ابحث في موسوعة دهشة



+ الرد على الموضوع + إنشاء موضوع جديد
النتائج 1 إلى 6 من 6

الموضوع: دراسات ومقالات مسرحية



  1. #1

    دراسات ومقالات مسرحية









    سلوكيات الممثل وقدراته الإبداعية على خشبة المسرح
    الباحث : د. كاظم العمران

    لقد جاءت دراسة سلوك الإنسان وشخصيته وقدراته الإبداعية متأخرة على أيدي أصحاب الفن الأكاديمي , الذين يهتمون بما ينتجه الممثل من حركات وانفعالات ليؤكد بها حضوره الحقيقي على خشبة المسرح . رغم أن اهتمام الإنسان بأخيه الإنسان يعود من حيث البعد التاريخي إلى ابعد من عهد الإغريق . إذ كان الفلاسفة يلاحظون ويتتبعون ويفسرون السلوك . إلا أن الملاحظة الموضوعية ومناهج البحث المقنعة ترجع إلى عهدنا الحاضر وصولاً إلى أدق التفاصيل والحركات البسيطة والإيماءات التي يصدرها الممثل وهو غاص في دوره على خشبة المسرح التي يحاول ان يظهر لنا إبداعه من خلالها .

    لابد من التأكيد هنا على دراسة مكونات السلوك والقدرات الخلاقة كالإبداع والمواهب التي هي أصعب الامور . كون سلوك الإنسان تتداخل فيه عوامل الوراثة والبيئة وما يكتنفها من ظروف وحالات ومتغيرات لا يمكن حصرها والسيطرة عليها في الغالب ,لذا فهو أي السلوك متشابك ومتداخل ومعقد من حيث الدراسة العلائقية بينه من ناحية وبين كيفية تعلمه والسيطرة عليه علمياً من ناحية أخرى . ولكي نبين العلاقة الموضوعية ما بين التمثيل على الخشبة – إن كان- كحصيلة للتعلم أو كموهبة وقدرات موروثة تنتج هذه السلوكيات ؟؟وهل بالإمكان أن نعلم الإبداع الفني في التمثيل لطلاب الفنون على وفق السلوك الفطري ؟؟وهل بالإمكان أن نعلم التمثيل لمن لاموهبة له؟؟؟ أم هل نستطيع أن نخلق مبدعاً وهو لا يملك كيفية أن يقتن قدراته التمثيلية أكاديميا ؟؟!! أم هي القدرات الأكاديمية المقننة لا تجدي نفعاً للمثل الموهوب ؟؟! الذي يحاول أن يطور سلوكياته ذاتياَ على الخشبة , وهل من الضروري أن نطبق الصيغ التربوية التقليدية على طلبة لديهم ذكاء عال , وقدرات خاصة , ممن يتوقع أن يبدعوا على خشبة المسرح بسلوك طري إنساني , كيفما اتفق ؟؟!!

    لكي نجيب على هذه الأسئلة التي ترد في ذهن كل ممثل ومتلق على حد سواء , لنلق اولاً نظرة سريعة على المقصود بالإبداع والموهبة والتعلم على وفق اليات السلوك البشري , ةما طبيعة وضوابط وشروط هذا التعلم وكيف يتم ؟؟ لكي يكون الربط واضحاً ولتكون الخطوط العريضة او الوشائج بارزة لأغراض المقارنة والتوضيح . إن الإبداع يتعلق بالإدراك الذي بدوره يتصل بالذكاء (القدرة السلوكية العامة) , إن تميز هذا الإبداع في أمر ما يتعلق (بالقدرات السلوكية الخاصة) بأنواعها المتعددة الفنية , اللغوية , المكانية , الخيال, التصور , الحفظ , التفكير .....الخ ويتسم الإبداع بالمرونة والطرافة في مجال أو أكثر من مجالات (العلوم – الأدب – الفنون خاصة) .

    ولا ننسى إن فرويد قد عرفه ضمن مدرسة التحليل النفسي : "بانه تعبير عن حيلة دفاعية تدعى بالإعلاء"(1) .

    وعرفه جماعة (الجشتالت) أصحاب نظرية الهيأة فقالوا :" إن الإبداع نشاط للسلوك"(2) . وقد اختلف الباحثون في المراحل التي تمر بها القدرات الابداعية , وفي تحديدها ووجهوا نقداً الى فكرة تعدد هذه المراحل باعتبارها تؤدي الى تجزئة السلوك الابداعي .

    اما التعلم : فهو عملية منظمة هادفة تسعى لغاية وترتبط بحاجات المتعلم وقدراته من خلال زيادة الخبرة لاغناء حياته , ويساعد في اكسابه القدرة والمهارة على القيام باعمال جديدة , ومن التعريف نرى ان التعلم لايضع المتعلمين في قوالب جامدة متشابهة بل هم ينشطون ويستفيدون لتقديم اعمال جديدة اضافة للتي تعلموها واذا ما جاء هذا التعلم بصورة مباشرة منتظمة وعلى يد معلم فهو تعليم والذي يرتبط بجميع الفعاليات التي يخطط لها المعلم , ويقوم بتنفيذها بقصد تعليم الطلاب واحداث تغيير في سلوكهم باتجاه اهداف محددة نحو ابداع مقصود .

    والابداع المقصود قد لايأتي حصيلة المعايشة الطويلة حسب, في التعلم من مرحلة الطفولة الى مرحلة البلوغ , بل ان هناك مثارب تستوعب الطفل وتجعله يتمعن بما يحيط به من المهارات والابداعات التي ينفذها ابواه او الكبار المحيطين به, يتعمق فيها ويتفهم اسرارها ويقرأ عنها ويطبق ويمارس وينمو معها حتى يبدع فيها , وهذا الابداع هو الخليط بين الموهبة والتعلم , الذي ينتج سلوكيات الممثل وقدراته الابداعية على خشبة المسرح, لانه انطلق من دوافع وحاجات وميول المتعلم ورغباته ونضجه العقلي والجسمي والانفعالي والاجتماعي . وهذا بالطبع يعتمد على سلامة حواسه ومدى قدرته على الصبر والمتابعة والتمعن والتحدي لخلق القدرات في التنفيس الذي يقود البعض الى تعلم شيء جديد او الاضافة عليه وكسر حدود المألوف .

    ونلاحظ ان التمثيل على خشبة المسرح قد يحتوي على عنصر الابهار في الاداء المسرحي او قد لايحتوي على ذلك , فالتمثيل الذي يخاطب الوجدان قبل العقل نراه يحرك اشياء كثيرة في دواخلنا , وقد يتركنا من السكون والاسترخاء او النشاط والحركة تتناسب وجدانياً مع ما شاهدناه , فقد يأتي الممثل بالفاظ او حركات لاتحسب لها حساب . هذا ما نسميه بعملية الخلق الفني (الابداع) او الابتكار, ونسميه احياناً القدرة الابداعية في السلوك, التي تحرك الوجدان والعقل والجهاز العصبي حتى تسلبه سيطرته على نفسه وينتهي به الامر وكأنه مسلوب الارادة هذه هي طبيعة الابداع ودوافعه واثاره على المتلقي .

    وهناك الكثير من الطلبة يمتلكون هذا الابداع في عملية التمثيل على خشبة المسرح , وهناك ايضاً نوع اخر من الذين يتفقون على (الموهوبين) ومن ذوي القدرات الخاصة بتعلمهم على ايدي اساتذة اكفاء مبدعين كذلك . ولكن لايتم ذلك الا بطرائق تدريس متطورة كالنمذجة والتكشيفية وتعليم الفريق والتعليم الذاتي (المبرمج) على ان يتمتع الاثنين المعلم والمتعلم بالصبر والقدرة على التحمل في اجراء النشاطات والتمارين الهادفة مع توازن في الشخصية ونظامها العقلاني والوجداني الذي يخلق بدوره توازن في الشخصية ونظامها العقلاني والوجداني الذي يساعد الممثل على تطوير سلوكيات قدراته الابداعية على خشبة المسرح والذي يخلق بدوره توازن حقيقي بين الموهبة من جهة والتعلم في صقل هذه السلوكيات وتطويرها من جهة اخرى لكي تصل تهيئة المناخ الملائم لخلق عملية الابداع الفني على خشبة المسرح بشكل يهدي الى التعرف على وسائل التوعية والابهار لدى الممثل من خلال التفسير والتحليل الجمالي الذي ينتجه المتلقي النخبوي وعامة الافراد اثناء مشاهد العرض , يراها ويحسها في تلك السلوكيات وبالتالي تشارك الاخيرة في اظهار وسائل التنمية الذوقية والمعرفية للفن في المجتمع .
    "مَنْ لَمْ يَقْدِر عَلَىمَا يُكَفِّرُ بِهِ ذُنُوبَهُ فَلْيُكْثِرْ مِنَ الصَلَاةِ عَلَى مُحَمَّدٍوَآَلِهِ ، فَإِنَّهَا تَهْدِمُ الذُّنُوبَ هَدْماً"


  2. #2

    مرجعيات الترميز لجسد الممثل في العرض المسرحي.

    مرجعيات الترميز لجسد الممثل في العرض المسرحي
    د. راسل كاظم

    لكون جسد الممثل يدرك بوصفه ظاهرة بصرية لذا يمكن معرفة لغته كونها وسيطا للاتصال من خلال استخدام رموز ايحائية، تسعى الى بناء فهم مشترك خاضع لثقافة المتفرج وخبرته المكتسبة من الواقع لاجل اكتشاف المعنى ودلالته، فهيئة الممثل كمظهر مادي خارجي متمثلة بجسده هي شكل قائم بحد ذاته يرتبط بدلالة شخصيته، اما اذا اضفنا علاقة اخرى ضمن اشكال جديدة، فأنها تكون لنا دلالة اجتماعية او فكرية، فتتكون الدلالة "حالما كان هناك جزءان او اكثر مجتمعان مع بعضهما لكي يصنعا نسقاً مرئياً"(1)وهنا لا يمكن تجاوز مساحة اشتغال الممثل, كونه يشكل محصلة كل الفضاءات الاخرى للعرض المسرحي وبحسب فرضية (إلين ستون) فان الصورة ومن ضمنها جسد الممثل تعمل في اربعة مستويات "المستوى الوظيفي - السوسيومتري* - خلق الجو العام – الوظيفة الرمزية"(2). وفي حركة العرض تبدأ الاشكال بالتحول الى طاقة تعبيرية فتتنامى الاشكال المرئية وتصبح سلسلة من الرموز المتفاعلة مع دلالات العرض الاخرى، فالحركة تقوم بتفكيك ما هو مركب لاعادة تركيبه من جديد ولإنجاح عملية التواصل، لا بد أن تتوافق الدلالة التي يرسلها الجسد مع الرموز التي تصل إلى ذهن المتلقي، وكما يرى (باربا) ان هناك تقنيات مشتركة لتمظهرات الجسد. وكل ما نسميه ب" التكنيك ما هو الا استخدام خاص لجسدنا"(3) وليس المقصود من التكنيك هو الجسد الخام المستخدم في الاشكال اليومية وانما المقصود هو الشكل المفعل للحركة ومعنى ذلك ان الجسد يمارس عصيانه ضد الشكل السائد، وفي تحرير طاقته يتحول الجسد من شكله الخامل الى شكله الجديد الناشط. والخطوة الاهم تكمن في فهم تكنيك الجسد اليومي الذي من الممكن ان يستبدل بعد ذلك بتكنيك اضافي أي تكنيك لا يسير وفق الحالات المعتادة للجسم وهذا التكنيك الاخير هو ما يقوم الممثل باستخدامه في الالفية الثالثة الذي يسير على مبدا اقل المجهود .

    أي الحصول على افضل النتائج مع اقل مجهود لان المجتمعات الحديثة لا تريد تبديد طاقتها وتحاول ان تستخدم اقل طاقة لاكبر انتاج ، " ولغة جسد الممثل عندما يتم تنشيطها على مستوى ذي فاعلية فأنها تكون بالتالي كثيفة المعاني، وكون الجسد يتمتع بالحياة فأنه يعطي ديناميكية لكل عناصر العرض، ويمثل جسد الممثل ست علامات بصرية من مجموع العلامات البصرية التسع، التي تنتمي الى منظومة العلامات في المسرح المتكونة من ثلاث عشرة علامة، حسب تصنيفات (كوفزان)، لنظم علامات المسرح. وهذا ما يضع الجسد في مقام الصدارة بالنسبة للعلامات البصرية، من خلال تعبير الممثل الذي يتشكل بالجسد والمظهر الخارجي له، وتزداد اهمية جسد الممثل كلما تحررت خشبه المسرح من الاشكال المعمارية الثابتة والتقليدية، ويمكن للجسد ان يفوق في شعره شعر الكلمة المنطوقة، كما حلم (ارتو)، فجسد الممثل يمكن ان يصور افكارا ومواقف ذهنية ولمحات من الطبيعة، بطريقة ملموسة، ان يذكر الاشياء والتفاصيل الطبيعية. فضلاً عن الانماط الكامنة في الاساطير والطقوس والاحلام التي تفصح عن تجليات جدية في البحث عن انماط للتعبير الجسدي والتي تطلبت الانفتاح على الحضارات الشرقية، لهذا كانت رغبة بروك تتوجه الى الجسد لإيمانه الشخصي بان الجسم الانساني يمثل الوعاء الذي يحوي بقية العناصر ويرى (بارت) ان فن المسرح هو "فن ازدهار وتفتح الجسد"(4)، اما (ميرهولد) فانه يرى ان ابداع الممثل ينبثق من الجسد، وهو "ليس ابداع شخصيات، بقدر ما هو ابداع اشكال بلاستيكية جديدة في الفضاء الزماني المكاني للعرض"(5). وقد تطور مفهوم جسد الممثل لدى المسرحيين المعاصرين ومنهم الباحث والمسرحي (باربا)، من خلال ربط المسرح بالانثروبولوجيا، بهدف كشف وظائف غير مألوفة من خلال البحث باشكال الحركة الجسدية للمسرح الشرقي، ومزاوجتها مع الاداء في المسرح الغربي، للوصول الى القوانين التي توضح الحركات العضوية في جسد الممثل،.

    فقد عدت الانثروبولوجيا جسد الممثل وسلوكياته في العرض المسرحي حالة بيولوجية وذهنية وثقافية خاصة تختلف عن الانسان وسلوكياته في الحياة العادية، لأن الممثل يستثمر اثناء التدريب واداء الدور الطاقة الكامنة في جسده للوصول الى سيطرة كاملة على مراكز القوى والتوازن. والجسد اسلوب في رؤية العالم المحسوس وهو نتاج تفاعل الانسان مع عالمه المرئي والمسموع الذي يحيا فيه لان اسلوب ادراكنا للمرئيات يتاثر دائماً باسلوبنا في الحياة وبحضارتنا وجسد الانسان اشبه بعملية تنظيم لموضوعات الادراك الحسي في اطار يحكم علاقاتها على النحو الذي يبدو عليه الانسان. والعرض المسرحي حزمة او منظومة شفرات مرسلة من مصادر عدة تتحول الى شفرات درامية - مسرحية، تكتسب أهميتها وحيويتها من خلال تضامنها، وائتلافها مع فكرة مرتبطة ، ومتعلقة بالحياة العامة. وقد تكون الفكرة منحازة الى صعيد معين محدد أي أنها أحادية التوجة. وايا كان الأمر فان شفرات الجسد لابد ان تتداخل وتتضامن مع - او تستند الى الشفرات الثقافية بشتى صورها وتتزامن معها كما ان العرض خطاب معرفي - ثقافي مزدوج مع الخطاب الجمالي وناتج عن عملية تشفير فني يمكن التوصل إليه كطريقة، وفهم مضمونه بالقيام بعملية تشفير فك الشفرات ولان الشفرة هي وسيلة التفاهم والفهم، بين المرسل والمتلقي ، فأنها بلا شك المدخل الرئيس لفهم العرض المسرحي .

    والفارق الجوهري بين الشفرة والرمز هو ان "للشفرة معنى (دلالة) ثابتة أي أنها ذات مفهوم محدد متداول على المستوى الاجتماعي العام ، في حين ان الرمز لا يمتلك مفهومه (دلالته) الا من خلال السياق الموضوعي ، وبمعنى أخر من خلال ارتباطه بما يجاوره من علامات تأتي قبله او بعده ، وذلك بسبب من ان الرمز لا ( يشبه ) الموضوع الذي يرمز أليه ، كما ان الفضاءين (الرامز والمرموز) منفصلان وغير قابلين للاتصال"(6) مثل الرامز (أسد) للمرموز له (رجل) دلالة على شجاعته ، إذ ليس ثمة شبه (للأسد) مع (الرجل) من الوجهة الواقعية (الفيزيقية). ان المرسل في العرض هو جسد الممثل وهو يحقق التواصل مع المتلقي "فالتواصل يفترض مرسلا ومستقبلا وعمليتين متقدمتين لا متناظرتين هما عمليتا التشفير والترميز ، أي الشفرات وفك الرموز ، الترميز يمثل المتكلم وفك الرموز المؤول.

    ووظيفة جسد الممثل في العرض ليست معنية بنقل المشاعر، بقدر عنايتها بما يرمز اليه هذا الجسد في تشكيلاته التشريحية، لان المشاعر يمكن ان تنقل عن الطريق اللفظي للممثل, لذا لا بد أن توضع قدراته بالحسبان ، بمعنى عدم إغلاق رسالة النتاج على ذاتها ، بل يفترض السعي الى الانفتاح على دور المتلقي وقراءته ، لذا يفترض التنسيق مع كفاءة مدركاته ومعجم شفراته وهذا ما مهدت له السيميائية التي تمحورت بحوثها حول العلامة ، وعنيت بها على مستويين:

    المستوى الأول :الانطولوجي : ويعنى بماهية العلامة، أي بوجودها وطبيعتها وعلاقتها بالموجودات الأخرى التي تشبهها والتي تختلف عنها.

