقاً ثالثاً يسمى " أهل الاعتذار " ، يردون الشاعر إلى القطيع الإنساني ويعودون به إلى الحظيرة. وقد كان ذلك سهلاً على الناقد إذا كان قاضياً عادلاً، وسهلاً على القاضي إذا كان ناقداً ضليعاً. لماذا نجح الجرجاني في التوسط حيث أخفق الآمدي . أما في الآراء والنظرات النقدية فإن الجرجاني لم يأت بشيء جديد، وإنما التقت عنده أكثر الآراء والنظرات السابقة فأحسن استغلالها في التطبيق والعرض. المقايسة هي المنهج المفضل لا الموازنة فالناقد الذي يتحرى الإنصاف قبل أن يفرد عيوب شاعر أو حسناته بالتمييز عليه أن يقيسه على ما كان في تاريخ الشعر والشعراء، موقف الجرجاني من العلاقة بين الدين والشعر وعلى الناقد أن لا يعيبه بسبب العقيدة الدينية " ، وهذا الفصل بين الدين والشعر موجود من عهد بعيد في تاريخ النقد العربي، ولكن الجرجاني قد وضعه بشكل واضح لا يتحمل لبساً. موقف الناقد من الإفراط كذلك ليس للناقد أن يعيب إقبال المحدثين على الإفراط، لا لأن له وحسب رسوماً إذا لم يتجاوزها الشاعر جمع بين القصد والاستيفاء بل لأن المحدثين يقاسون على ما فعله الأقدمون، فقد رويت عنهم أشعار فيها الإفراط والغلو لو تصدى أحد لجمعها لوصفت بالكثرة مزالق المقايسة وأخطارها تنطوي على مزالق وأخطار، منها التعميم: و الإيهام المنطقي: كقياس حال العقيدة وعلاقتها بالشعر، انتهاء المقايسة عند الباب المسدود وقد تنتهي المقايسة كما انتهت الموازنة عند الحاجز الذي يفصل بين الواقع والغيب، أو بين ما يعلل وما لا يعلل، بل لقد انتهت كلتاهما إلى ذلك حقاً، الناقد البصير هو الذي تحدث عنه الآمدي ويحتاج هذا الناقد عند الجرجاني - كما احتاج عند الآمدي - إلى الرواية (الثقافة) والدراية (المران والدربة) والفطنة ولطف الفكر (الموهبة)، أو يحتاج بإيجاز إلى " صحة الطبع وإدمان الرياضة " الجرجاني يحدد عناصر عمود الشعر تناول الجرجاني هذا كله ووضعه في صورة إيجابية فإذا عمود الشعر ذو أركان محددة، وهي: 1 - شرف المعنى وصحته. 2 - جزالة اللفظ واستقامته. 3 - إصابة الوصف. 4 - المقاربة في التشبيه. 5 - الغزارة في البديهة. 6 - كثرة الأمثال السائرة والأبيات الشاردة.غير انك تلمح من طرف خفي أن الشروط الستة التي وضعها تنطبق على المتنبي تماماً، اعتماد الجرجاني على الآمدي في قضية السرقات كذلك اعتمد الجرجاني آراء الآمدي في مشكلة السرقات فهو قد ذهب إلى أن المعاني المشتركة التي شاعت بين الناس لا يعد تداولها سرقاً، وأن التشابه في الألفاظ ليس من الشرقة في شيء، ترتيب الجرجاني لأفكار النقاد السابين واستخدامها اخذ موقف الآمدي من الناقد ومن المنطقة التي يقف فيها النقد عاجزاً عن التعليل (وهي سر وجود الناقد نفسه) ومن عمود الشعر ومن مشكلة السرقات؛ ورأينا كيف استمد من الصولي وغيره موقفه من قضية الفصل بين الدين والشعر. عود إلى مشكلة المطبوع والمتكلف ويعزو الجرجاني تفاوت الشعر إلى اختلاف الطبائع (ويعني بها هنا الأمزجة) وحدة البيئة ويجعلها مسئولية أيضاً عن التفاوت في الشاعر، ويرى الجرجاني أن الجزالة كانت اغلب على القدماء لعاملين هما " العادة والطبيعة " وأضيف إليهما التعمل والصنعة، سبب التفاوت في أبيات القصيدة، وفي القصيدة على أن التفاوت لدى الشاعر الواحد يقتضيه اختلاف الموضوعات، و لابد أن تقسم الألفاظ على رتب المعاني في الشعر والنثر على السواء. تقدير القاضي لازمة الشاعر المحدث دون حمله على القديم قول الجرجاني ان الشعر المحدث أقرب إلى طباع أهل العصر " والشاعر المحدث يتهم بالسرقة ولكن الإنصاف يقتضي أن نعذره في ذلك: " لأن المعاني قد استغرقها المتقدمون. وهو مبغض إلى بعض الناس أحياناً لشدة طلبه المعنى وكذلك يقال في المحدث إنه مفرط ذاهب في الغلو، ولكن الغلو كثير في شعر الأوائل. التعاطف مع المحدث تمهيد لإنصاف المتنبي هذا الذي يبدو وكأنه دفاع عن الشعر المحدث والشعراء المحدثين إنما هو تمهيد لإنصاف أبي الطيب. القاضي الجرجاني ونظرته إلى الاستعارة هو يرى أن الشعراء كانت مقتصدة فيها حتى جاء أبو تمام فخرج إلى التجاوز وقلده أكثر المحدثين؛ 5 - النقد وفكرة الإعجاز لماذا وجد الباحثون في الأعجاز متكأهم لدى الجاحظ والآمدي لان الجاحظ كان قد سبق جميع النقاد إلى اعتبار النظم سر الإعجاز. ولهذا كانت أقرب النظريات النقدية التي يمكن أن تخدم البحث في الإعجاز هي نظرية الآمدي، الآمدي أوصل النقد إلى منطقة " اللا تعليل " ان في الشعر مجالاً يدركه الناقد بالطبيعة التي وهبها دون غيره، وبهذه الطبيعة يحكم على ما لا يستطيع أن يورد فيه علة واضحة، الوقفة المعهودة أمام الرائع في أدب المخلوقين يمكن أن تتكرر أمام المعجز إذا كشفنا عن مواطن الإعجاز فيها بي أن نتحدث عما يحدثه اجتماعها معاً في نفس القارئ أو السامع، فننتقل من مرحلة التعليل إلى مرحلة يتساوى فيها الناس في عجزهم عن التعليل. وعلى هذا المنهج تمرس النقد الأدبي بفكرة الإعجاز. الرماني والإعجاز يعرف البلاغة بأنها " إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ " ثم قسم البلاغة في عشرة أقسام هي: الإيجاز والتشبيه والاستعارة والتلاؤم والفواصل والتجانس والتصريف والتضمين والمبالغة وحسن البيان ، وأفرد لكل نوع فصلاً على حدة.غير أن للرماني آراء يخالف بها المفهومات العامة في سبيل الوصول إلى فكرته، منها: إسقاطه الإطناب من أنواع البلاغة، ولا ينكر الرماني أن بعض العبارات - من غير القرآن - تبلغ حداً بعيداً من البلاغة، ولكن حكم الإعجاز لا يجري عليها غلا حتى ينتظم الكلام بحيث يكون كأقصر سورة او أطول آية، وعند ذلك يظهر حكم الإعجاز.إن محاولة الرماني لم تتعد الاستعانة بالمصطلح البلاغي شيئاً كثيراً إلا في جانب التأثير النفسي ولذلك وقف عند الباب المغلق الخطابي والإعجاز قسم أجناس الكلام في ثلاث مراتب: فمنها البليغ الرصين الجزل ومنها الفصيح القريب السهل، ومنها الحائز المطلق المرسل كذلك فإن الكلام يقوم بثلاثة أشياء: لفظ حامل ومعنى به قائم ورباط لهما ناظم، وقد حاز القرآن في هذه الثلاثة معاً غاية الشرف والفضيلة ولجأ الخطابي كما لجأ الرماني من قبله إلى الأثر النفسي الباقلاني والإعجاز وتعد جهود الرماني والخطابي على هامش النقد الأدبي إذا هي قيست بجهد الباقلاني ( - 403) لأنه الوحيد الذي استطاع أن يفيد إفادة تفصيلية من جهود النقاد السابقين، وأن يطور أثناء بحثه لقضية الإعجاز بعض النواحي النقدية. ليس الإعجاز من جهة البديع الباقلاني لا يرى هذا الفن طريقاً لإثبات الإعجاز لأنه ليس فيه ما يخرق العادة ويخرج عن العرف بل انه شيء يمكن أن يحذقه المرء بالتعلم. ولكن ربما قيل أن أنواع البديع تمثل نوعاً من البراعة، وبهذا المعنى قد توجد في القرآن تقصير الجاحظ في استقلال فكرة النظم، وإيثار موقف ابن قتيبة والآمدي وأما الطريقة النقدية الثانية التي تتحدث عن حسن التأليف فقد رأى الباقلاني أن الجاحظ قصر في استغلالها: ولذلك فغن الباقلاني وجد الوسائل التي تسعفه على إثبات فكرة الإعجاز لدى ابن قتيبة والآمدي الانتقال من التفاوت في الشعر إلى القول بعدم التفاوت في القرآن ورأى أيضاً إن كلام الفصحاء يتفاوت في الفصل والوصل والعلو والنزول والتقريب والتبعيد، الإعجاز في النظم بعد إدراك عدم التفاوت النظم إذن هو الطريق التي اختارها الباقلاني لإثبات الإعجاز، وليس انعدام التفاوت هو المظهر الوحيد الدال على إعجاز ذلك النظم، بل هناك عنصران آخران: أحدهما وثانيهما أن هذا النظم قد ورد على غير المعهود من نظم الكلام جميعه عند العرب، وذلك أن كلام العرب يقع تحت النماذج الآتية: 1 - أعاريض الشعر على اختلاف أنواعه. 2 - أنواع الكلام الموزون غير المقفى. 3 - أصناف الكلام المعدل المسجع. 4 - أصناف الكلام المعدل الموزون غير المسجع. 5 - أنواع الكلام المرسل عرض نماذج من نثر البلغاء وشعر الشعراء لأدراك التفاوت ولتميز نظم القرآن - عرض الباقلاني نماذج من النثر فيها خطب للنبي والصحابة وغيرهم من مشهوري الخطباء دون أن يستثير أحكاماً على تلك الخطب وإنما اقتصر على أن يطلب إلى القارئ أن " يحس " مدى التفاوت بين ما يعد بليغاً من كلام البشر وبين نظم القرآن؛. وهكذا يظل الباقلاني متنقلاً في الكشف عن عيوب امرئ القيس، فبعض كلامه غير بديع وبعضه حشو؛ وفيه تناقض، وركاكة، وتأنث في التعبير خطورة المنهج منهج الباقلاني على فكرة الإعجاز وهذا المنهج غير سليم النتائج لأنه يوحي بالموازنة بين شيئين متباعدين هل كل تفاوت معيب؟ إن بعض التفاوت في طبيعة النظم نفسه مما يقتضيه اختلاف الأحوال النفسية، بين موقف وموقف؛ رجوع إلى منطقة اللاتعليل بقيت لدى الباقلاني خطوة أخرى هي التمييز بين " المعجز " من كلام الخالق، وبين " الرائع " عن طريق اللاتعليل ناقد الآمدي مرة أخرى واللجوء إلى حمى التأثير النفسي لابد لهذا النقد ان يلجا في النهاية إلى التأثير النفسي، مجملاً دون تفصيل أو توجيه، النقد الأدبي في القرن الخامس طريق الشعر في القرن الخامس ، كان يشير ابن وكيع إلى حقيقتين: إحداهما أن التيار الذي يراد للشعر أن يسير فيه هو المضي في طريق السهولة والسطحية والثانية أن الذوق الأدبي في أواخر القرن الرابع كان يعاني أزمة تحول، وان هذه الأزمة ستشتد في القرن الخامس لماذا خلق المتنبي أزمة في الشعر والنقد وظل المتنبي يسيطر على تصور النقاد: إما وحده وإما مقترناً بابي تمام والبحتري، إن القرن الخامس سيشهد انفصالاً أوسع من ذي قبل بين الشعر والجماهير، وأن الذوق العام سيتطلب بعد ذلك غذاءه الأدبي في تيار شعري آخر إن المتنبي سر تلك الأزمة من ناحيتين، اولاهما انه لم يأت بعده من يخلفه في وقفته الأدبية الشاهرة، وأما الناحية الثانية: فهي أن ما حققه المتنبي كان خطير النتائج، يشبه الورطة المنطقية، ولبيان ذلك أقول إنه حقق - في أقل تقدير - ثلاثة أمور: 1 - عودة إلى النزعة البدوية في الروح وإلى البداوة في الأسلوب 2 - تمثيل منتهى ما بلغه عصره من عمق فكري 3 - محو الفارق بين الشعر والخطابة بتساو عجيب. وتحت وطأة هذا الاتجاه غلب الإحساس بالضيق من طغيان الذوق المحدث، وعبر المعري الناقد - من خلال انشغاله باللغة والنحو والعروض - عن بعض ضيقه بالشعر المحدث إحساس الناقد بأزمة في الابتكار والتوليد أحس بعض النقاد بان القرن الخامس يعاني فقراً في الابتكار والتوليد القلق من الربط بين الشعر والتكسب أصبح الربط بين الشعر والتكسب عنصراً من العناصر التي يسوقها من يهجنون الشعر ويفضلون عليه النثر، في حجاجهم ونرى ابن رشيق يتناولها على مستويات مختلفة: فإذا استطاع الشاعر أن يقول الشعر بدوافع ذاتية ولم بقله رغبة أو رهبة أو مدحاً أو هجاء فذلك زائد في أدبه شاهد بفضله؛ ولكنه إذا لم يستطع ذلك وكان ضئيل المنزلة فاحب أن يرتفع فيها فنال بشعره الرتب واتصل بالملوك فليس ذلك بدعاً مستغرباً منه؛ أما المعيب فهو أن يكون الرجل سرياً شريفاً فيصنع الشعر ليتكسب به المال دون غيره عودة إلى التمرس بالقضايا المقدسة القديمة كرر الحديث عن عمود الشعر - مع تطوير جزئي فيه - وعن المفاضلة بين النثر والشعر، وعن السرقات - في مجال القواعد والتطبيق - وعن المطبوع والمصنوع، ومبدأ " الكذب والصدق " الاختلاف حول مشكلة اللفظ والمعنى ومع أن اكثر نقاد القرن الخامس يميلون إلى التوفيق بين اللفظ والمعنى فإنك تجدهم في حيرة شديدة من أمرهم لأنهم لم يهتدوا إلى قاعدة صحيحة تنجيهم من التردد. استقواء التيار الأخلاقي ونجم عن اللامسئولية العابثة في ميدان الشعر استقواء تيار أخلاقي في النقد، اتساع المجال الجغرافي في نقد القرن الخامس قد اتسع، غذ شاركت فيه الأندلس والقيروان بنصيب؛ 1 -استمرار المعركة النقدية حول المتنبي طبيعة الجهد الذي دار حول المتنبي أن المتنبي ظل محور جهود نقدية متباينة في البيئات الثلاث: البيئة المشرقية (ومنها مصر)، والأندلس، والقيروان. ولكن المعركة في القرن الرابع كانت قد استغرقت أكثر الأمور الريسية التي أثيرت حوله أبو منصور الثعالبي ( - 429) أين يقف الثعالبي في النقد؟ لا يعد الثعالبي في النقاد، لأن كتبه التي تتصل بالشعر لا تتصور إلا ذوقاً فردياً خالصاً، من العسير تبين أساس نقدي له، إعجابه بالمتنبي فالثعالبي معجب بالمتنبي ، ولكنه كان قد قرا عنه رسالة الصاحب بن عباد، الجديد في دراسة الثعالبي للمتنبي وتمتاز دراسة الثعالبي بأشياء جديدة لم نجدها فيما ألف عن المتنبي من قبل، منها: (1) معانيه التي حلها الكتاب في رسائلهم، (2) نماذج من المعاني التي سرقها منه الشعراء. (3) المعاني التي كررها في شعره. (4) التوسع في ضروب محاسنه، عيوب المتنبي كما عدها النقاد السابقون أما حديثه عن عيوبه فأكثر اعتماده فيه على رسالة الصاحب ولذا تجده عد من عيوبه: قبح المطالع وإتباع الفقرة الغراء بالكلمة العوراء: عيوب أخرى وهناك عيوب أخرى عدها الثعالبي مثل: الغلط بوضع الكلام في غير موضعه، وامتثال ألفاظ المتصرفة، والخروج عن طريق الشعر إلى الفلسفة . أبو سعد محمد بن احمد العميدي ( - 433) لمحة عن جهود العميدي في الأدب والنقد شهر العميدي بالنحو واللغة وأسماء مؤلفاته كل ذلك يدل على درجة في الكتابة والأدب عامة، فمن كتبه " كتاب تنقيح البلاغة " وكتاب " الإرشاد إلى حل المنظوم والهداية إلى نظم المنثور " ما معنى كتابة الإبانة بعد تأليف " المنصف " ؟ هي تجري مجرى " المنصف " في دواعيها وغايتها، فإما أن مؤلفها لم يطلع على كتاب ابن وكيع، وغما أنه اطلع عليه ووحد لدى نفسه زيادة استقصاء في تبيان سرقات المتنبي أحب إثباتها في رسالة؛ الحاتمي مسئول عن تهمة يتولى العميدي إثباتها الحاتمي مسئول عن ترويج قالة على المتنبي مؤداها أن المتنبي قال له في الرد عليه: " من أبو تمام والبحتري؟ ما اعلم أني سمعت بذكرهما إلا من هذه الحاضرة " لهذا كان لابد أن يتصدى العميدي له فيفضح سرقاته، اضطراب العميدي في الحملة على المتنبي ولم يبين العميدي رأيه في السرقات بمقدمة كالتي جاء بها ابن وكيع ولا احتاج أن يقف عند صنوف البديع، وإنما دخل في الموضوع دون تمهيد (سوى المقدمة العامة) ولم يتتبع قصائد المتنبي حسب ترتيبها كذلك، بل كان يورد معنى لشاعر من الشعراء ثم يتبعه بمعنى سرقه المتنبي، بل يظل معها ساقطاً على منازل أكثرهم، فإن العميدي قد أوقع نفسه في ورطة أكيدة، لأنه حين قبل أنصار المتنبي أن يسلموا بأخذه للمعاني إلا أنه يزيد فيها ما " يحلو سماعه وتعذب أنواعه ويلطف موقعه ويخف على القلوب موضعه؟ " أنكر عليهم ذلك، منهجه في الغمز العنيف لهذا كان العميدي أشد سخطاً، واظهر نقمة من ابن وكيع، لاذع التعليقات عيوب المتنبي ويستعمل العميدي بعض المصطلح لبيان أنواع من السرقة، فبعضها يسميه " نسجاً " وبعضها " سلخاً " ويتهم المتنبي - كما اتهمه الحاتمي وابن وكيع بالضعف في اللغة ويتهمه بالغموض في بعض المعاني، أبو العلاء المعري ( - 449) تعريفه للشعر عرف الشعر بأنه " كلام موزون تقبله الغريزة على شرائط، عن زاد أو نقص أبانه الحس قرآن إبليس وقد نفى أبو العلاء معرفة الملائكة للشعر وجعله " قرآن إبليس " حطه على الرجز وكلما تعرض للرجز أزرى منه لأن الرجز " من سفساف القريض حملته على التكسب بالشعر ثم عاد إلى الإزراء على من يجعلون الشعر وسيلة للتكسب، إحصاؤه لأوزان أبي الطيب وقد قام المعري بدراسة إحصائية لأوزان الديوان وقوافيه فوجد أن البحور عنده أحد عشر بحراً، تعقب المتنبي في بعض عيوبه وأحياناً يتعقبه المعري في الغلو، وينكر عليه رداءة الزحاف انعكاسه صورة المعري الفيلسوف على شعر المتنبي وأوضح ما في اللامع العزيزي أن الشارح يحمل أبيات أبي الطيب طرفاً من آرائه ونظراته في الكون والناس؛ ولكن المعري أشد شيء إعجاباً بما يتصل بالفكر الفلسفي العميق، ابن فورجة محمد بن حمد البروجردي ( - حوالي 455) أسباب الغموض في الشعر وهو يرى أن الشعر قد يصيبه الغموض من ثلاثة أوجه: (1) فهناك الشعر الذي يصدك جهل غريبه عن تصور غرضه (2) والشعر الذي يعميه إغرابه لمجاز فيه تدقيقه في نسخ الديوان وأثره في نقده وقد إعانته إحاطته الدقيقة بالديوان على توضيح أمور لم يتنبه لها غيره، نموذج من رده على الصاحب ابن عباد ولا ريب في أن هذا الحرص نفسه هو الذي جعله يتعقب الصاحب بن عباد بشده 2 – نظرية عمود الشعر في صورتها المكتملة المشكلات النقدية الكبرى لقد رأى المرزوقي أن المشكلات لا تتعدى ثلاثاً كبرى، تتفرع عن كل منها فروع: الأولى: مشكلة اللفظ والمعنى وأنصار كل منهما، والثانية: مشكلة الاختيار، والثالثة: مشكلة العلاقة بين النظم والنثر. المشكلة الثالثة، العلاقة بين النظم والنثر وأضعف المشكلات الثلاث في مقدمته هي المشكلة الثالثة؛ لأنها محاولة لتفسير ظاهرة عملية تتفرع في ثلاثة فروع: (أ) المفاضلة بين الشعر والنثر (ب) السبب في قلة البلغاء وكثرة المفلقين (ج) السبب في قلة البلغاء وكثرة الشعراء؛ وقد عاد المرزوقي الى المفاضلة بين الشعر والنثر، فذهب إلى ان النثر افضل، ثم إن ما يطالب به الكاتب أشد صعوبة مما يطالب به الشاعر: فالكاتب مطالب بمراعاة حال من يكتب عنه ومنزلته الاجتماعية وأحوال الزمان أما الشاعر فغير مكلف بشيء من ذلك المشكلة الثانية في التفاوت بين اختيار أبي تمام وشعره " لماذا كان اختيار أبي تمام من نسيج مختلف عن شعره؟ " وجواب المرزوقي على هذه المشكلة قد يترجم في لغتنا الحديثة إلى ان الاختلاف بين مختارات أبي تمام وبين شعره ناجم عن التباين بين أبي تمام الناقد وأبي تمام الشاعر رد على ابن فارس في قوله: الاختيار موقوف على الشهوات ولكن ابن فارس كان قد قال من قبل: أن اختيار الشعر موقوف على الشهوات فيتصدى المرزوقي للرد دون أن يسميه، وذلك بلجوئه إلى القول بوجود مقاييس نقدية عامة يشترك فيها زيد وعمرو وأن من أتقن تلك المقاييس وتدرب على استعمالها أنصار الشكل ثلاث فئات وهو يرى إن أنصار النظم على ثلاث درجات متتالية: 1 - فريق يرى أن تحسين نظم الألفاظ وجعلها سليمة من اللحن والخطأ 2 - فريق يتجاوز الحد الأول ويرى أن يضيف إلى ما سبق شيئاً آخر من التحسين 3 - فريق يتجاوز الحد الثاني ويرى ان كل ذلك يجب أن يضاف إليه أنواع البديع من ترصيع وتجنيس واستعارة أنصار المعنى أما أصحاب المعاني فهم الذين يفضلون أن ينقلوا آثار عقولهم أكثر من اهتمامهم بالشكل، ليستفيد المتأمل، عمود الشعر وقد عاد إلى العناصر التي عدها الآمدي ووضحها الجرجاني من قبل وهي: (1) شرف المعنى وصحته. (2) جزالة اللفظ واستقامته. (3) الإصابة في الوصف. (4) المقاربة في التشبيه. وزاد عليها: (5) التحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن. (6) مناسبة المستعار منه للمستعار له. (7) مشاكلة اللفظ وشدة اقتضائهما للقافية حتى لا منافرة بينهما. اما العيارات التي استعملها المرزوقي: 1 - العقل الصحيح والفهم الثابت. 2 - الطبع. 3 - الرواية. 4 - الاستعمال. 5 - الذكاء وحسن التمييز. 6 - الفطنة وحسن التقدير. 7 - الذهن والفطنة. 8 - طول الدربة ودوام المدارسة وعلى هذا الأساس نستطيع أن نقول إن نظرية " عمود الشعر " رحبة الأكناف واسعة الجنبات، وأنه لا يخرج من نطاقها شاعر عربي أبداً، و المرزوقي جعلها ذات وسط وطرفين، فإما أن يعمد الشاعر إلى تحقيق هذه العناصر عن طريق الصدق، وإما أن يذهب مذهب الغلو، وإما أن يكون مقتصداً بين بين، فهم جديد للمطبوع والمصنوع فالمطبوع: هو ما كان وليد جيشان في النفس وحركة في القريحة، فإذا نقل ذلك بصورة تعبير خلي الطبع المهذب بالرواية المدرب بالدراسة والمصنوع: هو ما كان وليد جيشان في النفس وحركة في القريحة، فإذا شاء الشاعر نقل ذلك بصورة تعبير نحي الطبع المهذب بالرواية والدربة - 3 - النقد العربي في كتاب الشعر في القرن الخامس لا نجد لكتاب الشعر - أو للأثر اليوناني عامة - أي صدى بين نقاد القرن الخامس دراسة كتاب الشعر جزء من دراسة المنطق ولذلك اقتصرت الصلة بكتاب الشعر على إعادة وضعه في موضعه بين كتب المعلم الأول وفاء باستكمال المنهج الفلسفي؛ الميزة العامة لغرض ابن سينا ويمثل كتاب الشعر كما أورده ابن سينا أوضح صورة فهو يرتفع عن غموض ترجمة ابي بشر متى بن يونس وركاكتها ورداءتها، وهو أوسع نطاقاً من اللمحات الخاطفة التي جاء بها الفارابي، وهو أسلم من محاولة ابن رشد من بعد، تعريفه للشعر يعرف الشعر " كلام مخيل مؤلف من أقوال موزونة متساوية، وعند العرب مقفاة " صورة كتاب الشعر في نفسه ولم يدع انه يفهم كل شيء فيه وإنما حدد غايته بالتعبير عن القدر الذي فهمه من المعلم الأول إدراكه الفرق بين الشعر اليوناني والعربي وهو يعي طبيعة كل منهما دون غموض، فالشعر العربي يحاكي الذوات، لا الأفعال, وأما اليونانيون فكانوا يقصدون أن يحثوا بالقول على فعل أو يردعوا بالقول عن فعل، وتارة كانوا يفعلون ذلك على سبيل الخطابة وتارة على سبيل الشعر مصطلح ابن سينا في كتاب الشعر ويختلف مصطلح ابن سينا عن المصطلح الذي نؤثره اليوم، فيضع " الاشتمال " مكان ما قد نسميه " الانقلاب أو التحول " و " الاستدلال " مكان ما قد يسمى " الانكشاف أو التعرف " ولكنه دقيق في استعمال مصطلحي " الحل والربط " وفي كثير من المصطلحات الأخرى. تضليل المصطلح عند التطبيق والمقارنة لكننا حين نقرأ مثل هذا ندرك أن ابن سينا قد وقع في متاهة مضلة، لأنه ليست لديه أدنى فكرة عما يسمى (بطل الطراغوذيا) لظنه ان كل ما يتحدث به ارسطو هنا ينصرف إلى الشاعر نفسه، خاتمة الكتاب ووعد لم يتحقق و الخاتمة تؤكد أن ابن سينا كان يحس أن هناك بقية لكتاب الشعر لم تصل؛ فأما ما لخصه منه فإنه يشمل كل ما لدينا اليوم من هذا الكتاب؛ - 4 - النقد وفكرة الإعجاز الانطلاق من فكرة الإعجاز إلى إقرار قواعد النقد والبلاغة كان النقد والبلاغة لدى المحدثين عن الإعجاز في القرن الرابع مركبتين اتخذوهما للوصول إلى " منطقة " الإعجاز، الإعجاز في النظم قرر عبد القاهر في نفسه منذ البداية ان القرآن معجز، وحاول أن يستكشف فيه مواطن الإعجاز، ووصل الى ان (الإعجاز) في النظم والتأليف . تحديد معنى النظم بالتزام الأوضاع النحوية يقرر الجرجاني أولاً أنه ليس للفظة في ذاتها، ولهذاكانت " المعاني " لا الألفاظ هي المقصودة في إحداث النظم والتاليف، ويخلص عبد القاهر من هذا إلى وضع نظريته التي لا يسأم من تردادها في تحديد المراد من النظم فيقول: " وعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو وتعمل على قوانينه وأصوله وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها " حملته على المنحازين إلى اللفظ وقد أزعجه أولاً أن يرى ذلك التقدير للألفاظ وتقديمها على المعاني عند من سبقه من النقاد، ومن جهة ثانية نجد عبد القاهر قد خطأ المنحازين إلى جانب المعنى بشدة لا تقل عن شدته في تخطئته من ذهبوا إلى إبراز مميزات اللفظة المفردة فقال: تفسير لفكرة المعاني المطروحة وهو في رأي الجرجاني إنما يتحدث به عن " الأدوات الأولية " ، وتفسيراً لذلك يقارن الجاحظ بين الكلام ومادة الصائغ، فهو يصنع من الذهب أو الفضة خاتماً، الوحدة في مقياس عبد القاهر لذلك كانت نظرية النظم (أو التأليف) عند عبد القاهر إنكاراً لتلك الثنائية المضللة وعودة إلى الوحدة، أي ان يعنى الناقد برؤية الصورة مجتمعة من الطرفين معاً دون فصل بينهما؛ الانتقال من المعنى إلى معنى المعنى وقد أسعفته نظرية الجاحظ في " المعاني المطروحة " على ذلك؛ فقد خيل إليه أن الناس حين أساءوا فهم نظرية الجاحظ، لم يلحظوا تفاوت الدلالات الناجم عن طريق الصياغة، الجرجاني " عقلاني " في نظريته إلى الجمال وتتغلب النظرة " العقلانية " على الجرجاني الناقد، فهو من خلالها ينظر إلى الجمال ويزن مقدار التأثير في الفن الأدبي، الاهتمام بغرابة التشبيه هنا تصبح " غرابة " التشبيه مقياساً فنياً لجماله الغرابة ليست خاصة أزلية أن الجرجاني يؤمن بتجدد الصور وبان الغرابة ليست خاصة أزلية، وإنما هي لون يبوخ مع الزمن ويعتوره الابتذال، علاقة الشعر بالصدق والكذب ونفى ان يكون كل من الصدق والكذب عند الحديث عن الشعر متعلقين بالصدق أو الكذب في الخبر أو واردين بالمعنى الأخلاقي، أثر الشعر وأثر الدين في النفوس و ينقل الشعر إلى حيز الدين والرموز الدينية، فيماثل بين أثره في النفوس وأثر الأصنام في عبادها موقفه من السرقات الشعرية نجده يحدد مواطن الاتفاق فيحصرها في ثلاثة: (1) اتفاق الشاعرين في عموم الغرض، (2) اتفاق الشاعرين في تشبيهات معروفة (3) اتفاق الشاعرين في ما لا يدرك إلا بالروية والاستنباط والتامل، استنكاره للعبث في الأمور الدينية إن عبد القاهر قد خالف كثيراً من النقاد السابقين الذين رأوا أن لا يحكم على الشعر والشاعر من الزاوية الدينية، فإنه كان أصرح منهم موقفاً لأن أولئك النقاد وضعوا نظرية دفاعية خالفوها عند التطبيق، أما هو فإنه قد تحرج من إطلاق العنان لنفسه في خوض هذا الموضوع. - 5 - النقد الأدبي في القيروان في القرن الخامس في زمن باديس الصنهاجي وابنه المعز بلغت القيروان ذروة النهضة في الحياتين العلمية والأدبية، انتقال الطرائق الشعرية والنقدية من المشرق وكانت هذه النهضة الثقافية ذات أثر في نمو حركة النقد الأدبي، وزاد الأمر حدة أن القوم كانت قد وصلتهم من خلال الثقافة المشرقية مذاهب شعرية متعددة، عبد الكريم النهشلي صاحب الممتع ويمكن أن يعد عبد الكريم النهشلي أستاذاً لابن رشيق ، فكتاب العمدة ينطق بما يكنه له ابن رشيق من تقدير وإجلال؛ أيهما المقدم؟ اللفظ أم المعنى؟ وكان عبد الكريم في طريقته الشعرية ممن يقدمون اللفظ على المعنى موقفه من السرقات وقد كرر في موقفه من السرق آراء النقاد السابقين فذهب إلى أن المتفق عليه هو أن السرق ما نقل معناه دون لفظه وكان مبعداً في الأخذ. الفرق بين الغزل عند العرب والعجم و رأيه في أن عادة العرب في الغزل أن يكون الشاعر متماوتاً مفتوناً، وعادة العجم أن تكون المرأة طالبة راغبة، مؤلفات ابن رشيق في النقد ويمكن أن نعد عمل ابن رشيق في كتبه الثلاثة متكاملاً فقد حاول في دراسته لشعراء القيروان في كتاب " الأنموذج " ان يطبق بعض القواعد النقدية التي حشدها في كتاب " العمدة " ، حتى إذا تعرض هو نفسه لتهمة السرقة عمل رسالة " قراضة الذهب " ليدل على اطلاعه ومقدرته في هذه الناحية. كتاب العمدة هو كتاب جامع من حيث انه معرض للآراء النقدية التي ظهرت في المشرق حتى عصر ابن رشيق، صهر ابن رشيق لآراء الآخرين يخفي أخذه لها ودارس العمدة معذور إذا هو لم يستطع رد كل رأي إلى صاحبه لأن ابن رشيق ساق الكلام متصلاً أحياناً، بحيث يخفى على القارئ أن خيوط النسج مأخوذة من مواضع مختلفة؛ ولعل ابن رشيق أبرز مثل على الناقد الذي يملك الإعجاب عن طريق شخصيته لا عن طريق الجدة في الرأي، الانتصار للشعر على النثر ويطالعنا ابن رشيق بأنه من أنصار الشعر، ولذلك نجده بيداً المفاضلة بين الشعر والنثر، الكذب في الشعر قال: اجتمع الناس على قبح الكذب ولكنهم وجدوا الكذب في الشعر حسناً، حد الشعر والشاعر " والبيت من الشعر كالبيت من الأبنية،قراره الطبع. وسمكه الرواية، ودعائمه العلم، وبابه الدربة، وساكنه المعنى، ولا خير في بيت غير مسكون " وقال في الشاعر: " وإنما سمي الشاعر شاعراً لأنه يشعر بما لا يشعر به غيره فإذا ثنائية اللفظ والمعنى فإذا تناول ثنائية اللفظ والمعنى أورد بارة ابن طباطبا " اللفظ جسم وروحه المعنى المطبوع والمصنوع وعندما تحدث عن ثنائية المطبوع والمصنوع لم يعرفهما و اكتفى بالحديث عن بعض المطبوعين والصناع الاستعداد النفسي ضروري لقول الشعر قال: " ومما يجمع الفكرة من طريق الفلسفة استلقاء الرجل على ظهره؛ وعلى كل حال فليس يفتح مقفل بحارالخواطر مثل مباكرة العمل بالأسحار عند الهبوب من النوم، لكون النفس مجتمعة لم يتفرق حسها في أسباب اللهو أو المعيشة أو غير ذلك مما يعييها مميزات ابن رشيق ولكن ابن رشيق يظل متميزاً وسر هذا التمييز كامن في: (1) طرافة التجربة: فهو يقترب من قلب القارئ بان يقص عليه تجاربه في الصنعة الشعرية، (2) الجرأة: وهذه تتمثل في مخالفته للآراء المألوفة المروية عن كبار النقاد. (3) طرافة الرأي: كحديثه عن الصلة بين الفقر والشعر: " (4) تأثره بالإقليمية رغم ثورته عليها: قد رأينا في تكرهه لصورة أوردها أمرؤ القيس كيف أن ذوقه كان حضرياً. (5) اتساع نطاق الفهم النفسي لوظيفة الشعر: و يشير إلى أن هذا الأثر لابد من أن يبلغ بالنفس منزلة الارتياح والسكنة بإيراد الخاتمة الصالحة: (6) إيمانه بقيمة التجربة الحسية: وهذا جعله يرى أن التشبيه اصعب شيء في الشعر؛ " إيمانه بسياسة القول وهو يؤمن بمبدأ " سياسة القول " فبينا يريد للشاعر عدم الازدواج تجده يفرق غير مرضية منه بين شعر الذات وشعر المناسبات: فهو يرى أن شعر الذات قد يقبل فيه عفو الكلام، أما شعر المناسبات فلابد أن يكون منقحاً محككاً لأنه يواجه به أصحاب المناصب، رسالة قراضة الذهب والقول في السرقات اعتمد ابن رشيق على حيلة المحاضرة للحاتمي في تبيان أنواع السرقة، وشرحها كما شرحها الحاتمي إعلاء شأن امرئ القيس لابتكاره المعاني فأما في القسم الثاني منا فإن ابن رشيق ابتع طريقة جديدة أفادت استخراج المعاني المبتكرة عن امرئ القيس فكان هذا القسم دراسة لشعر امرئ القيس وإظهار فضله في الابتكار إلى جانب الكشف عن تداول المعاني، المعاني المخترعة عند شعراء آخرين انتقل إلى ضروب من المعاني المخترعة عند غيره من الشعراء، والمعاني التي أخذت حقها من اللفظ فلم يبق فيها فضلة تلتمس شاهد على التوارد في تجربته الذاتية يرى إن بعض ما يقع اتفاقاً لا يعد سرقة، فهو قد نظم قصيدة في رثاء السيدة الجليلة، فذكر حلق الشعور ولبس المسوح ورثى آخر فذكر الكسوف، وهذا لا يعد سرقاً. التلفيق الذي يشبه الاختراع " التلفيق " ، وهو أن يأخذ الشاعر المعاني المتقاربة ويستخرج منها معنى مؤكداً يكون له كالاختراع، ابن شرف القيرواني أبو عبد الله محمد ابن شرف ، الذي كانت بينه وبين ابن رشيق ملاحاة ومنافسة ومهاجاة، مؤلفاته ذات الصلة بالنقد ولابن شرف رسالة نقدية نشرت باسم " أعلام الكلام " قصور المقامة عن النقد يمكن ان نعد رسالة أبن شرف أول قالب نقدي في صورة مقامة طويلة. بطلها أسمه أبو الريان الصلت بن السكن بن سلامان؛ وقد كانت هذه النقلة إلى هذا القالب غير موفقة لأن المقامة في أساس مبناها تعتمد السجع، ولأنها - مهما تطل - سيقتصر النقد فيها على اللمح السريع، نقده لأبي نواس وجاءت رسالته في قسمين واضحين: أولهما المقامة نفسها التي تحدث فيها عن الشعراء، والثاني: بيان سقطات عدد من الشعراء وبعض العيوب في الشعر، وقد أطال الوقوف في هذا القسم عند أبي نواس نسبياً لان أبا نواس ظهر وقد انحلت أسباب العربية وملت الفصاحة، فنزل بالشعر إلى مستوى الإفهام في عصره فرغب الناس في شعره توجيهات عامة في النقد فمن توجيهاته العامة أن الناقد بحاجة إلى التأني الشديد قبل إصدار الحكم، سقوط امرئ القيس وليس الحديث في هذه التوجيهات إلا مقدمة للكشف عن سقطات شاعر يعد رأس القدماء، يقدمه النقاد لقدمه ولحسناته حتى يخيل للمرء أنه لم يجئ في الشعر بسيئة؛ اعتماده في عيب امرئ القيس على موقف أخلاقي ويذكرنا نقد ابن شرف لشعر امرئ القيس بموقف الباقلاني منه، فهو يعتمد على النظرة الأخلاقية قبل كل شيء؛ إخفاق امرئ القيس مع المرأة جعله يبالغ في التعبير عن الاستهتار أن ابن شرف قد استغل بعض المفهومات النفسية لتفسير ظواهر شعرية على نحو طريف. فقد اعتمد على الأخبار التي تقول إن ارمأ القيس كان مفركاً لدى النساء، وإذن فإنه كان محروماً من وصلهن وتعشقهن؛ وفي سبيل إشباع هذا الحرمان لجا إلى اختلاف القصص، مرقش يمثل النقيض وإمعاناً منه في إثبات نظريته استشهد بالأضداد، فذكر ان مرقشاً كان من اجمل الرجال وكانت للنساء فيه رغبة، ولم يكن محروماً من وصالهن، ولهذا تجده مستغنياً عن التظاهر بالإفصاح عما كان يجري له معهن. حطه من شاعرية زهير رد على النقاد الأقدمين فإذا تحدث عن عيوب زهير عمد إلى كثير مما عده النقاد السابقون نموذجاً في شعره وكشف عما فيه من نقائص، متحدياً بذلك عدداً كبيراً من النقاد،. فهو ينتقده لأنه عبر عن إصابة المنية للناس بقوله " خبط عشواء " ويقول: لسنا نطالبه هنا بحكم ديني، بل نطالبه بحكم العقل، إذ لو كان ضرب المنية خبط عشواء لمات بعض الناس ونجا بعض، عيوب في شعر المتنبي وقد خصصت خاتمة الرسالة للحديث عن بعض عيوب المتنبي، وهي شبيهة بما أثاره غيره من قبل مع تدقيقات خاصة ينفرد بها. تقييم لنقد ابن شرف ويمكن أن يقال إن ابن شرف في نقده دوم قليلاً ثم وقع. فقد مد أجنحة من النقد النفسي لم تستطع حمله إلا إلى آفاق قريبة، ثم عاد من جديد يلحق بالقافلة النقدية ماشياً؛ كان زاده من النظر الدقيق مضيعاً في مماحكات لا علاقة لها بالشعر، ولكنه كان يعي انه يحاول ان يشذ حتى عن ما اجمع عليه النقاد، وانه يريد أن يضع تفسيرات جديدة، ولكن الوعي وحده لا يكفي إذ قد يكون قوة لتسويغ المخالفة الخاطئة. - 6 - النقد الأدبي في الأندلس في القرن الخامس ابتداء الشعر الأندلسي بمحاكاة المحدث أولا وقد تربى الذوق الأندلسي مدة طويلة على الشعر المحدث، وعلى الشعر الأندلسي نفسه الذي كان يترسم خطى الشعر المحدث المشرقي؛ ولكنا لا نسمع أن المعركة النقدية حول أبي تمام والبحتري انتقلت إلى الأندلسيين، بدايات نقدية ساذجة ولم يستطع النقد الأدبي في الأندلس قبل القرن الخامس ان يرتفع إلى مستوى المشكلات الكبرى التي دارت في النقد المشرقي من حديث عن الطبع والصنعة، واللفظ والمعنى، والنظم، والصدق والكذب، وما أشبه، بل ظل بسيطاً في مجالي المستوى والتطبيق، ابن عبد ربه ينقل في العقد حصيلة آراء المشارقة في عصر الرواة و نجد وقفات نقدية عند ابن ربه في العقد، ولكنها جميعاً مقتبسة مما عرفه عند المشارقة من حديث عن عيوب الشعر وعدم تفضيل القدماء على المحدثين وتوفر الملكة والدربة، أسباب ساعدت على استقواء النقد ولكن كان لابد للطاقات النقدية أن تقوى في الاندلس، على مر الزمن، لأسباب عديدة منها: (1) الحركة الثقافية التي أوجدها الحكم المستنصر (2) إنشاء ديوان للشعراء لا يقيد فيه اسم الشاعر لينال عطاء إلا بعد أن يثبت تفوقه، (3) الانهيار الذي أصاب قرطبة (أم الأندلس) بسبب الفتنة البربرية (4) انفتاح العقول المثقفة على شيء من المنطق والفلسفة بعد توفر قسط من الحرية النسبية في هذا المجال، (5) الأثر المشرقي الوضع الأندلسي والشعر الأندلسي يوجهان النقد الأدبي أما طبيعة الوضع الأندلسي فكانت تتمثل في احتذاء المشرق، فلما تنبهت الأندلس إلى شخصيتها في المجال العلمي والأدبي، كان النقد الأدبي دفاعاً عن هذه الشخصية ضد الظلم أو التجاهل أو الاتهام بان الأندلس ليس فيها أدباء وشعراء؛ ابن شهيد وابن حزم طليعة الحركة النقدية ولعل اعظم اثنين تمرسا بالنقد في القرن الخامس، وربما ظلاً اعظم من نلقاهما في تاريخ النقد هنالك، هما ابن شهيد وابن حزم، ابن شهيد وصلته بالنقد وابن شهيد أقرب إلى عالم النقد من صاحبه لان إعجابه الذاتي بنفسه وضعه موضع التفرد إزاء الآخرين، فاحب أن يثبت تفوقه، مؤلفاته التي يمكن أن تتوفر فيها أحكام نقدية ومن مؤلفاته ذات الطابع النقدي: كتاب حانوت عطار، ورسالة التوابع والزوابع، ورسائل متفرقة تحدث فيها عن البيان. المعارضة غير معيبة بل هي أساس التفوق ولأول مرة نرى ناقداً يقر مبدأ المعارضة معياراً للتفوق، ويخلص أبو عامر إلى أن البيان قد يعلم ولكن ليس الذي يقوم بتعليمه طبقة معلمي اللغة، لأنهم في رأي أبي عامر " يرجعون إلى فطن حمئة وأذهان صدئة، طبقات أصحاب صنعة البيان وينقسم أصحاب صنعة الكلام في رأيه إلى ثلاثة أقسام: (1) قسم يخترع المعاني ويعرف جيد الألفاظ ولكن توفيقه بينهما يعتمد على كد القريحة (2) قسم ماهر في التلفيق والحيلة، (3) قسم هم أصحاب الحدة البيانية الذين يبنون الكلام على الاندفاع والانصباب مع التوفيق التام بين الفكرة الصعبة ومائية الشكل، والواحد تمجيد ابن شهيد للبديهة وكان ابن شهيد يرى البديهة محكاً للجودة، الناقد الحق هو الذي يدرك سر التناسب ان مهمة الناقد الأدبي هي الكشف عن هذا التلاؤم وتمييزه من سائر مراتب الصناعة الناقد الحق لا ينخدع بالتمويه العاطفي ولعل أهم خداع تنبه له ابن شهيد هو الخداع العاطفي أثر تغير الزمن في الشعر والأذواق وقد أقر ابن شهيد بتغير العادة حسب تغير الأزمنة وبان ما يصلح في عصره ربما لم يبق صالحاً في عصر آخر، كذلك هي الحال في الصناعتين النثر والشعر: " موجز فيما حققه ابن شهيد في النقد وقد يتجاوز إعجاب ابن شهيد بذاته وبشعره وبنثره كل حد، ومع ذلك فإن هذا الطريق المضلل قد بلغ به إلى نتائج قيمة، فكان ثانياً لابن طباطبا في وضع مفهوم للجمال الفني، وكان متفرداً في تفسير الطبع على أساس روحاني، وفي اعتبار الطاقة الشعرية واحدة في حالي البديهة والروية، وكان تلميذاً للمشارقة في نظرية الأخذ، وفي تحديد واجب النقاد، وربما كان متأثراً بالجرحاني في النص على تقلب العادات حسب تقلب العصور. أما في إصابة الحكم على من درسهم من الشعراء ابن حزم والمعوقات دون النقد وأما ابن حزم فقد كانت مداخله إلى النقد الأدبي سعة اطلاعه وحفظه لتراث الأندلس الشعري وذكاؤه الذاتي وذوقه المرهف ودراسته للفلسفة والمنطق وشعوره بالأندلس وحبه لها ودفاعه دونها، وعدالته إذا شاء الإنصاف وتخلى عن الموقف الدفاعي، الخطابة والشعر تتمة للمنهج القديم كان المدخل دراسته المنطقية، ولكن يبدو انه لم يتح له الاطلاع على كتابي أرسطو في هذين العلمين، ولذلك اكتفى بالاتكاء فيهما على نفسه تعريف البلاغة وتعريف ابن حزم للبلاغة: " البلاغة ما فهمه العامي كفهم الخاصي، وكان بلفظ يتنبه له العامي لأنه لا عهد له بمثل نظمه ومعناه. واستوعب المراد كله، ولم يزد فيه ما ليس منه، ولا حذف ما يحتاج من ذلك المطلوب شيئاً، وقرب على المخاطب به فهمه، لوضوحه وتقريبه ما بعد، وكثر من المعاني وسهل عليه حفظه لقصره وسهولة ألفاظه ". ويضع للبلاغة أربع مراتب: (1) بلاغة تتكون من الألفاظ المألوفة عند العامة، (2) بلاغة تتكون من الألفاظ غير المألوفة عند العامة (3)بلاغة تتركب من المرتبة الأولى والثانية (4) بلاغة عادية أقسام الشعر ابن حزم جعل الشعر ثلاثة، فزاد على الاثنين السابقين: شعر البراعة. فالصناعة هي الجمع بين الاستعارة والتحليق على المعاني. والطبع ما أشبه المنثور في تأليفه وسهولته ولم يقع فيه تكلف والبراعة هي التصرف في المعاني الدقيقة البعيدة والإكثار مما لا عهد للناس بالقول فيه أحسن الشعر أكذبه وابن حزم يأخذ برأي من يقولك أحسن الشعر أكذبه، ولذلك فهو مبني على الإغراق. المواعظ والحكم والنبويات خارجة عن حد الشعر فابن حزم يعتقد ان المواعظ والحكم والمدائح النبوية خارجة عن حد الشعر لأنها تقوم على الصدق، بينا الشعر يقوم على الكذب. استبعاد الشعر في المنهج التربوي ولهذا فإنه حين اتخذ مدخله إلى الشعر تربية الشبان تربية خلقية، نهى عن كل نوع من الشعر، ولم يبق إلا المواعظ والحكم ابن حزم وفكرة الإعجاز وكتب رسالة في إعجاز القرآن، ثم ضمها إلى كتابه " الفصل في الملل والنحل "إلا أن اعتقاد بالنظام الصرفة) لم يجعل لهذه الرسالة قيمة من الزاوية النقدية. النقد الأدبي في القرنين السادس والسابع النقد في الأندلس في القرنين السادس والسابع فترة الخوف من الضياع في فترات الخوف من الضياع يكثر التسجيل والتقييد ويقل النقد أو يضعف صوته، وتخمد المعارك الأدبية لالتهاء الناس بمعارك تحدد البقاء أو الفناء. أثر الخوف من الضياع في كل من الشعر والنقد ونجم عن الخوف من الضياع ظواهر أخرى في طبيعة الشعر نفسه: منها الميل إلى الإطالة في مبنى القصيدة والإكثار من الشعر؛ كساد الشعر في الجملة الانصراف الجماهيري نحو الأشعار العامية وزيادة آمة الشعر الفصيح فإذا كان هذا حال الشعر بسبب الخوف من الضياع وضعف الصلة بين الشاعر والممدوحين، فإن مما يزيد حاله وهناً اكتفاء الجماهير في المشرق والمغرب بشعرها العامي - اعني بألوان الزجل التي وجدت فيها غذاءها الطبيعي، الاهتمام بالمصطلح البلاغي الشكلي واعتباره نقداً وأصبحت جهود أصحابها مقصورة على التفنن في التقسيم والتفريع؛ وتجولت كلمة " نقد " عن معناها الأصلي، ابن خفاجة ومثله الشعرية العليا وابن خفاجة ( - 533) شاعر الطبيعة أول من يطالعنا من نقاد الأندلس في القرن السادس؛ وهو يمثل الشاعر الذي وجد طريقته أول الأمر في مثل شعر الرضي ومهيار وعبد المحسن الصوري الشعر مركب ذو طول ولابد أن يعتوره لذلك القوة والضعف فهو يعتقد ان الشعر لا يمكن ان يجيء كله مستوي الجودة وغنما ينقسم إلى طرفين ووسط، وفي الطرف الثاني تكل الأذهان وتقل المادة من لفظ وقافية لماذا لجأ ابن خفاجة إلى مصطلح " التخييل " وإنما لجأ إليها الشاعر ليرد على الاتجاه الأخلاقي الذي كان يؤاخذ الشاعر بقوله في شعره " إني فعلت " و " إني صنعت " ، إصراراً على ان الشعر بذلك يصور واقع الحياة. ابن بسام الشنتريني والعودة إلى ابن حزم ولعل ابن بسام الشنتريني ( - 542) صاحب " الذخيرة " هو أكثر النقاد بالأندلس - في القرن السادس - احتفالاً بقواعد النقد وتطبيقها. وهذا ما نلمحه في الأساس النقدي الذي يقوم عليه كتاب الذخيرة، الموقف الدفاعي ولقد كانت الغاية الأولى من تأليف " الذخيرة " هي جذب الأندلسيين إلى تخليد تراثهم والاعتزاز به، الوقفة إلى جانب الأخلاق أما وقفته إلى جانب الدعوة الأخلاقية .فإنها تتجلى في تجافيه عن فن الهجاء نقمة على الفلسفة والإلحاد يتجلى في نفوره من التفلسف في الشعر، ومن إيراد المعاني الإلحادية فيه؛ الصدق الواقعي مطلب أخلاقي يرفض ان يضمن مؤلفه أي موشح، خضوعاً لما جرت به العادة في المؤلفات المخلدات، وإن كانت الموشحات مطربة إلى حد " أن تشق على سماعها مصونات الجيوب بل القلوب مؤرخ أدبي ناقد في قراءة الشعر وله منهج نقدي ويستشف من تعليقاته على بعض ما يورده من أشعار انه معجب بالاستعارة الموفقة والعبارة الرشيقة، والإتيان بالتشبيه دون أداة وهو ماهر في استكشاف الأخذ والسرقة، يدل بذلك على سعة اطلاع، ولهذا فهو محب للتوليد في المعاني ابن قزمان وقواعد الزجل أول اعتراف نقدي بشعر عامي وقد استعار ابن قزمان ( - 555) إمام الزجالين بالأندلس بعض القواعد النقدية التي أجريت على القصيد، فطبقها على الزجل، إما بطريق المقايسة أو القلب ولما رأى ابن قزمان أن اللحن عيب مستبشع في القصيد عكس القاعدة، فذهب إلى ان الأعراب يشين الزجل. ولذلك افتخر بأنه جعل ديوانه خالياً من الأعراب: ابن عبد الغفور ونشاطه النقدي ويمثل أبو القاسم محمد بن عبد الغفور الكلاعي وعياً نقدياً بارزاً بين أقرانه لتوفره على التأليف في النقد، فمن كتبه المتصلة بهذا الموضوع كتاب " ثمرة الأدب " وكتاب (الانتصار لأبي الطيب " ورسالته في " إحكام صنعة الكلام " ، أبو الطيب يجد نصيراً في الأندلس وقف موقف الدفاع عن أبي الطيب ويؤخذ من إشاراته إليه انه تحدث فيه كيف كان أبو الطيب ينحو في غزل قصائده إلى غرض مقاصده إحكام صنعة الكلام وابتكار مصطلح جديد وأما رسالة " إحكام صنعة الكالم " فإنها تتناول النثر بالقواعد والأمثلة، فبعد مقدمات قسم الرسالة في بابين: الباب الأول في الكتابة وآدابها، والباب الثاني في ضروب الكلام وانصرف هو إلى ابتكار مصطلح جديد لضروب النثر: فالترسيل في نظره أقسام منها: (1) العاطل (2) الحالي (3) المصنوع (4) المرصع (5) المغصن (6) المفصل (7) المبتدع: عودة إلى المفاضلة بين الشعر والنثر وقد انحاز إلى جانب النثر، لان النظم لا يعدو أن يكون فرعاً من المنثور، والنثر أسلم جانباً وأكرم حاملاً وطالباً، المواعيني والريحان والريعان وممن يمكن التوقف عند بعض محاولاتهم النقدية من رجال القرن السادس أبو القاسم محمد بن إبراهيم ابن خيرة المواعيني ( - 564) ، وهو قرطبي سكن اشبيلية وكتب عن أميرها أبي حفص، وله من المؤلفات: كتاب الأمثال، وكتاب الوشاح المفصل، وكتاب ريحان الألباب وريعان الشباب، المرتبة الرابعة في الريحان والريعان ومن مراتبه التي تهمنا هنا المرتبة الرابعة. وهي " مرتبة الفصاحة والبلاغة وجامع