    المستوى الثاني: البرجماتي : ويعنى بفاعلية العلامة وبتوظيفها في الحياة العملية ، ومن منطلق هذا التقسيم نجد ان السيميوطيقا اتجهت اتجاهين :

    الاتجاه ألاول : يحاول تحديد ماهية العلامة ودرس مقوماتها .

    الاتجاة الثاني : يركز على دراسة توظيف العلامة في عمليات الاتصال ونقل المعلومات.

    فاللغة والتفكير والعلم والفن والأدب والأشياء و القيم لابد لها من علامات تتكون بوساطتها او نتيجتها ، فالعلامات ودلالاتها هي عماد الوجود الإنساني وصوره التداولية والتواصلية ، فقد بلغ مجال السيميولوجيا الخاص الى أوسع دوائر المعرفة والى الممارسة الاجتماعية بكافة أبعادها ، تتوخى المعرفة العميقة بمختلف ظواهر الوجود والوعي الاجتماعيين بواسطة البحث عن مظهرها الدال ودلالاتها الممكنة في الماضي والحاضر والمستقبل. ويمكن ان نقسم مرجعيات الترميز لجسد الممثل في العرض المسرحي الى :

    اولا\ مرجعيات ثقافية : أن الثقافة هي الحقل الأوسع في الدراسات السيميولوجيه لأنها تتضمن حقولاً عدة مثل الأدب والفن ، والتاريخ والتراث ، والسلوك والعادات وهذه الأنظمة العلاماتية تنتمي الى موضوع يتسم بالتعميم وبالضرورة تنتج بنيه ذاتية تجعل بعضها متمايزا عن البعض الأخر ذلك ان لكل نظام ثقافي / علاماتي شفراته التي يأتلف منها. فشفرات الطقوس والشعائر لجسد الممثل تختلف عن شفرات العادات . والشعائر تختلف شفراتها من ديانة الى أخرى وهكذا الأمر مع جميع مظاهر الثقافة في عموم المجتمعات ، وهناك الكثير من الاراء التي طرحت بهذا الخصوص، منها الرأي القائل: ان الثقافة بوصفها آليات لتنظيم المعارف وحفظها في وعي الجماعة تثير المشكلة النوعية للتواصل او الاستمرار الثقافي ، وان لهذه الاستمرارية وجهين8)

    1. استمرارية النصوص المعرفية للذاكرة الجمعية
    2. استمرارية القواعد الشفرية . او النظام الشفري للذاكرة الجمعية.

    وفي حالات بعينها يحتمل الا يرتبط احد هذين الوجهين بالأخر ارتباطاً مباشراً وعلى سبيل المثال فقد ينظر الى بعض المعتقدات على أنها عناصر في نص من نصوص ثقافة قديمة في الوقت ذاته الذي فقد فيه النظام الشفري لتلك الثقافة. وتعني هذه الحالة ان النص الثقافي امتد بحياته وعاش بعد حياة النظام الشفري. وقد تحدث الحالة بالعكس فقد تبقى شفرات بعينها في حين تنمحي نصوصها من الذاكرة الجمعية او يبقى بعضها ، كما في حالة الأمثال الشعبية التي تكون شفرة متداولة في حين ان حكايات كثيرة من الأمثال تختفي من التداول او لا يعرفها المستشهد بالمثل، ولما كانت الثقافة تشمل جميع أشكال المعرفة بما فيها التاريخ والتراث ، والآداب والفنون ، وتضم العادات والتقاليد والأعراف ، وحتى تلك التي تبدو تارة وتبيد تارة أخرى ، فان من هذه الأشكال الثقافية / المعرفية تظهر شفرات جديدة ، بعد ان استعانت هي بشفرات متداولة, من اكثر تلك الأشكال الثقافية هي النصوص الأدبية والفنية على اختلاف أنواعها وتوجهاتها وذلك من خلال توظيف شفرات بعينها في سياقاتها سواء كانت عملية التوظيف هذه قصدية ، ومن اجل أحياء شفرات _تاريخية ، تراثية، او تلقائية حين تبتدىء الشفرات المحورية لنسق ثقافي معين، تفرض نفسها بعدها الخيار الامثل في تقديم مضمون ما. ولما كانت الثقافة في مجملها تتكون من نصوص ، رسائل يتولد بعضها من البعض الأخر ، وبما يكفل لها الديمومة والتواصل ، فان لغة الجسدهي شفرات ثقافية, وان القيام بصياغة رسالة تعني القيام بعملية تشفير الجسد على وفق سياق معين.

    ثانيا\ مرجعيات جمالية : وتنتمي الى الاتجاه الفني ـ الفلسفي , فقد حاول المسرح عبر تاريخه الهرب من رتابة التقاليد وثقلها الصارم حيث يستدعي ذلك ظهور نوازع جمالية جديدة مرتبطة مع اذواق الناس وحاجاتهم الجمالية وهذه بطبيعة الحال سرعان ما تترك مواقعها لاخرى اكثر تقدماً، فلكل زمن جمالياته، ولكل مرحلة سماتها التي قد ترتبط بجماليات الفنون المجاورة او تشترك معها. مما يدفع الممثل للجوء نحو استخدام اسلوب تعبيري معين قد يسهم باضطرار الممثل عبر التأويل لمجاراة هذه النوازع الجمالية، فحركات وايماءات الممثل في العصر الحديث تختلف اختلافاً كبيراً عنه في عصر النهضة، والعلاقات الجمالية بالمقابل اختلفت وتباينت بشكل كبير، مما حتم على الممثل الاهتمام بنوع الاشارة التي يرسلها جسده لايصال البعد الجمالي للمسرحية، فطبيعة الفنان قادرة على التفاعل مع المحيط وبناء علاقات نابعة من اتصاله مع الاشياء، بحيث تكون هذه العلاقة التوليدية مبنية على استجابات الفنان عند تفاعله مع المحيط. إن العمل الفني يتطلب من حيث هو نتاج للروح نشاطية ذاتية خلاقة تجعل منه حينما تصوغه وتشكله موضوعا لحدس الآخرين وتخاطب حساسيتهم ومخيلة الفنان هي التي تمثل هذه النشاطية الذاتية الخلاقة"(9).

    ان عملية استحضار البنى و النظم والعلاقات التي اكتسبتها الذاكرة بواسطة فاعلية ذهنية (الخيال) و التي التقطها حسيا من العالم المحيط فقد تحدث بشكل عام عن طريق استحضار واع, ان الممثل باستخدامه المطلق لأسرار جسده التعبيرية وعلاقته بالفضاء المادي المحيط به يعد حالة مثيرة واستثنائية أثناء تحقيقه للفعل والرؤيا في العرض. ولهذا فهنالك علاقة بين الكتلة، والمادة ـ الجسد والشيء تنتج معنى دلالياً للتعبير عن الحدث والفكرة من خلال الرؤى والإيقاع الموسيقي المميز لحركة الجسد في علاقته بالمادة. ووفق التيارات المسرحية التي تعاقبت وشكلت بالمقابل مدارس جمالية تغيرت نظرة الفنان الى الجمال من عصر الى عصر، ومن مرحلة الى اخرى، ومن مكان الى اخر.

    ثالثا\ مرجعيات ايديولوجية : تستخدم في التعبير عن أفكار تتجاوز على نحو واسع حدود الحكاية التي ترتبط بها، وهي تعكس موقف المخرج إزاء أهم المشاكل الفكرية والسياسية وهنا يكون الفنان حراً في اختياره للصراع الفكري الذي يصطف معه و يجعله مادة لفنه ، ويمكن ان يصبح وثيقة في امكان المتلقي التحاور معها عبر رؤية تاريخية جمالية و اعية . و العامل الفكري مجاور للتاريخي و يستمد منه التشكيلات و المحددات التي تفصل بين الطبقات و الفئات وحتى الاختصاصات في الثقافة و المعرفة و بناء القيم . و المجتمع هو الميدان الذي تجرب فيه كل المبادىء و النظريات ، عبر سلسلة من الثورات الاجتماعية و السياسية و العلمية التي غايتها في الاساس تطوير المجتمع ، و اكتشاف و زرع القيم الجديدة

    رابعا\ مرجعيات اجتماعية: يكتسب الفرد بوصفه (الاساس في تشكيل المجتمعات) خبراته عن طريق الممارسة العلمية والتفكير في المشكلات الحسية المرتبطة بواقع الحياة ، فالمعرفة التي تأتي عن طريق تراكم المعلومات وفهمها ، هي اساس الخبرة سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة ، لذا فإن الخبرة تتسع وتتعمق لتوضح حقيقتها بكل جوانبها المختلفة الحسية والعقلية والروحية , الوجود الاجتماعي يرتكز على تشابك طقوس تكمن وظيفتها في ادارة العلاقات بين البشر والعالم، وبين الناس فيما بينهم، فكل انسان عبر مسيرته الخاصة، وباسلوبه الخاص يرمز لعدد كبير من الاوضاع التي يصادفها والحياة اليومية هي المكان المميز لهذه العلاقة، وهذه العلاقة تترك اثرها على الممثل، بطريق تكوين شبكة من المعلومات يستثمرها في سبيل اسقاطها على اداء جسده. ويمكن لهذه المرجعيات ان تختلف باختلاف المجتمعات فما يصح في مجتمع قد لا يصح في اخر كما تختلف زمانياً في المجتمع الواحد، فالقيم كغيرها من الانساق الاجتماعية معرضة للتغيير والتبديل خلال تاريخ المجتمع. ولا يعني هذا ان تغيرها مرهون بعامل التقادم الزمني نفسه، وانما بالاحداث والتقلبات واشكال الاحتكاك الحضاري والتثقيف التي يتعرض لها المجتمع.

    أن الرسالة المميزة للفن هو ان يرتفع ويحلق بمشاعرنا الى آفاق عالية ولابد أن يسمو الفن على الواقع حتى يحفزنا على إصلاحه أن يكون هذا الفن متصلا بقيم المجتمع الحاضر وأهدافه المستقبلية ، وفهم هذا الفن يعد فهما لهذه القيم والأهداف وذلك لبنائها وتطويرها ، مما يرتقي بالمجتمع الانساني المتحضر.على وفق القيم والأهداف الاجتماعية بل إنه يحرضه على قراءتها والحكم عليها ، ويشجعه على التفكير في أهداف الفنان المتجلية في عمله ورسالته وفي رؤيته ، ومعرفة علاقتها بالمجتمع وقيمه.
    المراجع:
    1- دني هو بسمان :علم الجمال ، ترجمة : ظافر الحسن (باريس : بيروت ، منشورات عويدات ، ط4 ،1983 ، ص106.
    * القياس السيوسومتري هو القياس في المستوى الاجتماعي.
    2- ألين ستون، جورج سافونا، المسرح والعلامات، تر، سباعي السيد، مهرجان القاهرة الدوري للمسرح التجريبي، وزارة الثقافة ، القاهرة، 1991، ص 203.
    3- باربا ، مسيرة المعاكسين ، انثروبولوجيا المسرح . ترجمة قاسم البياتي ، دار الكنوز الادبية ، الطبعة الاولى ، لبنان ، 1981 ، ص105
    4- رولان بارت، المسرح الاغريقي، ترجمة سهى يشور، (المعهد العالي للفنون المسرحية، 1987)، ص 25.
    5- سعد صالح، الانا والاخر.. ازدواجية الفن التمثيلي، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والاداب والفنون، 2001، ص174.
    6- جوليا كريستيفا : علم النص ، ترجمة : فريد الزاهي ،ط1 ( الدار البيضاء ،دار توبقال للنشر )1991 ،ص18.
    8- ينظر : اوسينسكي بوريس وزميله : حول الالية السيميوطيقية للثقافة ،ترجمة عبدالمنعم تلميعه، في كتاب 9- مدخل الى السيميوطيقا_مقالات مترجمة ودراسات مصدر سابق ، ص301.
    هيغل، فكرة الجمال، تر: جورج طرابيشي، (بيروت, دار الطليعة، )، ج2، ط1،1978, ص 291.
    "مَنْ لَمْ يَقْدِر عَلَىمَا يُكَفِّرُ بِهِ ذُنُوبَهُ فَلْيُكْثِرْ مِنَ الصَلَاةِ عَلَى مُحَمَّدٍوَآَلِهِ ، فَإِنَّهَا تَهْدِمُ الذُّنُوبَ هَدْماً"


  3. #3

    الصورة الفنية للمرأة في النص المسرحي العراقي

    الصورة الفنية للمرأة في النص المسرحي العراقي
    خلود جبار

    شغلت شخصية المرأة حيزاً مهماً من تاريخ المسرح نصاً وعرضاً ، حيث إن اغلب الكتاب كانوا يكتبون مسرحياتهم وهم يدركون جيدا بأن المرأة في نصوصهم تكون انعكاساً وتمثيلاً للوضع الاجتماعي العام , بسبب من موائمتها للتطورات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية . ولايمكن لأي مؤلف إن ينحت صورة المرأة في نصه دونما الارتكاز إلى المرجعيات الثقافية الأساسية من حيث المضمون , انطلاقا من مبدأ تكاملية الحياة . حيث تكون شخصية المرأة عنصراً مكملاً/موازنا/ لشخصية الرجل . وهما بدورهما يخلقان الاستمرارية للحياة عبر علاقة مباشرة بينهما . لذلك كان المسرح الاغريقي مثالا أصيلا ، لعوالم تضج بالشخصيات النسائية مازال تأثير ها يصلُ الى التركيبة الثقافية لحضارتنا الراهنة, أمثال : الكترا ، وانتيجونا ، وكلتمنسترا ،و ميديا ..الخ

    بل وصل الحد إلى إن تكون شخصية المرأة متصدرة للفعل المسرحي ، لما تمتلكه من حضور مركزي عند العديد من الكتاب المسرحيين أمثال اسخيلوس وسوفوكلس ويوربيدس ... الخ .. مروراً بالمسرح العربي , على الرغم من متغيرات الإحكامات الهوية والخصائص المحلية , لهذا المسرح أو ذاك.

    فقد عكف العديد من كتاب المسرحية العرب في اهتمامهم بتأسيس ثيمات نسوية خالصة , وفلسفة نصوصهم على أساسها كما في توفيق الحكيم ، وسعد الله ونوس ،لطيفة الزيات ،صقرالرشود.. الخ ، وعلى مر الأزمنة , وفي المجال الاجتماعي , يرتسم الصراع الأنثوي – الذكوري – ، لصالح الذكر , بمقابل النكوص النفسي والاجتماعي الذي دفعها المجتمع اليه ، حتى باتت ثقافة ثقيلة كافحت المرأة طويلا من أجل تعديل مسارها لصالحها . وبدأت تتجه إلى مكافحة ثقافة السلطة الذكورية الاجتماعية الضاغطة على حريتها ، ولم يأت هذا التحّول مفاجئاً ، إنما عبر حقب زمنية طويلة مرت خلالها العديد من التغيرات المعرفية المهمة ، وكان لظهور المدارس النسوية في العراق الحصة الكبيرة من هذه التحولات . (عندما قرر الوالي نامق باشا 1899م ، إنشاء أول مدرستين للبنات ابتدائية ومتوسطة)( ) .

    كانت بداية القرن العشرين هي اللبنة الأولى التي انطلقت منها دعوات المطالبة بحقوق المرأة وانعتاقها من سطوة المجتمع ألذكوري ، مما اعطى فيما بعد فرصاً معينة ، لصيرورة حركة فنية إبداعية يكون للمرأة فيها دور متميز وحضور لافت لاسيما على صعيد الفن المسرحي. وبحكم تكوين المرأة العاطفي الذي جعلها اقرب للنزعة الفنية , مما منحها فرصاً للتعبير عن خلجاتها وهواجسها الداخلية , إن وكون الدراما في جوهرها تقوم على محاكاة المشاعر الإنسانية ، استلزم توظيف شخصية المرأة بمستويات دلالية شتى في النصوص الدرامية العراقية .
    "مَنْ لَمْ يَقْدِر عَلَىمَا يُكَفِّرُ بِهِ ذُنُوبَهُ فَلْيُكْثِرْ مِنَ الصَلَاةِ عَلَى مُحَمَّدٍوَآَلِهِ ، فَإِنَّهَا تَهْدِمُ الذُّنُوبَ هَدْماً"


  4. #4

    مفاهيمية بيكاسو في التشكيل المسرحي والرسم بالكلمات

    مفاهيمية بيكاسو في التشكيل المسرحي والرسم بالكلمات
    د.أبو الحسن سلام

    لاشك أن العين النقدية المتمرسة تستطيع أن " تعرف من الرسومات المبكرة لذلك الصبي الصغير في شوارع برشلونة .. ومن الأشكال الكثيرة للأم والطفل المرسومة في ( الفترة الزرقاء) من عمله الفني أن (الطفل) الذي كان يجذب بيكاسو لم يكن طفل العائلة الكبيرة.. ولكن الطفل باعتباره إنتاجا للحياة الإنسانية.. طفل الناس كلهم.. الطفل البريء .. ولكن الممتلئ لدرجة الانفجار بجرائمهم الفضائل والرذائل التي يمتلكها الإنسان البالغ "

    وليس جديدا بالنسبة للعين الناقدة أيضا أن تعرف لبيكاسو " رسومات كثيرة ترينا رغبة بيكاسو في أن يفهم بالضبط تلك النظرات الفضولية لطفل الشارع ، وأيضا توجد رسومات أخرى تقنعنا بنفس الدرجة بالسعادة التي وجدها بيكاسو في لهو الفتيات الصغيرات وخيلاتهن." وقد ظهر أثر ذلك أيضا في مسرحيته الأولى (البنات الأربع الصغيرات) فضلا على أثر لوحته الخالدة ( جورنيكا ) وفيها يلفت نظر المتلقي بروعة تعبيره إلى فكرة اقتراب الموت من الأطفال في هذه الكارثة التي حلّت في ذلك الوقت ، بسبب ما أوقعته الحرب العالمية على تلك القرية الاسبانية.

    بيكاسو بين شعر الألوان وشعر الكلمات:

    لما كان الشعر صورة تخييلية وإيقاع ، ولما كانت كل الفنون تطمح إلى أن تكون موسيقية ، فقد تزاوجت إيقاعات لغة الألون وإيقاعات لغة الكلامية في تخييلات بيكاسو في سباق رحلتها للارتقاء إلى مصاف الموسيقى . ولا شك أن ذلك لا يتحقق بدون تجارب ومقاربات ومعارضات ومداخلات معقدة ، استطاعت مقدرة الفنان الفذة أن تجمعها وتحيلها إلى ذكرى ، لا يتبقى منها إلا ما تحت رماد احتراقها في آتون وجدانه الذاتي/الجمعي ، وما يتبقى بلا أدنى شك هو اللآليء والجوهر ، الذي تجتهد مهارته وفطنته في إنتاجه خلال إبداع غير مسبوق ؛ يلح عليه أن يكتبه رسما أو موسيقى أو حوارا أو حكيا أو تخييلا مرئيا أو مسموعا أو مرئيا مسموعا في آن. لذا كان طبيعيا أن تكون قدرة بيكاسو التصويرية رسما بالألوان أو بالكلمات ؛ نتاجا لمحصلته المعرفية الفكرية والوجدانية تلك ؛ على المستويين : النظري والعملي ؛ لذا نراه خلال حياته الطويلة قد استطاع أن يكوّن صداقات مع شعراء أكثر من صداقاته مع الرسامين ؛ ولذلك لم يكن هناك ما يفاجئ أحد أن يجده مزاولا لفن الشعر كتابة. ففي خريف عام 1935 ، عبر بيكاسو شعرا عن مشكلة عاطفية ألمّت به ؛ عندما استحال التعبير عنها بالرسم ولو لم تكن أولئك الكتّاب على يقين من مساهمته الشعرية في عالم الأدب ؛ مساهمة ذات قيمة ، وليست مجرد مسألة تجريبية ؛ لما احتفت بها الأقلام النقدية.

    الخاصية الأسلوبية في إبداع بيكاسو التشكيلي والأدبي:

    إن العين النقدية المتتبعة لأسلوب بيكاسو في التصوير التشكيلي أو الأدبي تلاحظ خاصية أسلوبه في التركيز على مفهوم ارتباط فكرة الحب بفكرة الموت ؛ ففي لوحاته مزاوجة ( كاثوليكية إذا جاز لنا أن نقول ذلك) بين فكرتي الحب والموت . وهذا ما يتضح في مسرحيته الأولى ( البنات الأربع الصغيرات) وفيها توكيد لخاصية الأسلوب المعبّر عن ذلك التزاوج ؛ فنص المسرحية يحمل بصمته وخاصية أسلوبه لغة وخيالا وجرأة نجدها في منظومته التشكيلية، أو على المستوى الإبداعي نفسه ، الذي نعرفه عنه في مجال الرسم .فـ "بيكاسو" المصور بالألوان هو نفسه بيكاسو المصّور بالكلمات؛ فكما يضرب عرض الحائط بقواعد الرسم يضرب عرض الحائط بقواعد اللغة الكلامية ، وبما تتطلبه من علم تركيب الكلام. فضلا على ذلك ثورية انحراف إبداعه الفني والأدبي عن جادة المدارس الفنية والأدبية التقليدية. ومن المعلوم لدى العارفين بمنطلقات الإبداع الحقيقي أنه ما من خلق جديد بدون ذلك الانحراف المدروس والمقصود عن جادة القواعد ، لغة وأسلوبا كلاميا كان أم غير كلامي هو الذي يضخ رؤى جديدة مبتكرة وغير مسبوقة إلى عالم الإبداع؛ بما يجدد شباب الفعل الثقافي فنيا وأدبيا ؛ دعما للحياة الفكرية، وحضا على إحسان حياتنا الإنسانية المشتركة.

    على أن ارتباط فكرة الحب بفكرة الموت في إبداعاته - كخاصية مضمونية – كان بسبب تأثره العميق بما ترتبت عليه نتائج الحرب وآثارها المأساوية ؛ لم يقتصر علي مسرحيته الأولى وحدها بل امتدت صورة البؤس ، الذي خلفته الحرب بخاصة على أسبانيا وعلى فرنسا إلى مسرحيته الثانية ( الرغبة ممسوكة من الذيل) وهي مسرحية قناعية (Mask) وهي مسرحية قصيرة في ستة لوحات ، وشخصياتها ( خضروات وفواكه) .

    في مسرحيته الأولى تشيع البرودة والقلق ، بفعل لغة الحوار المتشظية ، والأفكار المتقافزة دونما رباط يربطها ، بحيث النسق البنائي المتجاور مابين عبارة وعبارة تالية لها ، فيما يشخص كل منها صورة تشكيلية رسمت بالقلم ، ولم ترسم بالريشة ، وبالكلمات بديلا عن الألوان ، في نسق بنية من صور متجاورة ، وهو نسق مقارب لنسق معرض للوحات والصور في معرض لفنان تشكيلي ، فكل صورة في البنية الحوارية لكل بنت من البنات الأربعة غير مرتبطة بالصورة التي رسمها حوار شقيقتها ، وغالبا لا ترتبط بما قبلها ، أو بما بعدها ؛ وهذا الانفصال أو التبعيد بين تصوير كلامي وتصوير كلامي يجاوره ؛ فاقد لحميمية التواصل ، ودفء العلاقة بين الشخصيات ؛ حتى أشواقهن العنيفة ورغباتهن قد عبرن عنها في صورة تتسم بالذكاء الحاد ؛ مما يكشف عن تيار الوعي الذي تقنع به بيكاسو خلف بناته الأربعة؛ في مقابل تهميش تيار الشعور؛ على الرغم من طفولية لغتهن وبراءتها ، فإن القناع الدرامي يشف عن وجه بيكاسو ، نفسه في رقي اللغة الكلامية/التصويرية ، حتى مع استعماله أمثالا طفولية لا معنى لها ؛ فإنها في الحقيقة وسيلة شرح لنزواتهن وأحلامهن ، بخاصة في أحادثيهن مع الورود ، والطيور والحيوانات في أثناء ذوبانهن في هواء حديقة الخضروات المعطرة ، وسخريتهن من الكبار ، ورؤيتهن للألوان وبراءة صبغتها لكل ما يحيط بهن ، ومع ذلك يتبادلن الحديث بحكمة تعادل حكمن الكورس اليوناني في تراجيديا مسرح اسخيليوس . يقول عبد المنعم سليم "

    إن بيكاسو ككاتب مسرحي يستخدم الفرشاة وليس القلم ! فإذا كان الصراع الدرامي أساسه الكلمة فإن الصراع الدرامي في مسرحية بيكاسو هذه أساسه اللون.أي أن هذه المسرحية صراع درامي بالألوان.فالكلمات هنا لم توجد لتوصيل المعنى بقدر ما هي موجودة لتوصيل الصراع الدرامي بين ألوانها "

    إن المغزى الذي تنطوي عليه الجملة الأخيرة من قول عبد المنعم سليم ، تؤكد – قصد أم لم يقصد- أن كل لوحة تشكيلية هي حدث درامي يقوم على صراع بين الألوان والتكوينات والحيز الفضائي والإضاءة والتظليل على أرضية اللوحة.

    الصورة بين التفعيل والتذييل والتظليل: ما بين النص الحواري والنص الموازي علاقة تفاعلية تتداخل فيها فعل التهيئة الصوتية للتعبير الأدائي مع التهيئة البصرية للتصوير لبيئة الحدث وزمانه. وهذا ماثل في كل أنساق البناء الدرامي في كل المدارس المسرحية.

    وفي هذه المسرحية ، تظهر التهيئة البيئية للحدث في النص الموازي: ( حديقة الخضروات.. بئر في المنتصف )

    أما لغة التفعيل الدرامي فتظهر في مقاطع من غناء الفتيات الأربع الصغيرات:
    يغنين :

    " لن نذهب إلى الغابات "
    بينما يكشف تبريرهن لعدم الذهاب عن طريق لغة التذييل التي تليها:

    " أشجار الغار كلها قطعت "
    ولأن التقافز من حال إلى حال ومن فكرة إلى فكرة عبر أسلوب التداعيات سمة من سمات الطفولة لذا فسريعا ما يغيرن الموضوع بموضوع جديد لا علاقة له بالموضوع السابق :

    " هذا العسل هناك سوف نذهب ونمتصه "

    هكذا يتوالد الفعل من فعل سابق له ؛ فسريعا ما ينتقلن إلى موضوع آخر دون أن يقمن بعمل ما قررن فعله من قبل. وهكذا تتوالد الصور عبر التقافز من قرار بنية فعل لم يتم إلى تبنّي قرار جديد ، في مساحة زمنية متصلة تستغرق زمن التصوير اللفظي !! تحمل الصورة السابقة حالة تفعيل مرهص : " سوف نذهب ونمتصه" مسبوقة بتذييل استباقي " هذا العسل هناك " انتهاء بحالة تفعيل ؛ حيث تتحول حالة الإعلان عن نوايا الفعل إلى استعداد للبدء في الفعل :

    " هيا نذهب إلى الرقص "

    ولكنهن يظللّن حالة التفعيل الدرامي تلك؛ بوصفها بديلا عن الذهاب إلى الرقص إذ يشرعن في تقليد طريقة الرقص التي يرقص بها مجهولون افتراضيون في حلبة الرقص الافتراضية المنشودة : " هكذا هم يرقصون "

    ولأن اللقاء الرقص ، يكون مصحوبا بالموسيقى وربما بالغناء أيضا ، ولأن المرقص يجمع الأصدقاء والنظائر، فمن الطبيعي تبادل التحايا والقبل ، لذا يصور البنات في غنائهن صورة افتراضية للقاء الراقص بأسلوب التظليل الدرامي :

    " أن نرقص، أن نغنى، أن نقبل من نريد "

    الترجمة المعنوية للصورة: لا تحرر ولا مجد ولا فخار في ظل انكسار البراءة. تشف الصورة عن مفهوم: ( عندما يكون حب الحياة أقوى من الفناء ؛ تكون الرغبة الاستمتاع بما تبقى من ملذاتها أهم العوامل المقاومة للدمار والخراب الذي ألحقناه بها.) هكذا تجعل الصورة حب الحياة تذييلا استباقيا لتبرير فعل الاستمتاع بالحياة ليصبح الدمار والخراب في خلفية الفعل الحاضر الاستمتاع بالحياة) تظليلا لصورة الحاضر. فالصورة إذن صورة دادية (طفولية افتراضية) ؛ لما يجب أن يكون عليه تعبير الإنسانية عن نفسها إذا أرادت ألاّ تفقد البشرية خمسين مليون نفس أخرى بعد حربين عالميتين مروعتين ، وهو ما يقطع بفساد غواية الاعتماد على العقل .

    سيكولوجية الألوان: تلعب الألوان في حياة الطفل دورا حاسما في الكشف عن سيكلوجيته ، فأي الألوان تلك التي وظفها بيكاسو في الصورة ، تقديمة درامية لنصه المسرحي التشكيلي ! ( الغابات جذوع خضراء وأوراق خضراء – أشجار الغار المقطوعة خضرة مشوبة بالصفار نتيجة لجفافها بعد أن قطعت – العسل بني اللون ) سعادة مشوبة بالغيرة والقتامة . وفي مقابلها رغبة في الرقص وفق تقليد سابق " هكذا هم يرقصون" والصورة هنا تستبدل الإيقاع الحزين بميزانه الإيقاعي المتباطئ بإيقاع مغاير ؛ خروجا من حالة حزن وكآبة إلى حالة فرح وسعادة ؛ استمرارا للحياة.

    التعبير الأدائي: لأن طبيعة الحدث الدرامي تتوّج بالأداء التمثيلي ؛ سواء تقصد المؤلف ذلك أم اقتصر قصده من كتابة مسرحيته على مجرد القراءة ، تبعا لما افترضه الناقد عبد المنعم سليم " يبدو أن بيكاسو كان في الأصل يريد أن يكتب مسرحية تكون سهلة القراءة أكثر منها ممثلة. " لذلك فإن الضرورة تقضي على الناقد المسرحي لنص كهذا ؛ من نصوص مسرح الصورة ألاّ يكتفي بنقد الصورة المسرحية دراميا وفنيا ، بل يتجاوز ذلك إلى نقدها نقدا فنيا تشكيليا؛ دون أن يغفل تحليل الصورة تحليلا أدائيا يشكل أساسا منهجيا لأداء الممثل.

    دادية الصورة في نسق الحوار المتشظي: لا تعتمد كتابة المسرحية الدادية على الذاكرة البشرية في اللغة وفي الفعل ، وفي العلاقات وفي القيم ، فضلا على توظيف أدوات اتصال تلقائية ، غير مسبوقة في خبرة المجتمعات البشرية. أما الصور ؛ فالتشظي هو أساس في بنائها اللاشكلي. ولأن السيريالية هي وليدة الدادية والتتويج الطبيعي لتطور حركة بعث الروح الإنسانية ؛ في عوالم اللاوعي ، بالتحليق بعيدا في سماوات ميتافيزيقية بحثا عن الحقيقة الغائبة عن علاقة الإنسان بذاته وبالآخر وعن علاقته بالكون ، لذا فإن لصلة الرحم الفكري والفني بين الدادية السيريالية تكشف عن علامات تواصل بينهما يعرفها المبدعون والنقاد الحداثيون والتفكيكيون. وإذا وقفنا أمام الصورة التي يحملها نسق حوار البنت الأولي ؛ نكتشف تجليات التزاوج بين الدادية والسيريالية:

    " الأولى: هيا نشق كل الورود بأظافرنا، ولنترك رائحتها تدمى على تجاعيد النيران
    والألعاب، وأغانينا و(مرايلنا) الصفراء الزرقاء البنفسجية.. هيا نلعب لعبة
    الإيذاء .. ونؤذي أنفسنا .. ثم نحتضن بعضا بعضا.. وتكون لنا ضوضاء
    ساخنة.. بشعة.

    الثانية: مامي.. مامي.. انظري إيفت تحطم وتدمر في الحقيقة وتشعل النار في
    الفراشات .. مامي .. مامي .

    الثالثة: قرروا بأنفسكم كيف تريدون أن تضيئوا شعلة ريشة الديك، من الشموع التي
    تتوسط ( لفف الأطفال ) المعلقة على فروع أشجار الكرز.
    احترسوا- ها أنا ذي أقول لكم – من أجنحة الطيور المنتوفة .. الطيور الميتة
    في الأقفاص والتي تغني وهي طائرة على أكمام حريرية لفستان ، ثناياه سماء
    فستان سقط من الغيب.. "
    الأولى: (تغني) لن نذهب إلى الغابات ..
    أشجار الغار كلها قد قطعت
    العسل هناك "

    الترجمة المعنوية للصورة: تشف الصور المتشظية في الحوارية السابقة عن مفاهيمية تعارض النوازع البشرية ، فيما بين نوازع الشر والخوف من الوقوع فيه. فما بين عدوانية البنت الأولى وتخوفات البنت الثانية وطلبها النجدة بأم غائبة غيابا ماديا ، متخيلة عبر ذهنها ، لتحول دون محاولة أختها الثانية في تدمير الحديقة وإشعال النار في الفراشات، وموقف الأخت الثالثة المراوغ فيما بين الوقوف على الحياد وحرية الآخرين ومسؤوليتهم عن نتائج اختياراتهم تطل فكرة ( الأنا والآخر) من وراء الشخصية القناع التي وضع بيكاسو على لسانها ذلك المفهوم الوجودي ؛ في نسق مراوغ يحمل تجليات طفولة التصوير السيريالي .

    مراوغة الصورة وسيكلوجية الألوان: ما بين خليط الألوان الحمراء الدموية والصفراء الغيورة وبرودة اللون الأزرق ، ورومنتيكية اللون البنفسجي تختلط الرغبة فيما بين فكرة انطلاق الأنا وتحررها من قيود العادة والقيم وما يترتب عليه ذلك الانفلات غير الملتزم من إضرار بالذات وإضرار بالآخر – الذي هو الطبيعة نفسها أو الوسط – لذا يسارع بيكاسو ، متخفيا وراء قناع البنت الثانية ، ليضع على لسانه صوت الآخر ، لخلق صورة التعادل فيما بين حرية فعل "الأنا " في التزامها بعدم تجاوز حرية " الآخر" ، وهنا نكون أما صورتين تعادل كل منهما الأخرى تكسبان التأييد للأحد مفاهيم الوجودية المادية وهو مفهوم (الحرية والالتزام) .