في لوازم إنشاء الصناعة " . تباين الألوان أوقع من تقاربها في النفس وضع لنقد الألفاظ سبعة شروط منها " أن يكون تأليف اللفظ من حروف متباعدة المخارج متباينة في الأسماع، وعلة ذلك أن الحروف التي هي أصوات تجري من السمع مجرى الألوان التي هي أصوات تجري من السمع مجرى الألوان من البصر، الإجماع لا الشذوذ معاذ الشاعر المولد ويؤمن المواعيني أن الشاعر المولد يجب ألا يشذ عن الإجماع والجماعة، وليس له ان يكسر الشعر تمثيل الكلام بالصنائع جاء بتمثيل الكلام المؤلف بالصنائع فذكر أن كل صنعة تحتوي على خمسة أشياء: الموشوع ، والآلة والغرض فالموضوع هو الكلام، والصانع هو المؤلف ناثراً كان أن ناظماً، والصورة كالفصل من كتاب والبيت من الشعر، والآلة: هي طبع المؤلف للكلام، والعلوم المؤدية لطبعه، وأما الغرض فبحسب الكلام المؤلف، أطيب الشعر أكذبه، والفرق بين الخطابة والشعر ويردد المواعيني رأي أهل المذهب القائل بان " أطيب الشعر أكذبه " أما الخطابة فإنها تختلف عن الشعر فهي أكثر اقتصاداً وأذهب في سبيل التحقيق عيوب الكلام التي يجب اجتنابها وفي تأليف الكلام لابد من تجنب المعاظلة، وان يضع الأديب الألفاظ في مواضعها دون تقديم وتأخير يؤديان إلى فساد الكلام أو اضطراب إعرابه، شعر لا يربطه بالشعر إلا الوزن وقسمته للشعر لا تتناول أغراضه وفنونه بل تتناول طبيعة التعبير فيه، فمن أقسام الشعر: 1 - الشعر المتين الصلب. 2 - الشعر الغامض. 3 - الشعر الرطب السهل. ابن رشد وكتاب الشعر ويبدو أن الأندلس لم تعرف " كتاب الشعر " قبل ابن رشد ( - 595) سوى التماعات يسيرة أما ابن رشد فإنه رأى أن الكتاب لا يمكن أن يكون ذا جدوى للقارئ العربي إذا هو لم يطبق ما يمكن تطبيقه من آراء أرسطو على الشعر العربي؛ كانت مهمة الشارح المبسط تدفعه إلى ان يجعل الكتاب واضحاً مفهوماً ذا فائدة عملية، خروج الشعر العربي عن مفهوم الشعر لدى اليونان وكان يعلم حق العلم أن كثيراً من قوانينه خاص بأشعار اليونان، أو بأشعار " الأمم الطبيعية " ؛ المديح والهجاء - التراجيديا والكوميديا وواضح أن ابن رشد يعني بالمديح فن المأساة (التراجيديا) وبالهجاء فن الملهاة (الكوميديا) وأنه يعيد استعمال المصطلحين كما وردا عند أبي بشر متى، لا كما ورد عند ابن سينا؛ عدم فهمه للمحاكاة البطل المسرح عنده هو الممدوح وكذلك جعل شخص البطل المسرحي هو " الممدوح " أما حين تحدث عن أنواع الاستدلالات (فإنه ابتعد فيها عن نص ارسطو ابتعاداً كلياً، فزعم أنها أنواع، منها: (1) مجيء المحاكاة لأشياء محسوسة بأشياء محسوسة؟ " (2) مجيء المحاكاة لأمور معنوية بأمور محسوسة (3) المحاكاة بالتذكر، (4) أن تكون المحاكاة بذكر شخص شبيه بشخص آخر من ذلك النوع، (5) ما يستعمله السوفسطائيون وهو الغلو الكاذب (6 إقامة الجمادات في مخاطبتهم مقام الناطقين الحل والربط في المسرحية هما حسن التخلص كذلك نقل الحل والربط في المسرحية عن حقيقتهما حين فهم منهما أن الربط يشبه البيت الرابط بين الغزل والمدح أي بيت التخلص، وأن الحل هو عدم إيراده مثال من الشعر البطولي عند العرب أما الشعر البطولي فقد أقر بأنه قليل في لسان العرب، الموقف الدفاعي عند أبن دحية وكتاب المطرب وفي هذا الصف الذي يمثله الشقندي يقف أبن دحية الكلبي ليعرف المشارقة بالشعر الأندلسي والمغربي فجمع في كتابه صوراً من " الغزل والنسيب والوصف والتشبيب، ولكن موقفه الدفاعي واضح ابن سعيد يستمر في الموقف الدفاعي فهو تبنى الموقف الدفاعي عن الشعر الأندلسي، الرندي مصنف مدرسي لآراء النقاد المشارقة لم يكن بحاجة إلى الموقف الدفاعيلانه لم يكن من المهاجرين ، وكتابه لا يضيف شيئاً جديداً إلى القضايا والآراء النقدية، وإنما هو ذو منحى تعليمي خالص. حازم القرطاجني ملتقى الروافد العربية واليونانية جميعاً وربما كانت آخر صلة بين كتاب أرسطو والنقد العربي متمثلة في كتاب حازم القرطاجني " منهاج البلغاء وسراج الأدباء " ؛ وحازم ينتمي إلى شرق الأندلس، غير انه غادر وطنه الناقد الغريب الضائع يحس بضياع الشعر ولم يكن غريباً على حازم الذي فقد وطنه ان يحس بالضياع، وان ينعكس إحساسه هذا على حال الشعر والنقد في عصره؛ أما الشعر فإنه منذ مائتي عام يعاني خروجه عن مذهب الفحول وبضياع النقد وأما النقد فإنه صناعة سحب عليها الخمول أذياله، ولهذا يحس حازم باليأس من الاستقصاء فيه، المصلح المنتظر ناقد يجمع بين الثقافتين ولابد للشعر والنقد من امرئ مؤمن بهما معاً ينقذهما من هذا الانحطاط الذي ترديا في مهاويه، وهذا الإنقاذ لا يحسنه إلا ناقد يستطيع ان يجمع بين الثقافتين: العربية واليونانية، اليأس من الحال لم يقلل من الإخلاص في محاولة الانتقاد وحقيقة الحال أن اليأس لم يمنعه من ان يكون مخلصاً في رسم منهجه النقدي، إلا أن قلة ثقته في المستوى الثقافي لأبناء ذلك العصر لم يحفزه على النزول إلى مستواهم، عرض متسلسل لمنهج حازم إن هذا الناقد أسلم نفسه إلى وضع القواعد ولم يحاول التمثيل إلا في النادر، فجاء كلامه نظرياً، ما هو الشعر لم ينف حازم أن الشعر كلام موزون مقفى ولكنه وقف من هذا التعريف عند ناحية التأثير أي فعل الشعر في التحبيب والتنفير، ولا بد لإبداع الشعر في أكمل الوجوه من ثلاثة عوامل خارجية: (أ) المهيئات: (ب)الأدوات: (ج) البواعث: ولا بد لكمال الإبداع من عوامل داخلية، وهي توفر ثلاث قوى لدى الشاعر: (أ) القوة الحافظة (ب) القوة المائزة (ج) القوة الصانعة فإذا اجتمعت هذه القوى معاً في شاعر أطلق عليها " الطبع الجيد " . ويبدو لنا من هذا المدخل إلى الشعر معظم الخصائص التي يتصف بها منهج حازم، فهو منهج قائم على الانتقاء والتنسيق والقياس إلا إن حازماً بعد هذا كله يرجع من حيث بدأ فيرى أن الاعتبار في الشعر ليس بالنظر إلى الصدق والكذب بل بالنظر إلى التخييل، وأن الصدق والكذب أمران يرجعان إلى المفهومات لا إلى الدلالات، ويزعم أن الصدق أقدر على التحريك من الكذب، وخلاصة القول هنا: إن الشعر إنما ينظر إليه من ناحية تأثيره وقدرته على إحداث الانفعال النفساني. فقد يكون صادقاً والصدق فيه قادر على إحداث الانفعال. وحينئذ يكون الكاذب القادر على إحداث الانفعال خيراً منه، أقسام المحاكاة وتأثيرها أطال حازم القول في أقسام المحاكاة بالنظر إليها من زوايا وعلاقات مختلفة. فهي من حيث الغاية مثلاً تنقسم إلى محاكاة تحسين ومحاكاة تقبيح، ومحاكاة مطابقة، وهذه الثالثة ربما كانت في قوة الأوليين. وإذا سلك الشاعر في المحاكاة مسلك التحسين أو التقبيح، فإنه يستطيع أن يحقق غايته - بأربع وسائل: (1) أن يحسن الشيء (أو يقبحه) من جهة الدين وأثره في النفس. (2) أن يحسن الشيء بمطابقته للعقل أو يقبحه لخروجه على مقتضى العقل. (3) أن يحسن الشيء من جهة الخلق أو يقبحه لمنافاته للخلق. (4) أن يحسن الشيء بربطه بالناحية النفعية في الدنيا أو يقبحه لما قد يجلبه من ضرر في هذه الناحية، معاني الشعر في اغلبها جمهورية قرر حازم وحدة المنبع في الشعر حين رده كله إلى أصل واحد، وجعله وليد حركات النفس، ولكن هذه الحركات النفسية تشتمل على ثلاثة عناصر (1) العوامل المحركة (2) المتحركين (3) العوامل المتحركة والمتحركين معاً؛ التجربة الشعرية تستمد من الحياة وبعضها من الثقافة مما تقدم يتبين لنا كيف إن حازماً ربط بين الشعر وبين الحياة الطبيعية أو حياة الحس عامة، وانه حاول أن يبعد الشعر عن العلم قدر استطاعته؛ وجعل ينبوع الشعر من حركات النفس، الغموض والوضوح في الشعر مع إن حازماً يقر أن بعض أنواع الغموض لابد أن يتوفر في الشعر مثل اللغز والكناية، فإنه في الجملة منحاز إلى جانب الوضوح، قضية السرقة ومما يميز نقد حازم انه مر بها مروراً عابراً، وفي أثناء تعرضه لها قسم المعاني في قسمين: (1) قديمة متداولة، (ب) جديدة مخترعة، والقسم الأول مثل ما شاع بين الناس من تشبيه الشجاع بالأسد، ومثل هذا القسم لا تدخله سرقة أغراض الشعر عاد يطلب مبدأ الوحدة الذي طلبه قدامة حين جعل أغراض الشعر نابعة من منبع واحد أخلاقي هو الفضيلة (وما يناقضها) وإنها ترتسم في صورة واحدة هي المدح (وما يناقضه) نظم الشعر احسن الناس نسبياً من أحس بالألم من جراح التجربة، ولكنه يستدرك - حين يمنح الخيال حقه في التعويض عن تلك التربة، القوى الضرورية لنظم الشعر فنظم الشعر إذن يحتاج إلى طبع أو دربةوقوة الخيال تفترض شيئاً من التصور الذي يحيط بما يريد الشاعر تحقيقه، ولذلك فإن عليها أن ترسم (1) المقاصد الكلية (2) طريقة إيراد تلك المقاصد وأسلوب إيرادها (3) ترتيب المعاني في الأسلوب المتخير (4) تشكل المعاني في عبارات (5) تخيل المعاني واحداً بعد آخر بحسب الغرض (6) مكملات المعاني وزينتها (7) ملاءمة تلك المعاني للإيقاع (8) ملاءمة المعنى الملحق بالمعنى الأصلي لاكتمال البيت الواحد ولا