    تعقيب نقدي : إن النظرة النقدية المتأملة لتلك الصور المتجاورة في حوارية الرسم المراوغ بالكلمات ؛ يكشف عن فاعليات تلقي هذا النمط المسرحي ( مسرح الصورة) في نسق بنائيته الإطارية ، بوصفه مجموعة من الصور في معرض درامي تشكيلي "منيملزمي" الأسلوب. بطريقة التلقي في أحد معارض فنان تشكيلي. ولأن المفاهيمية تشف عن فكرة مسبقة يتبناها الفنان المصور ، ويوظف إبداعاته في تحقيقها في الصورة ، بما يقطع بأن تلك الصورة ؛ حاملة لمعناها ، فإن القول بمفاهيمية المواقف المصورة في إبداع بيكاسو اللاشكلي في هذه الدراما المسرحية المصورة بالكلمات ، تخرج عن مفهوم الصورة الحاملة لمعناها !!

    وهنا قد يتبادر السؤال إلى أحد الأذهان النقدية الواعية، المتقدة ( ففيما كان عنوان المقال ؟)

    وللإجابة عن ذلك نقول : إن من التصاوير ما هو حامل لمعناه ، أي مقروء، ومنها ما هو قارئ لمعناه ، فهناك اللوحة المقروءة وهناك اللوحة القارئة ، وتلقي اللوحة القارئة يعطي التلقى قراءات متعددة بعدد حالات التلقي. وهذه المسرحية : ( الدادا/ سريالية ) قارئة لنفسها تتعدد فيه مفاهيمية كل صورة في نسق بنيتها التفكيكية على نحو ما أوضحنا . والمجال لا يسمح بمزيد من تحليل هذه النادرة المسرحية من نوادر الإبداع ودرره الدرامية التشكيلية .
    "مَنْ لَمْ يَقْدِر عَلَىمَا يُكَفِّرُ بِهِ ذُنُوبَهُ فَلْيُكْثِرْ مِنَ الصَلَاةِ عَلَى مُحَمَّدٍوَآَلِهِ ، فَإِنَّهَا تَهْدِمُ الذُّنُوبَ هَدْماً"


  5. #5

    بريخت والقاسم مع سلمى

    بريخت والقاسم مع سلمى
    بقلم: نايف خوري

    بريخت:

    يعتبر الشاعر والمسرحي الألماني بيرتولد بريخت من أهم الذين كتبوا للمسرح، لأنه وضع نظريته المعروفة بـ"التغريب" بعد أن رأى المدارس والأساليب المسرحية التي كانت سائدة في تلك الفترة في أوروبا. ولم ترق له الأساليب التقليدية التي اتبعها ستانسلافسكي في موسكو ومن سبقه بالتاريخ المسرحي وصولاً حتى أرسطو، وكتب في هذا مسرحيته الشهيرة "أوبرا بثلاثة قروش" التي انتقد فيها الأساليب الكلاسيكية القديمة. لم ترق لبريخت هذه المدارس لأنها خاطبت العاطفة وحركتها، وأثارت الانفعالات التي طغت على التفكير والعقل. وحين نشاهد مسرحية عادية نقع تحت تأثيرات مختلفة ونتفاعل معها، إما للشفقة والرحمة والخوف وإما للضحك والهزء والهزل. وقد وضع أرسطو في هذا كتابه "فن الشعر" الذي ترجم إلى معظم لغات العالم، بما فيها العربية، وقد ترجمه وشرحه الفارابي وابن سينا وابن رشد، حتى ظهرت الترجمة الأخيرة عن اليونانية القديمة للدكتور عبد الرحمن بدوي.

    وبمقارنة سريعة بين المسرح الملحمي (الإيبي) لبريخت وبين المسرح الدرامي نجد أن الإيبي يعتمد على الرواية، ويجعل المشاهد متفرجًا ويثير فيه الرغبة للعمل، ويدعوه لاتخاذ القرارات، وهو حين ينظر ويشاهد الأحداث يمكنه أن يجادل ويعارض ويتخذ المواقف، ويقرر في شعوره الغريزي، ويصبح الإنسان مدار بحث قد يتغير وقد يُغير، لأنه يهتم بتطور الحوادث التي تظهر أمامه في كل مشهد قائم بذاته، وهذه الحوادث يجب أن تبعد المتفرج عن الخيال. كما أنه يتطلب الفهم وقد يأتي بالتطور غير المباشر لأن الإنسان متطور.

    أما المسرح الدرامي فيعتمد على الحوادث، وينقل المشاهد إلى عالم المسرحية وأجوائها التي قد تمنعه من العمل، لأن الدراما تمنح المشاهد اكتفاءً بالشعور وتمنعه من التطور، بسبب الاندماج في ما يرى وهو كالمسحور يحافظ على الشعور الغريزي. وينطلق ذلك من أن الإنسان معروف بشخصيته، وإنسانيته ثابتة دون تغيير. ويصبو هذا المتفرج إلى معرفة النهاية من خلال المشاهد التي تتابع ويرتبط بعضها ببعض. كما أن المتفرج يستخدم مشاعره ويستعين بخياله في حوادث المسرحية وفكرتها التي تظهر من خلال الشخصيات الثابتة للإنسان الذي لا يتغير.

    إن معارضة بريخت للكلاسيكية جاءت بدافع إيمانه بالفكر الماركسي والفلسفة المادية، وقد أوضح نظريته في كتاب "ميسينغ كاوف" وهو حوار بين مفكر ومسرحي، ووضع فيه نظريته المعروفة بنظرية "التغريب". وهكذا ظهرت قصائد بريخت أيضًا، وقد حملت كلها العناوين الفكرية والتي تدعو إلى العمل كما هو الحال في قصيدته "أولاد في حملة خلاص" والتي ترجمها إلى العربية شاعرنا سميح القاسم.

    القاسم:

    نعرف كلنا سميح القاسم لأنه من أشهر الشعراء المعاصرين، والذي حمل ألقابًا وضعته في مصاف العظماء، ولا غرو في ذلك فقد أبدع بوضع ما بين ستين وسبعين مؤلفًا في الشعر والقصة والمسرح والمقالة والتوثيق والترجمة، وترجمت أعماله إلى لغات يصعب حصرها لكثرتها. وها هو القاسم في قصيدة "أولاد في حملة خلاص" والتي أصبحت "صرخة ماريا" فيظهر بإحدى قممه الإبداعية، حيث استطاع سبر غور الفكر الماركسي، والنظرية التغريبية لبريخت، فعرضه لنا بصدق وقدمه لنا بأمانة، وترجمه لنا ببعض التصرف ليتلاءم مع تسلسل الحدث، وبالتالي تنسكب في هذه القصيدة عصارة أفكار المقاومة ومناهضة الحروب والكف عن القتل والدمار والدعوة إلى العمار والبناء، وحفاظًا على البشر والحيوان والنبات.

    إن "أولاد في حملة خلاص" تمثل النواحي المغمورة والمستورة في حياة فئة من المشردين الذين بعثرتهم الحرب، وجمعهم المصير المجهول، وبحثوا عن مستقبل واعد، فلم يعثروا له على أثر. وكان قرارهم الحاسم بإرسال رقعة الاستغاثة والاستنجاد، ووضعوا عملية إنقاذهم في عنق كلب قد يتيه وقد يضل الطريق، فتصبح حالتهم كالمستجير بالرمضاء من النار.

    لم يكن حضور القاسم في "صرخة ماريا" واجبًا لكي ينال باقة الورد في ختام العمل، بل استخدم المخرج صوته وقراءته. وسمعناه يلقي مقاطع القصيدة بصوته المميز، ولهجته المتدفقة، ونبرته المتواترة بإيقاع الرقصات والحركات، وقراءته البريختيانية التغريبية التي تقنع المستمع قناعة تامة بأن ما نسمعه وما نشاهده هو ما حصل فعلاً لا قولاً فقط.

    نورمان:

    نورمان عيسى، فنان مسرحي، عرفناه ممثلا ومخرجًا، وشاهدنا أعماله التي تميزت كلها بالإبداع والفن الراقي والجميل، بغض النظر عن القطاعات العمرية أو الأجيال الجماهيرية والفكرية لهذه المسرحيات. فجاءت مسرحياته للكبار كممثل بغاية الإتقان والقناعة والصدق، ولا تقل عنها تلك التي للأطفال، أما هو كمخرج فلم يدخر وسعًا ليعبر بأعماله عن نفحات فنه، وعن أصالته الإبداعية والمهنية.

    وعندما شاهدته في هذا العمل الأخير كمخرج "صرخة ماريا" تأكد لي ما قلته له سابقًا وفي مناسبات عديدة، بأنه فنان متمكن وأصيل، وبوسعه أن يبلغ أعلى المراتب الفنية، حيث لا يعصاه دور، ولا تعرقله أي شخصية يود أن يلعبها، ولا تعيقه أي فكرة ليطرحها أمام الجمهور.. وها هو يتألق في هذه الأمسية الشاملة بفنونها، والمتعددة بفروعها، لأنها كالشجرة التي تنمو عليها المسرحية، وأغصانها تتألف من القصيدة، والسيناريو، والموسيقى، والإنارة، والملابس، والتمثيل، والحركة، والديكور.. وغيرها من المجالات التي أتتنا بثمرة فنية دسمة، ممتعة، شيقة، جذابة وسلسة، إنها سهلة الهضم وغير عسيرة المضغ.

    انقلبت هذه القصيدة إلى "صرخة ماريا" لكي تظهر ماريا في شريط حياتها التراجعي نحو الماضي الذي عاشته كطفلة، ثم صبية، فيافعة، فبالغة، فمراهقة، فعاشقة. وجعل نورمان ككاتب سيناريو، هذا التحول والانقلاب في القصيدة سردًا منفتحًا ليتداخل بعمق بريختياني، وليفسر أبعادًا ذاتية وفكرية، وليقول رأيه في إبداعية متجددة، في ما يواجهه من مواقف وحالات الحرب والسلام، الفقر والثراء، الجوع والعطش، الحب والمسامحة، الفرح والاكتئاب، المواجهة الجماعية والانفرادية.

    واستطاع نورمان أن يجمع خيوط هذا العمل ليؤلف لنا مرئيات متصاعدة، ولوحات متزايدة، وشخصيات نامية، وأحداثًا متطورة. وهذا ناتج عن سكب صحيح للفكر الإبداعي السليم، والديناميكية المتواصلة في اللقاء والربط بين المشاهد المتلقي والفنان المقدِم.. وجاءت الروابط متينة مع الجمهور لأنها مكونة من عوامل الفنون الجميلة، كمرئيات وفكريات.

    إن نجاح العمل مرهون بنجاح الإخراج، ومرتبط بقدرة المخرج على تقديمه للمشاهد بأفضل حلة وأجمل شكل. ومتعلق بلمسات الإخراج وصياغته الفنية، وعندما علمت بوقوف نورمان وراء إخراج "صرخة ماريًا" زاد اطمئناني بنجاح هذه التجربة مرة أخرى، كما نجح في مسرحياته السابقة. وبما أن المخرج هو أفضل متفرج، أو المشاهد المثالي، فإنه يعرض أعماله تحت هذا الباب، ومن هذا المنطلق. ولا عجب أن يضيف نورمان هذه التحفة الفنية إلى رصيده الغني.

    ريمون:

    إذا كان الجسم يعتمد على العمود الفقري فإن "صرخة ماريا" ظهرت بعمودها الفقري واسمه "ريمون حداد". وهذا بمثابة عمود البيت إذا كان الحديث عن خيمة العرب، لأنه حمل الإيقاع على أكتافه الموسيقية، ونظم الحركة والأصوات والمشاهد، وقاد أنفاس المشاهدين التي كثيرًا ما حبسها لهم، وجعل القلوب تنبض مع أنغامه وتتحسر النفوس مع ألحانه. ريمون الذي امتاز في أعمال موسيقية سابقة وساهم بإعداد الأعمال الموسيقية والغنائية العديدة للمغنين والمنشدين، شعر بأن الأنغام تسري في عروقه، فنقلها إلى المستمعين بمتعة ورهفة. وأصبحت العملية الموسيقية في "صرخة ماريا" أكثر من مجرد موسيقى مرافقة، أو ضمن الموتيفات والمؤثرات السمعية، واستطاع أن يعيدنا إلى الإيقاعات التاريخية لدور الموسيقى في المسرح اليوناني، والتي لا يستغنى عنها في العرض الفني. وهذا هو دورها في المسرح الياباني المعروف باسم "نو" وهو مسرح يعتمد على ثلاث مقومات: القصة، التمثيل والموسيقى. فإذا اختل أحد هذه الدعائم يختل العمل الفني بأكمله، فكم بالحري إذا كان العمل معتمد على هذه الموسيقى؟

    وجاءت الموسيقى في "صرخة ماريا" ضمن مؤثرات الحرب ودوي المدافع والقنابل وهدير الطائرات الحربية، إضافة إلى مبعث للشجن والحنو، وإلى انتظام الحركات الراقصة والتمثيلية، والدخول والخروج، وحتى النص ألقي بوتيرة موسيقية، وتؤكد بأن هذا العمل هو مغناة بكل معانيها.

    التمثيل والرقص:

    التمثيل هو الواجهة التي تعرض فيه وبواسطته الأعمال المسرحية، ولكن التمثيل ظهر بحركات راقصة، تعبيرية، درامية، بتطعيمات المؤثرات الضوئية والموسيقية، واحتواء الديكور وهفهفات الملابس، وقهقهات الصغار وأنات الألم، وصرخات المفاجآت، ورعب القصف، وطفرات الأمل، وهذا ما أبرزته مديرة الفرقة ومدربتها ومرشدتها وفنانتها فريال خشيبون. ومما أعجبني كمتفرج، هو الانتقال بين الأجيال على الخشبة، وذلك تجسيدًا لبلوغ ماريا سنًا معينة. وبرز في هذا الطفل فادي رايق طعمة وماريا فيليب هلون، والانتقال بين الأولاد اليافعين حتى ميساء سبيت وناصر حنا، ثم أماني سلامة وحسام حبيب خشيبون، الذي لعب دور الحبيب، والذي يلقى مصرعه في خضم المعارك والقصف البغيض. واستعرض هؤلاء الممثلون الراقصون سيرة حياة ماريا، والتي لعبت دورها على مدى العرض كله الموهوبة ميساء خشيبون، فكان لها حضور دائم وروح هائمة ترف على العمل كله.

    أعتقد جازمًا بأن فريال المبدعة قامت بتدريب أعضاء الفرقة بجهد ومثابرة. وقد أدى الأعضاء أدوارهم بانسجام تام، وتنسيق متكامل، واحتراف يضاهي كبار الفرق الفنية المماثلة. وكذلك الأمر بالرقص الذي قدمته الفرقة، حيث عرض الراقصون والراقصات لوحات انفردوا بها وقد صممتها لهم فريال خصيصًا. وحتى التمثيل جاء كرقصات تعبيرية، فتمازج التمثيل بالرقص تمازجًا غير منفصل، وانقطعت فيه الكلمات، وانبعثت فيه الأنغام وتناسقت فيه المعاني، واستحدثت فيه الحركات. لقد توازنت تحركات الفرقة وتوزعت بنوعية وتقنية تامة.. فما كنت أرى مشهدًا منكسرًا، أو منحرفًا، أو ضعيفًا. واستطاعت فريال أن تبلور في بوتقة التوتر وقمة الحدث، نسيج الشخصيات التي سرعان ما اتفقت في ما بينها، واختلطت بعضها ببعض، منسجمة معًا في السلوك، واتخاذ القرار وطريق الحل. وإن الحدث كان جامعًا لا مفرقًا، وكان ململمًا لا مخلخلاً. ومسح على وجه القصيدة كلها صورة "ماريا" التي تناثرت مع أوراق الورد طيلة العرض المسرحي.

    فريال:

    إليك يا فريال خشيبون هذا العمل الذي بذلت الغالي والنفيس لإخراجه إلى حيز الوجود، يعود إليك تكريمًا وتحية.. هذا العمل الذي أمضيت تسعة أشهر على الإعداد والتدريب والجهد العظيم، قد ولدته مولودًا جديدًا بين يديك.. هذه المغامرة الجديدة التي دخلتها كانت جديرة لأنها عادت إليك بتجربة لا تنسى، لأننا شاهدناك في أعمال سابقة، ولا مجال للمقارنة مع ما مضى.. لأن هذا العمل الذي قدمته إلى الجمهور بمتعة المبدع، يعود إليك بمتعة المتلقي التي لا توصف.. هذه النقلة النوعية، والتغيير الذي أجريته على فرقتك وبرنامجها يفتح أمامك أفاقًا غير محدودة.. هذا العمل المتناسق بين جميع العاملين فيه يكتب لاسمك البقاء به.. هذا العمل يجعلك أهلاً لعرضه على مسارح العالم.. فإلى الأمام.. ومبروك لك.. تستحقين الاسم العالمي.
    "مَنْ لَمْ يَقْدِر عَلَىمَا يُكَفِّرُ بِهِ ذُنُوبَهُ فَلْيُكْثِرْ مِنَ الصَلَاةِ عَلَى مُحَمَّدٍوَآَلِهِ ، فَإِنَّهَا تَهْدِمُ الذُّنُوبَ هَدْماً"


  6. #6

    لغة الصورة في الإعداد الدرامي بين المسرح وفنون الشاشة

    لغة الصورة في الإعداد الدرامي بين المسرح وفنون الشاشة
    - قاسم مطرود نموذجا -
    د.هاني أبو الحسن

    هذه الدراسة اعتمدت كمنهج لتدريس الطلبة في جامعة الاسكندرية

    * كتابة الصورة بين النص المسرحي والسيناريو:

    إن الحديث عن صناعة الصورة بين المسرح وفنون الشاشة، يبدأ من مرحلة الإعداد الدرامي للعرض في حالة المسرح ومن الإعداد الدرامي لنص السيناريو الذي يستلهم نصا أدبيا . ولأن مصطلح الإعداد قد شابه كثير من الخلط عند عدد كبير من المتصلين بمجال الفنون الدرامية في المسرح أو في فنون الميديا سواء كانت إذاعة صوتية مسموعة أو إذاعة مرئية أو مرئية مسموعة في آن؛ لذا فإن البحث يتوقف أمام هذا المصطلح ضبطا لمسار توظيفه ، قبل أن يشتغل عليه في تحليله لنصه الدرامي. يتساءل كيركهوفن " مصطلح الإعداد الدرامي يحتوي على كل شيء ، ويوجد في كل شيء ، ومن الصعب حقا تحديده. فهل يمكن الحديث عن الإعداد الدرامي في المسرح المنطوق فقط ؟ وهل يوجد الإعداد الدرامي بمجالات الحركة أو الصوت أو الضوء أو نحو ذلك؟ وهل يربط الإعداد الدرامي كل هذه العناصر المتنوعة معا أم أن المسرحية تبقى بمثابة الحوار اللانهائي الذي يجري بين كل من يعمل سويا بالعمل المسرحي؟ وهل يدور الإعداد الدرامي حول روح العرض أم حول البناء الداخلى به؟ وهل يحدد الإعداد الدرامي طريقة تناول الزمن والمكان داخل الفضاء وبالتالي يتحدد السياق ، وربما الجمهور كذلك؟ وعلى الأرجح يمكن الإجابة عن كل هذه الأسئلة بعبارة واحدة هي: نعم ، ولكن"

    وبيت القصيد في ( لكن) هذه !! فمعنى ذلك أن مصطلح الإعداد الدرامي " مصطلح متسع يتعلق بتركيب العمل أي البناء الداخلى للعرض" – كما يقول هو نفسه – فقوله البناء الداخلي للعرض) يعني قصر مصطلح الإعداد الدرامي على العرض، وهنا يتداخل المفهوم مع مصطلح الدراماتورج، لذا نجد" كاثي تيرنروسين" تتوقف أمام هذا تعريف ( فان كيركهوفون ) فترى أن تعريفها غير محدد تحديدا منهجيا " ماهية التركيب والبناء الداخلي ، وبالتالي تبقى فكرة الإعداد الدرامي من الأفكار التي تتصف بالمرونة ، والتي يصعب تعريفها إلى حد كبير." على أن "فان" نفسها ترى بعد تلك العمومية التي تساءلت فيها عن دور الإعداد الدرامي ووظائفه تقترب من التحديد إذ تقول: إن للإعداد علاقة بعمليات التحليل " كثيرا ما يستخدم المصطلح كي يدل على التحليل المسرحي . وهذا التحليل نفسه يشتمل على العديد من الإمكانات . ويدور الحوار المعاصر حول المدى الواسع الذي يمكن أن تصل إليه هذه الإمكانات." كذلك يشتمل الإعداد الدرامي في الواقع" على ردود الأفعال التي تتولد لدى الجمهور ، وبالتالي يصبح العمل برمته بمثابة الحادثة الدينامية الواحدة " أما (آدم فيرسيتي ) فيرى أنه يمكن تعريف الإعداد الدرامي بأنه:

    " المعمار أو البناء في الحادثة المسرحية .

    فهو يجمع بين المكونات بالعمل وبين كيفية تركيب هذه المكونات كي يتولد المعنى أمام الجمهور." وتعقب "كاثي" فتقول : " يتضمن الإعداد الدرامي إذن عملية من عمليات التفسير تتطلب النظر إلى التوافق بين المستويات المختلفة للمعنى ، ومع ذلك ، قد يتسع مفهوم العمل باعتباره " حادثة من الحوادث المسرحية ، حتى يذهب إلى ما هو ابعد من الأداء نفسه ، بحيث يشتمل على السياق والجمهور وعلى الطرق المتعددة التي يتأطر بها العمل." أما د. إبراهيم حمادة فيتناول مصطلح الإعداد من منظور آخر مختلف فيقول: " جرت العادة على إعداد نص مسرحي عن رواية أو عن قصة . ولكن الإعداد المسرحي عن نص مسرحي ، عرف منذ القدم ، حيث كانت بعض الفرق المسرحية في العصر الإليزابيثي تعيد عرض مسرحيات شكسبير بنص آخر مختلف عن نص شكسبير ؛ كما كتبه بنفسه وتتصرف بالحذف أو بالإضافة. بالتغيير في بعض الأحداث، وفي لغة الحوار." أما د. أبو الحسن سلام مسرحي فيعرف الإعداد المسرحي بقوله: " هو تحويل عمل أدبي إلى نص مسرحي بغية إثبات قدرات مبدعه الأول على الصياغة المسرحية في حالة ما يكون هو نفسه المعد ( كما فعل بريشت عند تحويله لقصته : أوبرا بثلاث بنسات" التي اقتبسها من قبل عن أوبرا " الشحاذ " للكاتب الإنجليزي ( جون جي) ، وكما فعل في مصر "يوسف إدريس" حيث حوّل قصته " جمهورية فرحات" إلى مسرحية. وقد يكون الإعداد بسبب تضمن القصة أو الرواية أو القصيدة لعناصر درامية ، مثلما فعل أحمد شوقي ببعض قصائده . وقد يكون رغبة في نشر أكثر فعالية لمضمونها وفكرها بسبب الدور المباشر في التأثير في فن العرض المسرحي نفسه." وهو يرى أن الإعداد المسرحي يتحقق عندما : " يقوم بين مؤلف النص المسرحي والمخرج وسيط ينهض بتهيئة النص المسرحي تهيئة سابقة على الإخراج ، حيث يقوم " الدراماتورج" بإعداد النص الأصلي . " ويضيف د. سلام إلى ما تقدم أن " الإعداد من نص مسرحي إلى نص مسرحي آخر قائم على النص الأصلي ، يستند إلى أساس فكري سابق على عملية الإعداد ، من حيث المستوى اللغوي أو من حيث المستوى التقني للكتابة الأصلية للنص ، وتعارضها مع الإنتاج وقدراته ووسائله. كل هذه مسائل تشكل دافعا للإعداد عن نص مسرحي ؛ إن لم تكن مجتمعة فمسألة واحدة منها تكفي لتكون دافعا لإعداد الصياغة بتناول جديد تأسس على التناول الأصلي ، ولا تشذ منه إلاّ في عنصر أو أكثر . وهذا مغاير للاقتباس الذي لا يطابق الأصل إلاّ في عنصر رئيسي أو عنصرين." وقد يتضمن عمل المعد ( الدراماتورج) مهام أبعد من النص ، إذ يقترح بعض الممثلين على المخرج وفق ما يتناسب مع الأدوار ، ويقترح على جهة الإنتاج نصوصا بعينها تتناسب مع ثقافة سائدة في مجتمع العرض المزمع إنتاجه ، وقد يقترح على المخرج مقطوعات موسيقية ومؤثرات يراها ملائمة لمواقف متعددة في أحداث العرض، وقد يقوم بترجمة بعض النصوص المسرحية العالمية للفرقة التي ينتمي إليها – حسبما تقول د. نهاد صليحة -

    ويبدو واضحا أن ما ركز عليه د. سلام يجد ما يؤيده حول علاقة عملية الإعداد ( الدراماتورج) بالواقع الذي ينتج فيه العرض المسرحي إذ نلحظ عند "ر.كيري هوايت" أنها ترى أن النص أو الأداء " يعبر عن الثقافة التي ينشأ من داخلها ويؤثر في تلك الثقافة بحيث تصبح الوظيفة الاجتماعية جزءا لا يتجزأ من الإعداد الدرامي يأخذ في الاعتبار الأفكار الأيديولوجية السائدة وتراكيب القوة بالمجتمع وأغراض الفنون والتذبذب في الذوق العام أو في القيمة التي تتحلى بها الفنون مع دراسة العلاقة المتغيرة بين الفنان والمجتمع."

    ولا تختلف عملية الإعداد في فنون الشاشة عنها في فنون العرض المسرحي إلا من حيث التقنيات الخاصة بأصول كتابة السيناريو. أما من ناحية الإطار العام فإنها تتخذ مسارا قائما على تحويل نص أدبي أو نص مسرحي إلى سيناريو – غالبا – كما تنحو نحو تحويل سيناريو فيلم سينمائي إلى فيلم سينمائي ثان ، - وهذا غالبا ما يكون فيما بين فيلم أجنبي ناجح وفيلم محلى في بلد آخر وبلغة أخرى – ولقد دأبت السينما المصرية على إعادة إنتاج أفلام أمريكية عالجت نصوصا مسرحية وروايات عالمية ومنها على سبيل المثال فيلم ( رغبة مدمرة) بطولة الممثلة المصرية "نادية الجندي" المقتبس من مسرحية الكاتب الأمريكي الشهير ( تينسي وليامز) وكذلك كان الأمر نفسه مع مسرحيته ( قطة على سطح من الصفيح الساخن) التي اقتبست في فيلم مصري قامت ببطولته الممثلة المصرية" بوسي" أما الممثل المصري "نور الشريف" .

    ومع أوجه التقارب بين عملية الإعداد الدرامي للمسرح والإعداد الدرامي لفنون الشاشة ، تظل هناك اختلافات حرفية الكتابة بين كل منهما قائمة ، بما يحافظ على مناطق نفوذ كل فن منهما. من هنا يختلف رسم الصورة في نص كاتب مسرحي ما عنها في نص سيناريو درامي في إنتاج الفيديو ، سواء كان الكاتب النص المسرحي هو نفسه من حوله إلى سيناريو أو كانا كاتبين مختلفين . ففي سيناريو ( راشومون - ) المعد عن قصة قصيرة لا تتجاوز خمس صفحات للكاتب الروائي الياباني أكوتاجاوا وتدور أحداثها في القرن " القصة تدور في كيوتو، في القرن الحادي عشر ، عاصمة اليابان في القرون الوسطي ، وقد أنهكتها الحروب والأمراض والكوارث الطبيعية وتحت سقف راشومون نصف المحطمة والكئيبة ، وهي أكبر بوابة في المدينة ، يحتمي خادم لأحد الساموراي من الريح والمطر. وليس له مكان يذهب إليه ، إذ أصبح سيده غير قادر على الاحتفاظ به ، وتاه الخادم في تفكيره هل يظل أمينا ويموت من الجوع ؟
    أم يصبح لصا ويعيش؟ -واضطره برد الليلة العاصفة إلى أن يرتقي السلالم إلى البرج الذي يعلو البوابة. وأمكنه بواسطة ضوء أحد المشاعل أن يميز وجود عدة جثث ، ويميز أيضا وجود امرأة عجوز واهنة بين الجثث راكعة أمام جثة امرأة شعرها طويل . وكانت العجوز تنزع شعر الجثة خصلة وراء خصلة . وانتاب الخادم فزع شديد ونفور مما رأه . إنه يفضل الموت على السرقة، وخاصة السرقة من الموتى .. وهذا ما يقابل أحاسيس الحطّاب في سيناريو راشومون ، وهو يشاهد الرجل العادي وهو ينحني فوق الطفل ويبدأ في خلع ملابسه.

    ووضع الخادم حد سيفه ، أمام أنفها مباشرة ، وطلب من المرأة العجوز تفسيرا ، فردت عليه وهي ترتعد خوفا إنها تفعل هذا لكي تعيش . إنها ستصنع باروكة من هذه الخصلات ثم تبيعها . إن المرأة الميتة لم تكن سليمة التصرفات أيضا.. لقد اعتادت أن تبيع الثعابين المجففة قائلة إنها أسماك مجففة. ولو لم تكن تفعل ذلك لماتت من الجوع ، إنه نفس المنطق اللا أخلاقي الذي يدعم تفكير الرجل العادي في سيناريو راشومون ."

    إن مراجعة السيناريو المأخوذ عن قصة "أكوتاجاوا" ومقارنته بالقصة الأصلية يكشف عن أوجه اختلاف بين الأصل وإعادة كتابته في فن أدبي جديد هو سيناريو سينمائي إذ استبدل السيناريو شخصية خادم الساموراي بالحطّاب ، واستبدل العجوز بالطفل واستبدل استيلاء الخادم لملابس المرأة العجوز سارقة شعر المرأة الميتة باستيلاء الحطّاب على ملابس الطفل ، وإن ظل فعل كل من خادم الساموراي في القصة الأصلية مطابقا له فعل الحطّاب في سيناريو الفيلم المعد عن القصة نفسها ، وهو أن كلا منهما سارق مغتصب ، من أجل أن يستطيع العيش .

    على أن النص المسرحي المأخوذ عن القصة الأصلية ، وربما عن سيناريو الفيلم المأخوذ عنها ، يستبدل خادم الساموراي بالساموراي نفسه فيجعل اللص يهاجمه وهو صطحب زوجته في نزهة خلوية ويبارزه ويتمكن من الاستيلاء على سيفه ويقهره ثم يغتصب زوجته . وفي أثناء جلسة المحاكمة يروي الحطّاب رواية مختلفة عن تلك التي ترويها الزوجة عن حادثة قتله لزوجها واغتصابه لها أمام زوجها بعد أن تمكن من تقييده إلى جزع شجرة بعد أن جرده من سيفه ، بينما يدلي الساموراي نفسه الذي استحضرت روحه أمام القاضي برواية مختلفة كل الاختلاف عن ملابسات الحدث الدرامي . وتأتي شهادة رجل الدين ( الكاهن) مختلفة عن كل ما حكاه كل أطراف القضية وهنا تصبح الحقيقة نسبية. و حول هذا الأسلوب من الكتابة الدرامية يرى الدكتور.أبو الحسن سلام " أن الإعداد المسرحي لتلك القصة على هذا النحو إنما يستلهم النظرية النسبية ويكسب التأييد له . ويرى أن الكاتب المسرحي الإيطالي لويجي بيراندللو ، كان رائد هذا اللون من الكتابة المسرحية التي وظفت أسلوب المسرح داخل المسرح من ناحية الأسلوب الدرامي والفني ، وشغلت بفكرة نسبية الحقيقة ، تأثرا بنظرية إينشتين "

    لغة الصورة والزمن الدرامي
    * الزمن الدرامي والزمن الواقعي:

    " اللغة هي إحدى وظائف الزمن داخل العرض المسرحي" فزمن الفرجــة المسرحية مغاير لزمن المشاهد خارج قاعة العرض وهذا ما يؤكده مونان : "إحساس المتفرج في المسرح بالزمن مهمة العرض بإيهامه بمماثلة زمن العرض، بأن زمن الحدث الدرامي مماثل للزمن خارج المسرح. هكذا نرى الزمن في السيناريو المسرحي السابق حيث يتداخل الزمان لدى المشاهد إذ يرى ما يفعله الأشخاص الثلاثة وكأنه يحدث في زمن واحد ، حيث يكرر كل منهم ما يفعله زميلاه الآخرين، ولأن تجسيد تكرار الفعل الواحد في زمن واحد في الصورة المسرحية يتم في أكثر من زمن من حيث الحقيقة ، عير أن صورة التكرار في الحيز المكاني الذي هو أكثر من مكان- تفترض زمنا واحد للفعل عند ثلاثتهم - افتراضا وإيحاء-

    أولا: تقنية كتابة الصورة في الزمن السينمائي:

    للزمن في كتابة السيناريو حساب مختلف عن الزمن في كتابة النص المسرحي ، وهو مختلف أيضا في إخراج فيلم عن حدث درامي واحد تم تناوله في المسرح وتم تناوله في السينما ، لتمدد الزمن السينمائي وانكماش الزمن المسرحي ، مع أن من الأفلام ما لا يستغرق عرضه أكثر من ساعتين أو ساعة ونصف الساعة ، بينما يطول توقيت عرض النص المسرحي ربما لثلاث ساعات تتخللها استراحتين بين الفصول. يقول كيروساوا تعليقا على أهمية مشاركته في كتابة سيناريو الأفلام التي يقوم بإخراجها : " لا يمكن للمخرج الجيد أن يصنع فيلما جيدا من سيناريو رديء بأي حال من الأحوال ." وهو يرى أن كتابة السيناريو جزء أساسي من خلق أفلامه ، مصرا على أن " جذور أي مشروع فيلم بالنسبة لي هي حاجتي الداخلية لكي أعبر عن شيء ما ، والذي يغذي هذه الجذور ويجعلها تنمو لتصبح شجرة هو السيناريو . والذي يجعل الشجرة تطرح زهورا وفاكهة هو الإخراج."

    ولأن الزمن في الدراما بصفة عامة هو " مساحة دينامية للظاهرة المسرحية، فهي تقدم سمات معينة نجدها في الموسيقى بشكل اكبر وبطريقة منهجية" كما نجدها كذلك أيضا مع اختلاف الزمن بين المسرح وفنون الشاشة أو فنون الإذاعة المسموعة إلاّ أن الزمن في الفنون والآداب على اختلاف حساباته بينها ينقسم إلى زمن جمالى وزمن مفصح عنه وزمن تأملى وزمن موحى به . وإذا كنا في المسرح يمكننا من التعرف على اتجاهات تجربته المستقبلية ، يمنحنا مجال اختيار أوسع من ذلك الذي تبسطه أمامنا الحياة اليومية ، ويقترح علينا سلوكا ومواقف ، يمكن أن تصبح حقيقة ، فإن فنون الشاشة تفعل ذلك أيضا عن طريق الصور التي تجسد التعاقب الزمني للأحداث ، وتقوم على أسلوب الاسترجاع . فعن طريق التعاقب الزمني لعرض الأحداث عبر الصور يسمح بوجود الربط بين الأحداث وبالاستمرارية أو بقطع الحدث أو تجسيد حالات التعارض بين صورة وأخرى في مجتمع واحد أو في عصر واحد أو بين ثقافة مجتمعين أو ثقافة عصرين مختلفين . كذلك يمكن التحكم والتلاعب بالزمن في الفيلم عن طريق استرجاع صورة ما أو لقطة ما والتلاعب بالألوان لتوكيد حالة التباين بين ومن ماض - باستخدام الصور الأبيض والأسود أو الصور الباهتة - وزمن حاضر باستخدام الألوان التي طبعت بها مناظر الفيلم . كذلك يمكن التلاعب بعنصر الإيقاع وموازين ضبطه إسراعا أو إبطاء وتركيزا أو إيقاف الصورة وتثبيت الكادر أو بالإطالة أو التكرار . وهو أمر غير متحقق بالنسبة للصورة على خشبة المسرح .