يمكن تحقيق ذلك كله إلا إذا توفرت لدى الشاعر عشر قوى وهي: (1) القوة على التشبيه (2) القوة على تصور كليات الشعر (3) القوة على تصور صورة تكون بها أحسن ما يمكن (4) القوة على تخيل المعاني بالشعور بها (5) القوة على ملاحظة الوجوه التي يقع بها التناسب بين المعاني. (6) القوة على التهدي إلى العبارات الحسنة الوضع والدلالة على ذلك المعاني. (7) القوة على التخيل في تسيير تلك العبارات متزنة؟. (8) القوة على الالتفات من حيز إلى حيز والخروج منه إليه والتوصل به. (9) القوة على تحسين وصل بعض الفصول ببعض والأبيات ببعضها. (10) القوة المائزة. التأهب للنظم فإذا أراد الشاعر أن ينظم قصيدة كان عليه أن يتخير الوقت والحالة النفسية - متبعاً في ذلك الشعراء قسمان في عملية النظم والشعراء في عملية النظم اثنان: (1) شاعر مرو يحتاج الروية قبل ان ينظم (2) شاعر مرتجل، مناسبة الوزن في النظم للغرض والكشف عن خصائص الأوزان وفي سبيل مناسبة الوزن للغرض، درس حازم علم العروض دراسة جديدة طرق الشعر (جد وهزل) إن للشعر منهجين: الجد والهزل، وطريقة الجد تصدر الأقاويل فيها عن مروءة وعقل وطريقة الهزل تصدر الأقاويل فيها عن مجون وسخف، الحيل الشعرية وفي الشعر حيل يلجأ إليها الشاعر لإنهاض النفوس نحو الحث على الفعل أو الحض على تركه، وهذه الحيل إذا اتصلت بالقول والموضوع سميت محاكاة فإذا اتصلت بالقائل والمتلقي (الشاعر والجمهور) فهي دعامة لتقوية التأثير الأساليب الشعرية وتنقسم الأساليب الشعرية في ثلاثة أقسام: (1) الأسلوب الخشن (2) الأسلوب الرقيق (3) الأسلوب المتوسط بين هاتين الصفتين، وان الأحوال النفسية للجمهور إما ان تكون (1) اللذة (2) الألم (3) اللذة والألم متكافئين وعلى هذا الاعتبار تتنوع الأقوال - بحسب بساطتها وتركيبها - في الأنواع الآتية: (1) أقوال مفرحة (2) أقوال شاجية (3) أقوال مفجعة (4) أقوال مؤتلفة من سارة وشاجية (5) أقوال مؤتلفة من سارة ومفجعة (6) أقوال مؤتلفة من شاجية ومفجعة (7) أقوال مؤتلفة من سارة ومفجعة وشاجية المفاضلة بين الشعراء مطلب نسبي كان حازم يدرك الحقائق الآتية التي أشار إليها أو وضحها في كتابه وهي: (1) أن الشعر يختلف بحسب اختلاف أنماطه وطرقه، (2) أن الشعر يختلف بحسب (3) ان الشعر يختلف بحسب الأمكنة مما (4) أن الشعر يختلف بحسب اختلاف أحوال القائلين والموضوعات التي يحاولون فيها القول، لذلك كله فإن المفاضلة بين الشعراء أمر تقريبي ولا يجوز أن يؤخذ على سبيل القطع، شمولية النقد عند حازم أول ما يلاحظه الدارس لنقد حازم هي تلك الصفة الشمولية التي تميزه عمن جاء قبله من النقاد، ولكنه منهج شمولي أيضاً لا يغفل أبداً ثلاثية هامة كان النقاد يكتفون بالنظر إلى واحد دون الآخر من أضلاعها، وتلك هي (الشاعر والعملية الشعرية والشعر " ؛ اهتمامه بسبب تفلسفه بالوحدة في المنبع والغاية والتقاؤه بقدامة وككل ناقد متفلسف سعى حازم دائماً إلى مبدأ " الوحدة " فرآها في منبع الشعر وفي أغراضه، صعوبة التخلص من تأثير قدامة كذلك وجد حازم نفسه مضطراً إلى أن يوفق بين رأيه الخاص فيما يستحق المدح أو الذم من الأفعال وبين رأي قدامة، وخلاصة رأي حازم الذاتي في هذا الموضوع أن إيثار النفس على البدن، ثم إيثار الغير على الذات هما الموضع الطبيعي للمدح أثر ابن سينا والحقيقة أن حازماً أفاد في نقده كثيراً من ابن سينا، وفي شرحه التعميمي للمحاكاة ما قد يدل على انه كان فاهماً لهذه النظرية، النقد في مصر والشام والعراق في القرنين السادس والسابع الوحدة الأدبية في هذه الأقطار ليس من السهل أن نفرد كل قطر من هذه الأقطار عند الحديث عن النقد الأدبي في القرنين السادس والسابع، لان كلا منهاكان تحت السيادة الأيوبية في معظم هذه الفترة، و الصلات الثقافية بين تلك الأقطار كانت قوية الحلقات النفرة من المؤثرات اليونانية كان نقاد هذه الأقطار يتجافون ، ويتمسكون بما يعتقدونه " أصالة متفردة " العودة إلى الينابيع العربية ولذلك كانت العودة إلى الينابيع العربية في النقد من أشد ما يميز التيار النقدي في مصر والشام والعراق فابن الأثير لم يجد ما ينتفع به من جميع ما يمثل التيار العربي في النقد سوى كتاب " الموازنة " للآمدي، و " سر الفصاحة " للخفاجي – تأثير الأندلس في مصر وبلوغ الأثر الفارسي إليها ولم يقتصر تأثير المغرب على النقد، بل تعدى ذلك إلى الفنون الأدبية نفسها، إلا أن مصر كانت أكثر تقبلاً للأثر المغربي من الشام والعراق، وخاصة في إقبالها السريع على فن الموشحات. ونتيجة لذلك تمايزت البيئات الثلاث في نوع الأثر الخارجي، فغلب على الشام والعراق الأثر الفارسي ولكن تأثير الموشح في مصر كان أبعد وأظهر، الموشح في البيئة المصرية وقد تعرفت البيئة المصرية إلى فن الموشح في دور مبكر، نقله إليها المهاجرون الأندلسيون الشعر الأندلسي في مصر ولم يقتصر تأثير الأندلس في البيئة المصرية على الموشحات. بل أقبل المصريون على الشعر الأندلسي نفسه، وعرفوا المصادر الأندلسية الهامة من مثل الذخيرة وقلائد العقبان ابن سناء الملك وأثر القاضي الفاضل فيه (545 - 608) صاحب " دار الطراز " ؛ ولا نستطيع أن نتحدث عنه دون أن نذكر القاضي الفاضل، الذي كان يحتل دور المعلم والراعي للأدباء في مصر حينئذ، وتعد صلته بابن سناء الملك صلة توجيه ونقد وتشجيع؛ توجيه ابن سناء الملك لاختيار شعر ابن الرومي ومن ضروب المران الذي كان يأخذ به ذلك الأستاذ الناقد تلميذه، أن يطلب إليه اختيار شعر هذا الشاعر أو ذاك توجيهه لاختيار شعر ابن رشيق كذلك وجه القاضي الفاضل تلميذه لعمل اختيار من شعر ابن رشيق، و أنجز ما طلبه إليه، وأرسل الاختيار لأستاذه، وأفاده التمرس بهذا حين نبهه إلى ما يعانيه شعر ابن رشيق من اتكاء على شاعره المفضل - ابن المعتز - وعلى المتنبي، ابن سناء الملك يستخلص قواعد الموشح إن المساجلات بين القاضي الفاضل وابن سناء الملك تدخل في صميم النشاط النقدي، وهو يستحق اسم الناقد لموقفه من الموشح، فحاول التجديد في التقليد، و استخراج قواعد للموشح، ابن جبارة وكتابه نظم الدر في نقد الشعر إن القاضي الرئيس ابن جبارة علي بن إسماعيل (554 - 632) قد قصر جهده النقدي في كتابه " نظم الدر في نقد الشعر " على تبيان المآخذ والمساوئ في شعر ابن سناء الملك، ابن ظافر وتعقبه لابن شهيد يصدق على نقده ما قاله الصفدي في مؤاخذاته " أجاد في بعضها وتعنت تعنتاً زائداً في بعضها. ولدينا نموذج آخر من هذا النقد التطبيقي لدى علي ابن ظافر الأزدي ابن ظافر واهتمامه بشعر البديهة قد غلب عليه ميله إلى التاريخ وجمع الأخبار، المصطلح البديعي وابن أبي الإصبع وقد اهتم النقد في مصر بتقرير المصطلح البديعي في صورته الواسعة، وكان زكي الدين ابن أبي الإصبع ( - 654) صاحب " تحرير التحبير " من فرسان هذا الميدان، و يتميز في أمرين هامين، أولهما: محاولته في التوسع الإحصائي لفنون البديع وثانيهما: اتساع مجال المصادر التي اعتمد عليها. غير أن لابن أبي الإصبع كتاباً أشد صلة بالنقد من تحرير التحبير ويمكن تلخيص دوره في تاريخ النقد العربي بالأمور الآتية: (1) وضع قواعد الموشح. (2) الاستمرار في إبراز دور ابن الرومي. (3)محاولة ساذجة في النقد التطبيقي. (4) العودة إلى النقد " بالقوة " (5) التوسع بالمصطلح البديعي ضياء الدين ابن الأثير وجرأته واعتداده بنفسه وقد عمل على تقرير حدود البديع العام، ، والحقيقة أن النواة الأولى في كتابيه " المثل السائر " و " الجامع الكبير " إنما هي شرح المصطلح البديعي، تقريب المسافة بين الشعر والنثر كما فعل ابن طباطبا رفض رأي الصابي في التفرقة بين الكتابة والشعر، فهو يرد على هذا الرأي وينكره ويرى أن لا فرق بين الشعر والنثر في الموضوع ولكن الشعر والنثر لا يتطابقان تمام التطابق، بل تبقى بينها مسافة صغيرة تعينها فروق صغيرة أيضاً المعنى هو المقدم في تاريخ الشعر العربي؛ وحديثه عن السرقة ابن الأثير سحب إيثاره للمعنى على تاريخ الأدب العربي كله، فتصور أن العرب كانت دائماً وأبداً تهتم بالمعاني، وان الاهتمام باللفظ إنما يدل على تقدير للمعنى، وخلاصة رأيه في هذه الناحية أن المعنى الذي يتوارد عليه عدة شعراء يدعى " عموداً " ؛ ويكون المعنى (أو العمود) ذا شعب، ففي تلك الشعب يتم الانفراد للشاعر الواحد دون سواه؛ فإذا كان المعنى مما استقل بنفسه بحيث لا يستطيع أحد ان يأخذه أو يفرع عليه (أي يقيم له شعبة جديدة) فمثل هذا المعنى لا يطلق عليه اسم العمود، لان صاحبه قد انتهى فيه إلى غايته، ولا تخرج المعاني عن هذين الصنفين وقد جعل ابن الأثير تداولهم للمعاني في ثلاث درجات (1) درجة النسخ ومنها وقوع الحافر أو أخذ المعنى مع أكثر اللفظ (2) ومنها السلخ وقسمه في 12 ضرباً ومنها المسخ ؛ ومجموع أنواع الأخذ على هذا الاعتبار ستة عشر