    ولا شك أن من أهم ما يلتزم به أديب السيناريو عند تحويل أي رواية أو قصة قصيرة إلى سيناريو سينمائي ، أن " يقوم بدور الوسيط بين عالم الأدب الإيهامي والداخلى ، وعالم السينما الطبيعي والخارجي . وكاتب السيناريو مثله مثل السينمائي ، يفكر في صورة مرئية ، ويلزم لكل كلمة أن يراها القارئ ." فإذا وضعنا وصف المشهد في السيناريو أمام وصفه في القصة الأصلية سنجد اختلافا يكشف عن طبيعة توظيف الزمن بين كتابة فن القصة وفن السيناريو ، وذلك على النحو الآتي:

    • في سيناريو (راشومون) " لا يوجد أي استطراد للمؤلف ، أو تأمل في الشخصيات والمواقف ، ولا حتى وصف لأفكار أي شخصية أو مشاعرها: رجل الشرطة يدلي بشهادته متباهيا ، وإلى جواره يجلس اللص تاجومارو مقيدا بالحبال ويجلس خلفهما الحطّاب والقس."

    • في وصف القصة الأصلية لمشهد المحاكمة، نقرأ : " يستقر ذهنه بعد أن مرّ بنفس المنعطف مرة وراء الأخرى ، ويصل إلى نتيجة أنه ليس أمامه اختيار آخر إلاّ أنه مازال غير قادر على أن يجد في نفسه الشجاعة الكافية لكي يبرز نتيجة أنه لا بد أن يصبح لصا."

    فالفعل إذن هو أهم ما يشغل كاتب السيناريو ، وليس الوصف السردي ، وإذا كان السرد أيضا من نسيج الحوار بين الشخصيات في مواقفها المتقاربة أو المتعارضة ، وكانت له ضروراته الدرامية ، فإن كاتب السيناريو سريعا ما يلحق به صورة استرجاعية عند توظيفه للحديث عن فعل مضي وانقضي ومن أمثلة ذلك في سيناريو ( راشومون ) نفسه هذا النص من شهادة القس أمام القاضي:

    • " القس : نعم ياسيدي ، لقد رأيت الرجل المقتول عندما كان مازال حيا. نعم ، كان ذلك منذ ثلاثة أيام . وكان ذلك في فترة بعد الظهر. نعم ، كان ذلك في الطريق بين سيكياما وياماشينا."

    إلى هنا وينتهي دور السرد في شهادة القس – شبه المسرحية - لتتواصل شهادته تواصلا سينمائيا أي عن طريق الصورة المسترجعة للواقعة ، واقعة حدوث الجريمة تبعا لرواية رجل الدين حيث يوجه الإرشاد في السيناريو إلى عمل الكاميرا:

    • " يسير القس في طريق ينعطف خلال حدائق شجر البامبو ( الخيزران) ومن الجانب الآخر يتقدم ساموراي يقود حصانه من لجامه. وتوجد إمرأة على ظهر الحصان ، يتدلى جسمها من أحد جانبي السرج . ويخطو القس إلى الوراء وينظر إليهما وهما يبتعدان.

    القس ( خارج الشاشة ) :

    - قبعتها وحجاب شفاف . لم اتمكن من مشاهدة وجهها ."

    هكذا تتحول اللغة الكلامية إلى لغة مرئية ، أساسها الصورة على الشاشة ،حتى وإن صاحب الحكي السردي الصورة المجسدة للفعل أو الحدث الدرامي المحكي عنه من خارج الصورة على الشاشة .على أنه من الأهمية بمكان محافظة كاتب السيناريو على الخط الرئيسي للحبكة ، وعلى الروابط السببية بين الأحداث في العمل الذي يتم تحويله إلى السينما ، حتى وإن غير كاتب السيناريو من التتابع الزمني للحدث في الرواية أو القصة الأصلية ، فذلك متاح له ، حيث المرونة في معالجة الأمكنة والأزمنة ، ففي إمكانه ضغط الزمن أو تمديده كما يمكنه قطع تدفق الأحداث أو أن يعكس اتجاهها. عند أي نقطة يراها صالحة لإجراء حالة التحول الدرامي أو الكشف . كما يمكنه تجميد الحركة أو تكرار موقف أو تيمة معينة في حال التذكر أو الاسترجاع .. تقول إنجاكاريتنيكوفا " في السينما إن الزمن لا ينفصل عن المكان . أما في الأدب فيمكن الفصل بيتهما ، كما يمكن استبعاد عنصر المكان من السرد كلية. وإذا كان أحد الأشخاص في القصة القصيرة يكتب خطابا ، فإن المؤلف هنا يركز فقط على التجربة النفسية لهذا الشخص ن دون الاهتمام بأين يدور هذا. أما في السينما ، فيلزم لهذا الشخص أن يتخذ مكانا له .. حجرة أو مكتبة( ما لم يكن هذا الفيلم تجريبيا ويريد المخرج أن يحيط الشخصية بحيز أبيض مسطح يشغل باقي الشاشة)"

    هكذا الأمر إذن يبدو مغايرا عند الكتابة بين الفنين ( النص الأدبي القصصي ، ونص السيناريو ) إذ على خلاف النص الأدبي ، الذي يكتب عادة بالفعل الماضي ( حيث يقوم المؤلف أو الراوي أو الشخصية الضمنية) برواية حدث ماض ، ويقوم من آن لآخر بالتعقيب عليه تقييما أو نقدا أو التمهيد له قبل أن يحدث ، بينما نجد ذلك كله يصور من خلال السيناريو عن طريق الفعل المضارع ، بما في ذلك مشاهد التذكر والاسترجاع ، حيث تقدم وكأنها تحدث لحظة وقوعها الآن.

    تقنية كتابة الصورة في النص المسرحي الحداثي
    - قاسم مطرود نموذجا -

    من الطبيعي وقد طغت تأثيرات فنون الميديا على ثقافة العصر في ظل السماوات المفتوحة وتكنولوجيا الديجيتال أن تتأثر الكتابة المسرحية مع كتابة السيناريو ؛ فنرى تداخل الفنين في بعض النصوص المسرحية ، فلا نميز إذا ما كان ما بين أيدينا نصا مسرحيا أم نص سيناريو تليفزيوني أو سينمائي حتى أصبحت الكتابات النقدية تتداول مصطلحا جديدا باسم ( سينمسرح) ربما على شاكلة ما ابتدع توفيق الحكيم في مسرحنا العربي في كتابة النص المسرحي متداخلا في بنائه مع الرواية تحت مصطلح ( مسرواية: بنك القلق) . ومن أمثلة تلك الكتابات التي تأثرت بتقنيات كتابة السيناريو هذا النص للكاتب العراقي المغترب قاسم مطرود ، وهي بعنوان ( سيناريو مسرحية : حوار المصاطب ):

    ( النص )

    ( الشخصيات: - الجمهور- الرجل الأول- الرجل الثاني العازف- الرجل الثالث - الرجال الثلاثة في سن التقاعد)

    تكوينات الشكل المسرحي:

    الإطلالة الأولى

    مصطبة عادية في شارع عام تتوسط خشبة المسرح وأسفلها صندوق مقيد بالسلاسل مربوط بطرف من أطراف المصطبة. إلى الجانب الأيسر هناك مظلة لمنطقة الحافلات نصفها على خشبة المسرح والضلعين الآخرين ينزلان إلى قاعة المتفرجين ومثبت في أعلاها قطعة دون عليها أرقام الحافلات. يفضل أن تكون الأرقام هي ذاتها أرقام المدينة التي يقدم فيها العرض المسرحي. في الجهة اليمنى من خشبة المسرح يوجد عامود إشارة ضوئية. تركن بجانبه سلة نفايات من النوع الذي يثبت في الشوارع العامة. "

    * تحليل الصورة الدرامية :

    هذا النص السردي هو وصف لمكان الحدث الدرامي ، وضرورته رسم صورة المكان الذي سيجري فيه الفعل الدرامي. " ومعلوم أن الصورة السينمائية تبدأ بلقطة لمكان جريان الحدث ، وبخاصة إذا كانت الأحداث واقعية. " وحتى يكسر المؤلف عنصر الإيهام يشير إلى امتداد عامودين من مظلة موقف ركاب الحافلات إلى قاعة المتفرجين.، ليوحي بأن المتفرجين هم منتظرو قدوم الحافلات. ووصف المكان هنا لا ينفي وجود الفعل الذي هو جوهر تقنية السرد في كتابة السيناريو ، ذلك أن علامات ترقيم الحافلات ووجهة كل منها على اللافتات وعامود الإشارات الضوئية جسدت دلالة المكان ، كما أن الجمهور في جلوسه ، إنما يجسد فعل انتظار قدوم الحافلات ، وذلك يدل على فطنة الكتابة المزدوجة المراوغة التي تغازل فني المسرح والتليفزيون معا – بتعبير د. هاني أبو الحسن- في تعليقه على سيناريو مسلسل ( جحا المصري ) للكاتب المصري يسري الجندي ، والذي عرضه التليفزيون المصري من قبل عدة مرات ، حيث أعاد الجندي كتابة نصه المسرحي ( جحا والواد قلة) وهو الذي أعده أو مصّره عن نص بريخت: ( دائرة الطباشير القوقازية)

    نص م -1-

    " يدخل الجمهور عند اشتعال الإشارة الضوئية باللون الأخضر.يتابع الرجل الأول وهو جالس على المصطبة حركة الداخلين وكأنهم سيدخلون لمنطقة الحافلات.يمسك بيده ورقة يكورها ويحولها من يد إلى أخرى. يبقى طوال هذا المشهد مشخصا أنظاره إلى الجمهور دون حركة أو أي انفعال ما أن يكتمل دخول المتفرجين تتحول الإشارة الضوئية إلى اللون الأحمر."

    تحليل الصورة الدرامية :

    يربط الكاتب حركة جمهور عرضه المسرحي بإشارة اشتعال الإشارة الضوئية باللون الأخضر ، ليوحي بأننا أمام حالة عبور مواطنين من جانب الشارع إلى جانبه الآخر في اتجاه موقف الحافلات الذي دللت عليه لافتة تحمل أرقام مسار الحافلات كذلك يصور النص فعل الشخصية الأولى المراقبة التي توحي – ربما - براعي موقف الحافلات في جلسته الراصدة لحركة جمهور الركاب ، وهو يعبث بورقة حائرة الحركة - لا شعوريا - بين كفيه ، ربما تعبيرا عن حالة نفسية ، من ملل جلسته طوال نوبة عمله أو ملله من حالة التسكع تلك بلا فائدة ، حيث حافلة تجيء وأخرى تروح في فعل آلى متكرر ليس فيه جديد ، وهذا لا شك يدخل في رسم المؤلف للحالة النفسية التي تكون عليها تلك الشخصية، التي يتمثل عملها في مجرد الجلوس على المصطبة في حالة انتظار يطول بطول نوبة عمل تقترب ربما من نصف يوم بأكمله . وهذا ما يرسمه الوصف فهو يظل متبلدا دون عمل إلا الجلوس مشخصا أنظاره نحو الجمهور دون مبالاة .
    ومثلما هو الحال تتغير إشارة المرور الضوئية من اللون الأخضر بعد عبور الجمهور من جانب الشارع إلى جانبه الآخر ، فيصبح لونها الأحمر دليلا على منع المرور ، وهي هنا علامة مزدوجة الدلالة ، وكلا الدلالتين افتراضيتين ، الأولى توحي بواقعية منظر المرور في شارع عمومي ، والثانية إيهامية تشير إلى اكتمال فعل دخول المتفرجين إلى قاعة العرض المسرحي. وتلك فطنة أيضا حيث اللعب على مستويين الأول افتراضي واقعي والثاني إيهامي مسرحي .

    (تابع م1)

    " وبهدوء ينحني إلى الصندوق، يفك القفل ويزيح السلسلة، يفتحه ويخرج منه آلة موسيقية، كمان، أو ناي أو أوكرديون مع قطعة قماش لينظف بها الآلة الموسيقية وما أن يكمل تنظيفها يضعها وسط المصطبة. يخرج من الصندوق علبة صغيرة يفتحها ويضعها أمام المصطبة لتحتل المسافة بين القاعة والمصطبة ومنطقة الحافلات. يحاول بين حين وآخر تغيير مكانها لشعوره بعدم صلاحيتها، يجلس متابعا المشهد، وهكذا حتى يستقر في نهاية الأمر على مكان العلبة ليعود إلى تدخينه وتكويره للورقة. "

    * تحليل الصورة الدرامية :

    مع أن بناء الصورة منذ بداية النص يترسم مسار الأسلوب الواقعي في الكتابة الدرامية ؛ إلاّ أنه يغير مساره إلى مسار يقترب من أسلوب الترميز ، عندما يخرج الأول الذي يلتبس أمره على الجمهور فيظنه – ربما - راعي موقف الحافلات وبخاصة عندما يخرج آلة موسيقية من الصندوق الذي يحفظ حاجياته أومعدات وظيفته ، إذ ليس من المنطق أن تكون بحوزة عامل موقف الحافلات آلة موسيقية ، فليس لوجودها مبرر واقعي . غير أن الفن والأدب يقوم على الاحتمال أكثر مما يقوم على الضرورة. وهنا يكون وجود آلة موسيقية في حوزة رجل في موقف الحافلات محتملا في صناعة الصورة ، لخلق نوع من الدهشة لدى المتفرجين ؛ عندما يقاربون بين طبيعة عمل من التبس عليهم أمره فظنوا أنه عامل موقف الحافلات ، وبدي غريبا احتفاظه بآلة موسيقية في صندوق مهمات العمل، وهو ما يولد التساؤل لدى المتفرج ؛ لأن كل ما يكون غريبا لافتا للنظر؛ يؤدي إلى دهشة الناظرين. ولا تساؤل إلا بعد دهشة ، تتطلع إلى إجابة . وهذا من أثر التغريب الملحمي . على أن إخراجه للآلة الموسيقية وللعلبة التي يتحير في انتقاء مكان مناسب لها . وما أن يستقر على المكان المناسب لها يعاود العبث بتكوير ورقة ولقفها بين كفيه في حركة تبادلية آلية ، كما لو كان بينه والأوراق ثأر أو عدم ارتياح !! فضلا عن استمرار مراقبته للجمهور مع التدخين. هذه الحركات التي تبدو غريبة ، ترهص بعم الارتياح من ناحية ، وبعدم تحقق المتفرجين من هوية هذا الرجل ، هل هو راعي موقف الحافلات أم أنه صعلوك مقيم في موقف الحافلات ، باعتباره سكنه ومأواه ، أم هو حاو أو لاعب أكروبات أو موسيقي ممن يحترفون التسول من خلال عرض مهارتهم على جمهرة الناس في موقف حافلات عمومي أو ساحة عمومية .
    ـــــ
    م -2-

    " ببطء ينهض الرجل الأول متقدما إلى سلة النفايات ينظر ما بداخلها ومن ثم يرمي الورقة فيها وما أن تستقر، يعيد النظر إلى باطن السلة ثم يعاود الجلوس بنفس الإيقاع الرتيب. يخرج علبة سجائر يتأملها يأخذ سيجارة منها يشمها يدورها بين يديه يرص التبغ إلى عقب السيجارة وقبل أن يشعلها، يدس العلبة في جيبه ثم يشعل سيجارته ويسحب نفسا بعمق وببطء ينفثه إلى الأعلى، يتأمل دخانه الذي يرتفع عاليا،يتابعه،يبقى مشخصا نظره إلى السماء،يقف ومازالت نظرته كما كانت، وكأنه ينتظر نزول شيء من السماء."

    * تحليل الصورة الدرامية:

    هاذ الوصف لحركة الرجل ، كله موجه إلى عمل المصور التليفزيوني ، إلى عين الكاميرا، التي هي أيضا عين جمهور المتفرجين على هذه الحالة التي يمثلها الرجل، إذ نحن مازلنا نشاهد حالة درامية ، ولا نشاهد حدثا دراميا ، وهذا جوهر البناء الدرامي في مسرح العبث ، حيث تجاور حالات لا منطق لها، فها نحن نفتش عن منطق ما فيما يفعله هذا الرجل في هذا المكان . المكان معالمه واضحة ودالة على طبيعته ، فكل ما يشتمل عليه يؤكد حقيقة دلالته على أنه موقف للحافلات العمومية ، حتى بما في ذلك جمهور المشاهدين – وفق حالة دخولهم وانتظارهم الذي قد يمتد ببعضهم إلى الجلوس تحت الجزء القائم منها في قاعة المتفرجين، لكن الذي لا منطق فيه هو التداعيات الحركية التي يقوم بها ذلك الرجل القلق ، بتحركاته وأفعاله الجزئية الآلية والمتقافزة ، دون مبرر واضح لنا ، وربما له هو أيضا، ففي المكان منطق الدلالة على هويته ، وفيه أيضا – وفي الوقت نفسه - مظهر العبثية متمثلا في عدم وضوح مبررات وجود هذا الرجل هنا. أو بمعنى آخر نحن أمام منطقية المكان وعبثية الشخصية في وقت واحد.

    م - 3 -

    ( يدخل الرجل الثاني يمشي كالسلحفاة وما أن يظهر على خشبة المسرح يعطس، يمسح أنفه بمنديل ورقي وقبل أن يصل المصطبة يرفع يده إلى الأول بمعنى التحية ويرد الأول بمثلها.. يجلس على وسط المصطبة بعد أن يحمل الآلة ليضعها في حضنه. يحدق هو الآخر إلى منطقة الحافلات وإلى الجالسين دون النظر إلى الأول وكأنه غير موجود، وهكذا يفعل الأول. يعطس الثاني مرة أخرى وبسرعة يخرج منديله ألورقي من جيبه ليمسح انفه. يهيئ آلته ليباشر بالعزف، يحدق إلى العلبة ودون سابق إنذار يوقف العزف متجها إلى العلبة ليغير مكانها قليلا، ثم يعاود عزف قطعة أخرى لا علاقة لها بالقطعة الأولى، يتوقف.. يعطس. ينتفض الأول واقفا مبتعدا عن المصطبة محاولا عدم إيضاح السبب بالذهاب إلى منطقة الحافلات لقراءة أرقام الحافلات ثم يعود للجلوس بعد أن يهدأ عطس الثاني وقبل أن يجلس، ينهض الثاني ومعه آلته متجها إلى سلة النفايات ليرمي منديله ألورقي. يعود ثانية مع الإحساس بالعطس ولكن دون أن تكتمل، يشرع بعزف قطعة أخرى لا رابط لها بالقطعتين السابقتين.

    ينظر الثاني إلى الأول الذي مازال يدخن، وهكذا يبادله الأول النظرة وبسرعة يعودان إلى وضعهما السابق لكن الثاني وبسرعة يشير برأسه إلى سيجارة الأول ليسأله عن سيجارة مثلها له. في الحال يخرج الأول علبته ليستل سيجارة ويقدمها إليه مع ولاعة.. يأخذها الثاني بعد أن يوقف العزف، يشكره بحركة من رأسه أيضا. يعود الأول للنظر إلى الأمام بتغير حركة الأقدام والأيدي للتعبير عن الضجر.

    يدخن الثاني بسرعة وكأنه يتسابق مع أحد على استنشاق الدخان وإخراجه، يسحب ثلاثة أنفاس أو أربعة متتالية دون إخراج الدخان ومن ثم ينفث دخانه مرة واحدة كأنه خارج من فوهة معمل محروقات، يكمل سيجارته وبسرعة يقف.
    يضع آلته على المصطبة، يتجه إلى حاوية النفايات وما أن يصل يسعل بشدة. يطفئ سيجارته بحافة الحاوية ومن ثم يرمي عقب سيجارته. يفكر قليلا، يعود إلى المصطبة، يأخذ آلته، يعزف وهو ينظر إلى جانبي الشارع الذي لم يأت أي شخص منه ليرمي إليه قطعة نقود.

    يبطئ عزفه كأنه جهاز هبطت بطاريته، يمتعض بدفع شفته السفلى إلى الأمام وكأنه يأس من رزق هذا اليوم، يتوقف عن العزف. خلال هذا المشهد يخرج الأول سيجارة أخرى من علبته ويمسكها كالسيف ليقدمها للثاني الذي يشكره ويعود إلى تأمل الشارع وفي الحال يدخنها هو.)

    تحليل الصورة الدرامية :

    إذا كانت الشخصية عن أرسطو محكوم عليها بمبدأ جمالي أولا وبمبدأ أخلاقي ثانيا، فبأي منهما يحكم رسم الشخصية في الدراما العبثية؟ - حسبما يتساءل الدكتور. أبو الحسن سلام في إحدى محاضراته - بخاصة وأن من دواعي بناء الصورة في الدراما العبثية ألا تتصف بالجمالية ، ؛ باعتبار فعلها مناقض لقولها، وباعتبار بناء الحالة الدرامية على - طلب المنطق في وسط عبثي- كما أن قياس الشخصية العبثية ، لا يجري وفق قياس القيمة الاجتماعية ؛ بحكم كونها شخصية نمطية ، مجردة ، تعبر عن الإنسان في المطلق ، شأنها شأن الدراما الوجودية: ( نموذجا للأنا في مواجهة الآخر) "

    فإذا صحت نظرتنا إلى الشخصيات النمطية الثلاث في هذا السيناريو المسرحي الذي بين أيدينا ، من حيث حسبناها على النزعة العبثية في الكتابة الدرامية ، فإن دخول الثاني وإن كان منطقيا باعتباره أحد المنتظرين لقدوم الحافلة في موقف الحافلات أو باعتباره أحد المتسكعين ؛ فيبدو من الغريب أن يحتضن الآلة الموسيقية؛ وقد سبق أن رأينا الشخص الأول يفض قفل صندوقه ويخرجها منه ويتخير لها موضعا ملائما – من جهة نظره – ليضعها فيه من المصطبة ، بما يوجي بملكيته لها . وهنا يصبح غريبا إذن أن يأتي شخص آخر غير ذلك الشخص الأول ليتعامل مع الآلة الموسيقية دون أدني اعتراض من الأول الذي ظننا أنه صاحبها ، ولأن ذلك يبدو غريبا أو غير مألوف ، لذا يدفع المشاهد الواعي إلى التساؤل بينه ونفسه ، ليضع بنفسه إجابة افتراضية ، فيقول لنفسه ( ربما هذا للدلالة على أننا بإزاء شخصية واحدة منقسمة ) وهنا يصبح تجسيدها في البنية الدرامية للموقف أو الحالة الدرامية التي نناظرها ضرورة من ضرورات الصياغة الدرامية الحداثية القائمة على تداخل الأمكنة والأزمنة وتداخل الشخصيات أو انقسام ذاتها إلى شخصيتين ؛ للإيحاء بتناقضها من ناحية ، ومن ناحية ثانية ، للدلالة على أنها نمط اجتماعي متكرر في هذا المجتمع الفاسد المتردي ، الذي يعجز عن توفير أبسط حقوق المواطنة لمواطنيه أو توفير أدنى حد من حدود الكرامة الإنسانية.فالصورة إذن تعكس واقعا اجتماعيا نشهده في بلاد عربية كثيرة شرقا وغربا ؛ بينما الشكل أو الأسلوب يعنى بتصوير ذلك الواقع تصويرا يقوم على الاحتمال الدرامي الحداثى ، تأكيداعلى نمطية التعدد في رسم الشخصية الواحدة منقسمة إلى ذوات متعددة في مكان وفي زمان واحد . وهنا يحتمل حلول الشخص الثاني محل الشخص الأول وحلول الشخص الثالث محل الشخص الثاني أو محل الشخص الأول أيضا ، فثلاثتهم ذات واحدة متكررة ، للإيحاء بتعدد نمط الصعلكة والبطالة المتسكعة سعيا وراء الاستجداء المقنعّ ، لذلك لا فرق في قيام الثاني أو الثالث بمهمة العزف على الآلة ، فهي هنا وعلى تلك الصورة ليست موضوع ملكية، وإنما هي أداة كأي أداة تتخذ قناعا لاستجداء ؛ لا يهين كرامة الشخص ، لأنه يشعره بأنه ينال أجرا عن عمل قام بأدائه – بصرف النظر عن عدم طلب أحد ما لخدماته – ففي الواقع المعيش ، لا يحتاج السائل إلى من يطالبه بالتقنع خلف عمل غير مناسب ، ولا حاجة له عند أحد ؛ إنما هو مجرد وسيلة مستترة لطلب الإحسان – بغض النظر عن إجادته لاستخدام تلك الوسيلة أو استحسان الناس لما قدم أو امتعاضهم مما قدم- المهم هو حصوله على ما يسد به رمقه ويوفر له تبغه ، ويكفيه أنه مستمتع بما قدم ومقتنع بأن ما قدمه هو مهارة لا يقدر عليها غيره، ممن يستمعون أو يرون ما يقدمه. ولا يصرفنا تعامل أي منهم للآخر بوصفه ذاتا أخرى ثانية أو ثالثة ، كأن ( يقدم الأول للثاني سيجارة ، لمجرد إشارة الثاني تلميحا إلى حاجته إلى سيجارة أو يقدمها اله طواعية دون أن يطلبها ، أو أن يشكر الثاني الأول ، أو أن يطالع الثالث جريدة ، ويناولها لأحدهم فور طلب الإطلاع عليها) لا يصرفنا عن فكرة توحد تلك الشخصيات الثلاث في شخص واحد هو نمط متعدد الأعمار للصعلكة ، التي هي صورة من صور تردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي انتشرت في مجتمعاتنا ، نتيجة للفساد ولسوء الإدارة وغياب العدالة وانتشار البطالة وغيبة التكافل الاجتماعي ، ومظاهر القهر الاجتماعي والسياسي .

    م- 4

    ( يدخل الثالث وهو أكبرهم سنا يجر خطاه بصعوبة مرتديا معطفا لا لون فيه، يصل المصطبة، يجلس على الطرف الآخر من المصطبة. بعد جلوسه يأخذ نفسا وبحركة بطيئة يرفع يده بمعنى التحية ويبادلانه التحية بمثلها. يفعل هو الأخر كما فعل الاثنان من قبل بالنظر إلى الأمام وكأنه جالس وحده يخرج من جيب معطفه جريدة يجرها كأنها سيف.يطالع الجريدة ويحرك رأسه يمينا وشمالا.يعطس الثاني.يغلق الثالث جريدته. تعتم الإضاءة على المصطبة ولا نشاهد سوى حركة جمر السيجارتين. تركز بقعة ضوء على منطقة الحافلات مع صوت ذهاب وإياب لمجموعة الحافلات وأصوات فتح وإغلاق الأبواب وصعود ونزول الركاب.تعود الإضاءة إلى المصطبة بعد اختفاء سيجارة الأول.يحاول الثالث طي جريدته وإعادتها إلى معطفه.وقبل ان يخبئها يطلبها منه الأول بإشارة إلى الصفحة الأخيرة.

    يفرد الثالث الجريدة ويسلمه الصفحة التي يريد ليعاود هو قراءة الصفحات المتبقية وكلاهما يحركان رأسيهما وكأنهما يجريان مسحا للسطور. يبقى الثاني محدقا إلى الأمام وفجأة يطلب من الثالث سيجارة بإشارة التدخين، وبسرعة يخرج الثالث علبته ويسلمها إليه ويعود مسرعا للقراءة وكان لديه امتحان أو يتسابق مع الأول. يطلب الثاني من الأول قداحة وهكذا يفعل الأول كما فعل الثالث بتسليمه القداحة والعودة إلى قراءة الجريدة بالسرعة نفسها. يشعل الثاني سيجارته ويدخنها كما فعل من قبل بسحب عدد من الأنفاس قبل نفثها إلى الخارج، يشعر بالسعادة يجلس على الأرض متأملا دخانه مقتربا من علبة النقود.يلتفت لأخذ آلته معاودا العزف ونظره وسط العلبة.

    ينهض ليمشي خلف المصطبة ذهابا وإيابا دون سبب وهو مازال يعزف، ثم يعود إلى مكانه. في الوقت نفسه ينهض الأول، يمشي كما مشى الثاني غالقا جريدته حينا ومتابعة قراءته حينا آخر ويكرر نفس حركات الثاني ثم يعود للجلوس.
    وقبل أن يجلس الأول ينهض الثالث إلى سلة النفايات ليرمي الجريدة فيها ثم يعود إلى الجلوس بعد أن يخلع معطفه.)

    م -5-

    (ينهض الأول متجها إلى سلة النفايات، يخرج الجريدة ليرتب صفحاتها مع باقي الصفحات التي لديه ثم يتجه بها إلى جانب منطقة الباص. وما أن يقف ينتقل وبسرعة إلى جانب الإشارة الضوئية التي تشتعل إلى اللون الأخضر، ليطلع عليها وحال وصوله تختفي الإضاءة ولا يبقى سوى ضوء الإشارة الضوئية فقط، وإلى جانبها الرجل الأول مطالعا جريدته، يتأمل السماء حين، يتأفف ثم يعود إلى القراءة وبسرعة يعود إلى المصطبة التي تعود الإضاءة إليها، وخلال هذا المشهد يستمر عزف من الثاني وكأنه يأتي من بعيد.)

    م -6-

    (حال عودة الأول، ينهض الثاني بشكل سريع إلى منطقة الحافلات وكأنه ينتظر قدوم الحافلة وهو مازال يعزف.
    يتابع مسار الشارع من الاتجاهين وفي السرعة نفسها يعود إلى المصطبة. حال عودته ينهض الأول وبنفس السرعة يخرج من يمين المسرح، وكأن شخصا استدعاه بعد أن يضع الجريدة في يد الثالث.)

    تحليل الصورة الدرامية ( م 4-6) :

    لاشي لدينا في هذه البنية الدرامية للسيناريو سوي الصورة ، مرسومة عبر لغة الوصف السردي للفعل ، الذي يتوجه بالصور الجزئية الجسدية نحو دلالة الصورة في البنية الكبرى للسيناريو . هو أسلوب مسرح الصورة إذن. وهذا هو المؤلف نفسه قاسم مطرود يقول : " وظيفة المسرح أن يحول الكلمات إلى صورة حية نابضة تقرأ كما تقرأ الكتابة الصورية حسب النص الفرويدى "

    م -7-

    (يبقى الثالث والثاني يحدقان بالمارة والحافلات والسكون بطل المكان. يخرج الثاني شمعة من جيبه..يحرك يده أمام الثالث بمعنى إشعال قداحة..يبحث الثالث في معطفه طويلا وفي الآخر يعثر عليها فيقدحها ويوقد الشمعة. يتقدم الثاني إلى العلبة ويضع شمعته إلى جانبها..يأخذ الثالث الآلة الموسيقية ويسلمها إلى الثاني مشيرا له بالعزف قرب العلبة والشمعة، وهكذا يفعل الثاني بعد أن يجلس على الأرض ليعزف قطعة شبه حزينة..يدخن الثالث ويقدم سيجارة إلى الثاني الذي يرفض استلامها بحركة من رأسه..يتابع الثاني عزفه ومراقبته للمارة وبحزن أكثر يبطئ من عزفه.. ينهض ويعود إلى الثالث ليسلمه آلته الموسيقية ويخرج من الجهة اليسرى للمسرح وكأنه خسر العالم..يتابعه الثالث ويشاركه الحزن.)

    م -8-

    (ما أن يختفي الثاني ينهض الثالث بهدوء.. يأخذ العلبة ليضعها والآلة في الصندوق..يعيد قفلها وربطها إلى المصطبة..يقف يتأمل جميع الأشياء من حوله حتى يستقر نظره على الشمعة الموقدة..يأخذها ليضعها على المصطبة في مكان الرجل الثاني..يتأملها قليلا ثم وبهدوء أيضا يخرج من الجهة اليمنى.)

    وألاحظ في تحليلي لنصوص أخرى للكاتب نفسه أن فكرة الانتظار تشكل ( تيمة ) متكررة في بعض أعمال قاسم مطرود.
    ويرى أن ذلك يمثل خاصية في عدد من مسرحياته ، ويعلل ذلك التكرار ، بآثار ما يحدث في العراق ، حيث يبدو الواقع يعيش يومه كما عاش أمسه ، فكل الصور نمطية وهي صور متكررة في كل بقعة في ذلك البلد المنكوب بسياساته وساسته ، حيث الجيوش الأجنبية الغازية تحتل أراضيه ، وتعيث فسادا في طرقاته وتقتحم الدور ، فضلا عن انتشار عصابات الإرهاب التي تقتل الناس على بطاقة الهوية . ويرى د. هاني أن ذلك الوضع أصاب البلاد بالشلل شبه التام ، دون أن يكون في يد أحد فعل شيء غير الانتظار . ويستدل د. هاني على تكرار " تيمة " الانتظار في مسرح مطرود بنص آخر من نصوصه هو نص ( دمي .. مدن وخرائط ) حيث بنى الحدث على ثلاثة شخصيات هي ( الرجل – المرأة – السائق) إذ يمهد الكاتب للحدث بالنص الإرشادي الآتي: ( سيبنى نص العرض على براعة انتقال الممثل من مشهد إلى آخر . وهذا يعني انتقال من زمن إلى آخر ، فهو يقوم بتجسيد أزمنة فائتة ، ويعود في الحال إلى ما كان عليه آنفا. "
    ومع أن أسلوب أداء الممثلين هنا هو أسلوب المسرح داخل المسرح أو ما يعرف بالتمثيل داخل التمثيل ، إلاّ أن هذا الأداء التمثيلى لا يعد لونا من ألوان التكرار بهدف إحداث حالة ملل ، كما يحدث مع شخصيات النص ( سيناريو مسرحي ) لأنه هنا تكرار بهدف الاسترجاع flash back يستهدف ربط موقف من الماضي بموقف آني حاضر ، ربما لتماثل بين الموقفين واستدراك الشخصية لذلك التماثل أو المقاربة بين فعل ماض وفعل حاضر ، للدلالة على أن الماضي يتكرر . كما أن ذلك من التنويع وهو ركيزة أساسية في تكوين الصورة الجمالية بتعبير د. أبو الحسن سلام . فضلا عن دلالة رجوع الحاضر للماضي ، وكأن الإنسان يكرر نفسه ويكرر فعله الذي مضي في حاضره. على أن ( تيمة ) الانتظار في ذلك النص أيضا تتضح مع بداية التفاعل مع الشخصيات في المشهد الرئيسي مع لقاء التعارف المبدئي:

    " المرأة + الرجل في نفس الوقت : هل تنتظر ؟
    الرجل : أجل السائق .. وأنت ؟
    المرأة : السائق أيضا.
    الرجل : ستذهبين إلى العراق ؟
    المرأة : طبعا
    الرجل : ولماذا طبعا ؟
    المرأة : لأن هذا الموقف هو موقف السيارات القادمة والذاهبة إلى العراق .
    الرجل : معك حق ( برهة) هذه الزيارة الأولى ؟
    المرأة : أجل بعد عمر طويل .
    الرجل : أشعر أن قلبي يخرج من جسدي كلما فكرت باللحظات التي سألتقي
    بها الأهل.
    المرأة : كم مضى عليك بعيدا عن الوطن ؟
    الرجل : السنوات التي لم أر فيها الوطن والأحبة والأهل هي عمر فتي قد حقق الكثير من أحلامه ( برهة) لا ينفع مع الغربة غير الحسرات ، وتأمل دخان السجائر
    المرأة : الغربة قاسية
    الرجل : ما عرفت طعما للألم إلاّ في الغربة "" فترة صمت قصيرة"
    المرأة : هل أنت متأكد أن السائق سيأتي ؟
    الرجل :: أكيد
    المرأة : أنا خائفة
    الرجل : من السائق ؟
    المرأة : من كل شيء."