نوعاً ؛ وقد حصرها ابن الأثير في موضع آخر في خمسة أقسام: أخذ اللفظ والمعنى جميعاً (توارد الخواطر)، واخذ المعنى دون اللفظ، واخذ المعنى مع بعض اللفظ وخلطه بألفاظ أخرى، واخذ بعض المعنى وبعض اللفظ، وأخذ بعض المعاني والإتيان بألفاظ جديدة؛ على أن القسم الثاني وهو أخذ المعنى دون اللفظ ينقسم عنده إلى عشرة أقسام، أغربها وأحسنها ابتكر له ابن الأثير اسماً من عنده حين دعاه " شبكة المعاني " لارتباط المعاني فيه بعضها ببعض على خفاء في الارتباط، نتائج ولوع ابن الأثير بالمعاني وقد ترتب على تولع ابن الأثير بالمعاني انه لم يعد يطيق قبول المعنى العادي وهو يغربل الشعر بحثاً عن المبتدع، وإذا مر بمعنى عادي حاول أن يسلط عليه تصوره وذكاؤه ليرفع من مستواه، النقد الإحصائي والمفاضلة المطلقة وهذه النزعة أسلمت ابن الأثير إلى نوع من النقد الإحصائي إذ أن عدد المعاني المبتكرة - في المقام الأول - هو الذي يقرر تفوق الشاعر أو الناثر. الإحصاء يميز مراتب المعاني وإحصاء مراتب المعاني يفضي إلى التصنيف، وخير مثال على ذلك نظرة ابن الأثير إلى شعر المتنبي، فهو خمسة أقسام، " خمس في الغاية التي انفرد بها دون غيره، وخمس من الشعر الذي يساويه فيه غيره، وخمس من متوسط الشعر، وخمس دون ذلك، وخمس في الغاية المتقهقرة ؛ وهذا شغف بالقسمة لوجه القسمة الجمهور مرجع في الحكم ومصدر للمعاني إن " الجمهور " هو المرجع الأخير في الحكم ، وهو من أهم مصادر المعاني، المعنى المبتدع معيار الإجادة وهو أهم من الصورة الشعرية " المعنى المبتدع " - هو المحور في كل هذه الحركة الدائبة، ولذلك كان ابن الأثير الناقد شديد الانجذاب إلى المعاني الذهنية، وان يفضلها على " الصور " الشعرية؛ وها هو حين يدعو إلى البحث في الشعر ينحصر في انتزاع المعاني المبتدعة وتظهر خطورة هذا المذهب النقدي على الشعر العربي جملة لا حين ننكر ان تكون القصيدة مجموعة مترابطة متنامية من الصور وحسب، بل حين نريدها حافلة بالمعاني المبتدعة، غير أن التظاهر بالدقة الإحصائية والكلف بالمعنى، وهما ظاهرتان متلازمتان في نقد ابن الأثير، لم يحولا بينه وبين مبارحتهما حين كان يرخي العنان لطبيعته الحقيقية. الطبيعة الإحصائية لا تتفق مع التعميمات الجارفة لكنه سرعان ما كان يخلع عنه رداء الطبيعة الإحصائية المستعار وينطلق نحو الأحكام الجارفة التعلق بالمعنى لم يستطع إخفاء التعبد للفظ إن جميع ما عبر به عن إعجابه بالمعنى لا يبلغ مستوى تعبيره الذي صور به شغفه باللفظ فقد كانت الألفاظ تتمثل في نفسه مخلوقات وتماثيل الطبيعة الهجومية في نقد ابن الأثير لا يكاد يترك ناقداً أو بلاغياً أو منشئاً دون أن يغمز رأياً من آرائه؛ وتهكم بآراء علماء العربية حول النقد كما وردت في الأغاني، حماسة أبي تمام إزاء تقييم إحصائي وهاجم شراح حماسة أبي تمام لأنهم لا يهتمون إلا بذكر الإعراب وتفسير الكلمات، والشعر ليس المراد منه ذلك. وأثنى على أبي تمام بأنه كان في اختياره " عارفاً بأسرار الألفاظ والمعاني " تفرد ابن الأثير بسبب ضآلة من حوله لقد اقترن نقد ابن الأثير بقوة شخصيته فلهذا تميز عمن مارس النقد في هذه الفترة في مصر والشام والعراق، إذ كان أكثر النقاد سواه إما أن يقفوا عند حدود المحاولات الجزئية أو يكتفوا بجمع الشواهد للمصطلح البلاغي، فإن ولهذا يتضح مدى تفرد ابن الأثير بمقارنته بمن حوله؛ وتتميز شجاعته في إبداء المظفر ابن الفضل بن يحيى العلوي كان المظفر بن الفضل ( - 656) عراقي النشاة، ذا صلة بالوزير مؤيد الدين ابن العلقمي، ألف كتاباً آخر سماه " الرسالة العلوية " قصره على الحديث في الفصاحة سبب تألفيه الكتاب ومنهجه فيه وكان الداعي إلى تأليفه كتاب " نضرة الاغريض " انه طلب إليه الوزير أن يضع كتاباً يبين فيه حدود الشعر وفضله، فامتثل لذلك، وقد قسمه مؤلفه في خمسة فصول: (1) في وصف الشعر وأحكامه وبيان أحواله وأقسامه (2) فيما يجوز للشاعر استعماله وما لا يجوز (3) في فضل الشعر ومنافعه وتأثيره في القلوب ومواقعه (4) في كشف ما مدح به وذم بسببه وهل تعاطيه اصلح أم رفضه أوفر وارجح (5) فيما يجب أن يتوخاه الشاعر ويجتنبه، ويطرحه ويتطلبه. ترتيب جديد لما جاء في المصادر السابقة يشبه عمل الرندي المؤلف ينقل عن السابقين، أما المادة الخارجة عن الآراء المنقولة من هذه المصادر وغيرها فإنها إعادة للقصص والحكايات المتوارثة من أقدم العصور تعريف الشعر والتفرقة بينه وبين النثر عرف الشعر بأنه " عبارة عن ألفاظ منظومة تدل على معان مفهومة وإن شئت قلت: الشعر عبارة عن ألفاظ منضودة تدل على معان مقصودة " افتقار المؤلف إلى التوازن في تأليفه وإلى الجرأة في الحكم ومن الواضح أن المؤلف يفتقر إلى كثير من التوازن في الإدراك فهو يضع الحث على تجنب السرقة مع " عدم التهكم في الهجاء " ، فصل ختامي النقد الأدبي عند ابن خلدون ابن خلدون والنقد الأدبي كل ذي حرفة يغلب مصطلح حرفته على شعره وربما كان ابن خلدون اعظم ناقد في هذا العصر، رغم انه لم يزاول النقد الأدبي، ولم يمنحه من جهده الشيء الكثير؛ وقد تأثر ابن خلدون في تصوره وأحكامه في هذا الميدان بشيوخه وبثقافته الشخصية وبتجربته الذاتية في الشعر والنثر، حملته على الإكثار من البديع وقد أخذ ابن خلدون على الشعراء الإكثار من البديع، و طبقه من الناحية العملية حين اختار الأسلوب المرسل، ذم حشد المعاني في البيت الواحد وكذلك اخذ ابن خلدون على الشعراء حشد المعاني وتزاحمها في البيت الواحد، فذلك نوع من التعقيد، والتعقيد شيء كرهه نقاد الأندلس حتى حازم القرطاجني؛ الحفظ وأثره في تكوين الملكة الشعرية أما ثقافة ابن خلدون فكانت العامل الثاني في توجيه أحكامه وآرائه النقدية، والثقافة هنا محفوظات الرجل في مختلف الموضوعات، غير أن المحفوظ أياً كان مقداره هو الذي قدم لابن خلدون فكرة ثابتة حول طبيعة الصناعة الأدبية من شعر أو نثر. سلامة المكلة بان لا تدخل عليها عوامل تخدشها ويذهب إلى ان سلامة الملكة وتفردها دون ان تنازعها ملكة أخرى ادعى إلى إتقان الفن الذي توفرت عليه، وان الصراع بين ملكتين قد يصيب الأولى المتمكنة منهما ببعض الوهن بلاغة الإسلاميين ارفع من بلاغة الجاهلين بسبب القرآن وانبثق عن هذه النظرية حول المحفوظ والملكة رايان نقديان خطيران: أولهما أن بلاغة الإسلاميين ارفع طبقة من شعر الجاهلية، لان الإسلاميين أتيح لهم محفوظ من القرآن والحديث، ومن الغريب أن يذهب ابن خلدون هذا المذهب، وهو الذي قرر من قبل أن القرآن لا ينشأ عنه ملكة في الغالب " وأما الرأي الثاني الناجم عن هذه النظرية في المحفوظ فهو تصور ابن خلدون لطريقة النظم" فإن مؤلف الكلام هو كالبناء أو النساج، والصورة الذهنية المنطبقة كالقالب الذي يبنئ فيه أو المنوال الذي ينسج عليه، فإن خرج عن القالب في بنائه أو على المنوال في نسجه كان فاسداً " ، و يقال في هذا التصور انه وضع الشعر في صورة العمل اليدوي لا من حيث إتقان الصنعة تعريف جديد للشعر يضع للشعر الحد التالي: " الشعر هو الكلام البليغ المبني على الاستعارة والأوصاف، المفصل بأجزاء متفقة في الوزن والروي، مستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله وما بعده، الجاري على أساليب العرب المخصوصة به " الفصل التام بين الشعر والنثر وضع ابن خلدون حداً فاصلاً بين الشعر والنثر، مبايناً بذلك الاتجاه الذي جرى عليه الكتاب المتأخرون " ويعتقد ابن خلدون أن ضياع الحدود بين الشعر والنثر ليس صواباً من جهة البلاغة، إذ أن الأمور التي تناسب الأساليب الشعرية ليست مما يناسب الأساليب النثرية البواعث على قول الشعر لو تأمل ابن خلدون فيما قرره من قبل لوجد أن البواعث الخارجية كمناظر المياه والأزهار وأوقات البكر عند الهبوب من النوم ليست إلا عاملاً ثانوياً في الحفز على الشعر، إذ الحافز الأكبر هو إدارة القالب في النفس مراراً حتى تأنس إليه ترتاح، ثم تجيء العبارات لتملأ ذلك القلب، الأصل هو الفظ أن الأصل في صناعة النظم والنثر إنما هو اللفظ، والمعاني تابعة للفظ؛ " لأن المعاني موجودة عند كل واحد، وفي طوق كل فكر منها ما يشاء ويرضى فلا تحتاج إلى صناعة حديث عن المطبوع والمصنوع كان ينظر إلى المشكلة نظرة تاريخية ويحاول أن يفيد من كتاب العمدة؛ ويرى ابن خلدون أن الشعر نشاط إنساني عام، وليس شيئاً يتميز به العرب، وهو يعلم ان في الفرس شعراء وفي يونان كذلك، ونلحظ من مجموع آراء ابن خلدون في النقد أن آراءه مستمدة من تجربته الخاصة وليس لها صلة بالمؤثرات اليونانية تم بحمد الله
|
|||||||||
|
الحقوق محفوظة لشبكة دهشة 2007© 2007
|
||||||||||
مواقع صديقة: وظائف خالية | سوق 24 | Adsriver Classifieds & Free Ads | تحميل ملفات | سوقك - اعلانات مجانية | Mega Article Directory | Article Directory