    الصورة تتقارب مع الصورة الرئيسية في المسرحية السابقة ( سيناريو مسرحي)

    انتظار خارج الوطن في موقف سيارات أجرة هذه المرة ؛ في مقابل انتظار جماعي داخل البلاد في موقف الحافلات الذي هو بمثابة رمز للوطن نفسه . والغربة في مقابل الاغتراب ، حيث يعيش المواطن العربي داخل الوطن موقوفا في حالة اغتراب نفسي دائم ، في انتظار فك قيود اغترابه .. عزلته النفسية ، حيث يعيش في المكان جسدا ولا يعيش روحا ، لا يعيش حالة مواطنة ، كما يعيش خارج وطنه حالة غربة مكانية مادية وحالة اغتراب نفسي معا. وقد لاحظنا حالة اغترابه داخل بلده ( الذي يرمز له بموقف الحافلات ) في انتظار الرحيل عن موطنه دون أمل في ذلك . لقد عاش المثقف العراقي في فترات ما قبل الغزو الأمريكي السافر لبلاده حالة اغتراب داخل وطنه ، حتى أن أكثر من مليوني مواطن عراقي هاجروا إلى بلاد أجنبية أوروبية ، بينما ظل من لم تتح له فرصة الخروج وهو يوقف نفسه قيد الانتظار ، على أمل إتاحة منفذ أو مهرب للخروج فرارا من موطنه ، مفضلا الغربة على الاغتراب ظنا منه أن الغربة المكانية ستنفي عنه شبح الاغتراب أو الغربة النفسية والإحساس الدائم بأن وطنه ليس وطنه !!

    ولكن غربته عن وطنه الأم لم تبعد عنه شبح الاغتراب، وهذا ما رأيناه فيما صورته كلا المسرحيتين ، فالأولى صورت غربة المواطن النفسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية اغتراب مواطنته) أما المسرحية الثانية فصورت حالة غربته المكانية،التي تحولت إلى حالة اغتراب نفسي،إذ حقق ذاته اقتصاديا واجتماعيا،لكن ثقافته مازالت مغتربة أو تشوبها روح الاغتراب لأنه يحمل ثقافتين ثقافة موطنه الأصلي وثقافة موطنه الثاني ( بلد غربته) وهذا ما عبرت عنه المرأة في نص ( دمي.. مدن وخرائط ) عندما قالت : " عمري محطات هجرتها الذاكرة"

    وما كان هذا التعبير إلا دلالة على حالة الازدواجية الثقافية أو الانكفاء المزدوج الذي تعيشه في غربتها خارج وطنها. الحنين يشد الشخصية من عنقها في اتجاه الأهل والوطن . غير أن الخوف من المجهول الذي تركته ، وهي تعرف أنه من حال دون حصولها على حقوق المواطنة ، مازال ذلك المجهول موجودا ، لم يتغير، وكل ما في الأمر أنه قد بدّ ل أقنعته ، غير أنه في كل الحالات، يخفي تحت القناع وجهه التسلطي الإرهابي."

    كذلك نلحظ تكرار عدد من العلامات بين النصين :" موقف الحافلات في مقابل موقف السيارات – رسم الشخصيات رسما نمطيا – تيمة الانتظار – الحنين للرحيل في مقابل انتظار الرحيل الجماعي المأمول – حالة الاستكانة لدي شخصيات النص الأول التي هي بمثابة شخصية واحدة أو مواطنة منقسمة الذات لا تملك إلاّ الانتظار دون أمل – نفث دخان السيجارة وتأمل دخانها – استعارة السجائر بين شخصية وأخرى . فضلا عن واقع الاستكانة. انتظار دون أمل في وجود وسيلة للرحيل عن المكان (خارج البلاد) في النص الأول في مقابل حالة التلهف والحنين الجارف المشوب بالخوف نحو الرحيل إلى الوطن في النص الثاني"

    ومع كل ذلك الإحباط على المستوى العام إلاّ أنه تبقى هناك بصيص من ضياء ، وإن كان شاحبا ، وهذا ما ترمز إليه الشمعة في ذلك النص السينمسرحي:

    م-9

    (تبقى خشبة المسرح فارغة لبضعة دقائق إلا من الشمعة التي يتضاءل ضوؤها حتى تنطفئ، بعد انطفاء الإشارة الضوئية، وخلال هذا الصمت يمكن أن تلعب الإضاءة دورا في التعبير، بأننا انتهينا من يوم ودخلنا في يوم آخر )

    تحليل الصورة الدرامية:

    في المشاهد السابقة يدخل عنصر درامي جديد هو بمثابة معادل رمزي للإنسان ممثلا في مراحله العمرية التي يعد الأشخاص الثلاثة معادلا رمزيا أول لها. أما المعادل الرمزي الثاني فيتمثل في الشمعة ، أما ضرورته الدرامية فهي ضرورة توكيدية ، بوصفها دال على دور الإنسان في الدنيا ؛ فهو يكد ويشقى لينير طريق حياته البشرية ، متوهجا ، ومع مرور الزمن به يقل توهجه وعطاؤه ويزوي كما تذوي الشمعة إلى أن تنطفئ : ونلاحظ هنا ما قاله د. أبو الحسن سلام حول خاصية الرمز في المسرح واختلافها عن صورته في الأدب ، إذ يرى ( الرمز في المسرح مجسدا ، على خلاف صورته التجريدية في الأدب؛ مستشهدا بظهور "براكساجورة " وبيدها القنديل مضيئا في الفجر وهي تخرج متخفية في عباءة زوجها لتقوم مع عدد من النسوة بانقلاب برلماني ، تحكم النساء بوساطته على مقاليد الحكم في البلاد بديلا للرجال . والقنديل هنا رمز لإضاءة النساء للظلام الذي تسبب فيه حكم الرجال للبلاد)

    الإطلالة الثانية م -10-

    " يدخل الأول كما دخل في الإطلالة الأولى ويجسد نفس الحركات.. يجلس..يتأمل الشمعة المنطفئة والتي لم تنته .
    يمسك بيده ورقة يكورها ويحولها من يد إلى أخرى. يبقى طوال هذا المشهد مشخصا أنظاره إلى الجمهور دون حركة أو أي انفعال.

    ببطء ينهض الرجل الأول متقدما إلى سلة النفايات ينظر ما بداخلها ومن ثم يرمي الورقة فيها وما أن تستقر، يعيد النظر إلى باطن السلة ثم يعاود الجلوس بنفس الإيقاع الرتيب. يخرج علبة سجائر يتأملها يأخذ سيجارة منها يشمها يدورها بين يديه يرص التتن إلى عقب السيجارة وقبل أن يشعلها، يدس العلبة في جيبه ثم يشعل سيجارته ويسحب نفسا بعمق وببطء ينفثه إلى الأعلى، يتأمل دخانه وكأنه ينتظر نزول شيئا من السماء."

    م -11-

    " وبهدوء ينحني إلى الصندوق، يفك القفل ويزيح السلسلة، يفتحه.. ويخرج منه الآلة الموسيقية مع قطعة قماش لينظف بها الآلة الموسيقية

    * تحليل الصورة الدرامية (م 10-11) :

    لا جديد مغاير لما حدث في المرات السابقة خلال الإطلالة الأولى. دخول الأول في اليوم التالي ، وجلوسه ، وتكويره للزرقة في يده ، وشخوص نظرته نحو الجمهور المنتظر انتظارا وهميا للحافلات ، وإلقاء الورقة المكورة في سلة النفايات ، والنظر في باطن سلة النفايات ، ثم المشي ببطء إلى مكان جلوسه السابق ، وإخراج سيجارة من علبته ، وإشعالها وتأمل نفث دخانها. وفك قفل صندوق الآلة الموسيقية وانتقاء مكان مناسب يضعها فيه. لا جديد سوى تأمله للشمعة الذابلة التي كانت في طريقها للموت. باعتبارها رمزا تجسيديا في حالتها تلك لبقايا من اليوم الفائت . وهذا التكرار ، هو أحد عناصر أسلوب كتابة المسرحية العبثية.، وهو هنا تكرار للتوكيد على حالة الرتابة والملل التي يعيشها الناس - كل الناس - إذا اعتبرنا جمهور هذا العرض المسرحي بمثابة ركاب الحافلات في انتظار قدوم الحافلات ، فلا شيء سوى الانتظار ، لأن الوسيلة المنتظرة لم تأت بعد ن وقد مر يوم بليلة ( إذا نظرنا إلى الإطلالة الأولى باعتبارها يوم بأكمله) ، فهو انتظار عبثي ، فيه إضاعة للوقت وضياع للأشغال أو للراحة ، فكل شيء متوقف لعدم وجود وسائل انتقال من المكان(الموقف) إلى أماكن – حسب وجهة المكان الذي سيتوجه إليه كل منتظر -
    ـــــــــــــــــــ
    م -12-

    (يدخل الثالث الذي يجسد مشهده ذاته، بجر خطاه بصعوبة مرتديا معطفا لا لون فيه، يصل المصطبة، يجلس على الطرف الآخر من المصطبة. بعد جلوسه يأخذ نفسا وبحركة بطيئة يرفع يده بمعنى التحية ويبادله الأول التحية بمثلها.
    يفعل هو الأخر كما فعل من قبل بالنظر إلى الأمام وكأنه جالس وحده يخرج من جيب معطفه جريدة ويمكننا إيضاح بأنها عدد جديد عبر صورة الصفحة الأولى يجرها كأنها سيف.يطالع الجريدة ويحرك رأسه يمينا وشمالا.

    تركز بقعة ضوء على منطقة الحافلات مع صوت ذهاب وإياب لمجموعة الحافلات وأصوات فتح وإغلاق الأبواب وصعود ونزول الركاب.تعود الإضاءة إلى المصطبة بعد اختفاء سيجارة الأول.يحاول الثالث طي جريدته وإعادتها إلى معطفه. وقبل ان يخبئها يطلبها منه الأول بإشارة إلى الصفحة الأخيرة. يفرد الثالث الجريدة ويسلمه الصفحة التي يريد ليعاود هو قراءة الصفحات المتبقية وكلاهما يحركان رأسيهما وكأنهما يجريان مسحا للسطور.

    وبين الحين والآخر ينظران إلى مكان الثاني الذي تأخر وإلى آلته الموسيقية وعلبته، يتوقفان عن القراءة ويسال الثالث الأول عن الثاني بحركة من رأسه فينهض الثالث بصعوبة متجها إلى الجهة التي خرج منها الثاني، مشخصا أنظاره إلى الطريق الذي لم يأت منه احد.)


    م -13-

    ( يلتحق به الأول الذي يشاطره النظر في الزاوية ذاتها، وفي الوقت نفسه يخرجان سجائرهما ويشعل احدهما سيجارة الآخر.يدخنان ويطوفان في أرجاء المسرح انتظارا يتوقف احدهم ويتحرك الآخر، وحال ذهاب احدهم إلى مكان فيتجه إليه الآخر وفي نهاية الأمر يعود الثالث إلى المصطبة وهو يلفظ أنفاسه بصعوبة. يمسك الآلة ويحاول العزف إلا أنه يصدر أصواتا مزعجة فيتوقف.يعود الأول إلى مكانه أيضا، وفي الوقت نفسه يخرجان قداحتيهما ويقدحانها لإشعال الشمعة، تفشل المحاولة الأولى والثانية والثالثة وأخيرا يشعلان الشمعة. يأخذها الثالث ليضعها في نفس مكان العلبة.يلملم الأول أغراض الثاني ويضع الآلة والعلبة في الصندوق.)

    م -14-

    ( يقفان..يتأمل احدهما الآخر وبحزن يفترقان ويخرجان إلى نفس المدخل الذي دخلا منه..تختفي جميع الإضاءة تبقى الشمعة وحدها مشتعلة مع آخر قطعة موسيقية عزفها الثاني.)

    تحليل الصورة الدرامية في المشهد الأخير:

    لا يتبقى في النهاية إلا حالة التوحد ، في الفعل ، وفي المصير المنتظر الذي لا يأتي مع أنه معلوم ومتوقع ، لا شيء في النهاية مغاير لما كان منذ البداية ، حيث دائرية الأسلوب ، كما لو كانت البداية والنهاية هي بمثابة قوسين لفعل متكرر من شخصية متشظية ، أو مواطنة منقسمة الذات هو فعل انتظار لا نهاية له ولا طائل من ورائه. هذا من حيث المضمون أما الشكل أو الأسلوب فهو " ملتبس الأسلوب ومتداخل التقنيات مابين تقنيات الكتابة المسرحية وتقنيات سيناريو فنون الشاشة، وأرى أن بين هذا الأسلوب و ما يدعو إليه "جيرزي جروتوفسكي" صلة قربى استشهادا بدعوة جروتوفسكي إلى ما أطلق عليه (مسرح نظير المسرح أو شبيه المسرح) ، لذا مر مسرحه بأربعة مراحل ، " في سبيل البحث عن مسرح بديل يقود المتفرج في عملية شبيهة بالمسرح ، بوصفه لقاء وليس فعلا سابق التجهيز من قبل الممثل والمخرج. ، وقد تعددت تسمياته لذلك المسرح الذي حاول إيجاده اعتمادا على استبدال النص المسرحي بتخليق ما أطلق عليه السيناريو المسرحي المعادل للنوتة الموسيقية مع اعتبار الممثلين هو نوع من العزف الأدائي ، إذ اعتبر السيناريو المسرحي مجرد بوصلة تهدي الممثل ، كما تهدي النوتة الموسيقية العازف ، وذلك لتخليص الممثل – كما يزعم – من الآلية التي قد تسيطر عليه مع تكرار العرض مابين ليلة وأخرى ، مما قد يقتل رغبة الممثل في التجديد والابتكار" . وإضافة إلى مت نقدم ؛ فلقد " أسس جروتوفسكي مشروعاته في الوصول إلى ما دعا إليه على مفهوم أطلق عليه( لغة التطهير الصوفية)التي يبررها هو نفسه بالقول: " إن الثقافة الفاعلة هي نوع محدد من الخبرة الإبداعية الفردية .. هي أن يكون المرء نفسه . أن يكون فردا في علاقته بالآخر . أن يكون فردا في عالم المحسوسات " أن يكمل تنظيفها يضعها وسط المصطبة.

    يخرج من الصندوق علبة صغير يفتحها ويضعها في مقدمة المصطبة لتحتل المسافة بين القاعة والمصطبة ومنطقة الحافلات. يحاول بين حين وآخر تغير مكانها لشعوره بعدم صلاحيتها، يجلس متابعا المشهد، وهكذا حتى يستقر في نهاية الأمر على مكان العلبة ليعود إلى مكانه وتكويره للورقة. "
    "مَنْ لَمْ يَقْدِر عَلَىمَا يُكَفِّرُ بِهِ ذُنُوبَهُ فَلْيُكْثِرْ مِنَ الصَلَاةِ عَلَى مُحَمَّدٍوَآَلِهِ ، فَإِنَّهَا تَهْدِمُ الذُّنُوبَ هَدْماً"


+ الرد على الموضوع + إنشاء موضوع جديد

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك

دليل المواقع
موسوعة و مكتبة دهشةموسوعة دهشة القديمةبلوج عربي مدونات إنشاء مدونة مجانابحثك دليل المواقع العربية الشاملبحث مخصص - اغتنم محركات البحث المتخصصةمنتديات أوطانيالدر المنثورحواءالقرآن
مدونات و تدوين مدونتيتكتكات مقاطع و كليبات فيديوالعابالطائفأوطانياعلانات مبوبةأثقال - مركز تحميل الملفات (قريبا)
ألعابسوقك الدليل التجاري دليل المواقع التجاريةجريدة الوسيط إعلانات مبوبة مجانيةجريدة الممتاز - إعلان مجانيسوقك إعلانات مبوبة مجانيةجريدة المعلن : إعلانات مبوبة مجانية سوقك المنتدى الاقتصاديAdsriver Classifieds & Free Adsجوابك : سين جيم - سؤال و جواب
وظائف خاليةبحث الإعلانات المبوبةسيارات للبيععقارات العرب - شقق للبيعاعلانتوب سوقمنتدى تكتكاتتحميلالموسوعة العربية

روابط نصية