دهشة :: الموسوعة العربية
الصفحة الأولى عن دهشة شجرة الموقع تسجيل للإتصال بنا
اسم المستخدم     كلمة السر مستخدم جديد؟ سجل الأن

الأكثر قراءة
بحث

للبحث في دهشة بطريقة أخرى




عدنان الصائغ : الشاعر في المقبرة

ناشر الموضوع : حادي الركب


الشاعر في المقبرة


 عدنان الصائغ


 


 " حياتنا أقصر من فتيلة قنديل المعبد/لنعانق جديلة الشمس الطويلة/


وأحلام الناس الضائعة/ونسافر بها إلى الأبدية!"                شاعر سومري مجهول


 


" الأصعب ليس أن يموت المرء، بل أن يموت الذين حوله - كلهم – ويبقى هو حياً".


                                                                     تولستوي


" أرجوكم لا تضعوا المرايا في قبري، ولا الكتب،


 ولا الأوراق تحت رأسي. فأنا متعب، أريد أن أذوق طعم النوم ".   رشدي العامل


  


   هل انتهت رحلة كلكامش التي جسدها الإنسان الأول على أرض الرافدين في طوافه بحثاً عن عشبة الخلود، وهرباً من الطوفانات والآلهة والطغاة والنفي والموت. هذا الموت الذي فاجأ الإنسان أول ما فاجأه على سطح الأرض والذي تركه حائراً مذهولاً لا يعرف ماذا يفعل وأين يمضي بجثة أخيه حتى هداه الطير - حسب ما ترويه السورة القرآنية - إلى حفر الأرض فنشأت القبور قبل أن تنشأ الحضارات. وإذا كان الشعر يعمل على تنسيق أحزان العالم حسب قول هاوسمان، لكنه كثيراً ما يرتبك أمام الموت وقد يخرس، ذلك أن الفناء هو أكثر المواضيع إيلاماً للشاعر وأكثرها صعوبةً في التناول. فعلى امتداد تاريخ الشعر لم ينتج الموت سوى قصائد قليلة جداً. ولا عليك بصناعة قصائد الرثاء - المدفوعة الأجر، كالمديح، والتي ملأت ثلاثة أرباع ديوان الشعر العربي، قديماً وحديثاً - فهي تشبه إلى حد كبير وظيفة النادبات في الأحياء الشعبية. لكن هاجس الموت كفعل وجودي ترك بصماته واضحة على تجربة جيلنا بالأخص، نحن الذين عشنا نصف أعمارنا بين القذائف والجثث والفئران وأناشيد المعارك. كانت الأحداث متسارعة يصعب حتى تسجيلها وأحياناً حتى روايتها، فكنا نقفز بين الموضوعات الشعرية كأننا نقفز بين القبور، نقراً ألواح الشواهد المرمرية التي ضمت خلف سطورها حياة كاملة هي خلاصة ما يتركه المرء وراءه، وكل ما نفعله هو إضافة بعض السطور المغايرة. وإذا كان الشاعر السوريالي بيير ريفيردي (1889 – 1960) قد كتب سيرة حياته هكذا: "ولد في.. توفى.. ليس هناك من أحداث، ليس هناك من تواريخ، لا شيء، وهذا أمر رائع". والشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا قد كتب سيرة موته بهذه الصورة: "حينما ينبت العشب فوق قبري فليكن ذلك علامة على نسياني بالكامل الطبيعة لا تتذكر، ولهذا هي جميلة فإن شعرنا بالرغبة المرضية في تفسير معنى العشب الأخضر فوق قبري فلنقل بأني كائن طبيعي ما فتئت أواصل الاخضرار وإذا أراد أحد أن يكتب.. إذا أراد أحد أن يكتب سيرة حياتي فلا أسهل من ذلك ليس ثمة سوى تاريخين: تاريخ ولادتي وتاريخ وفاتي وبينهما يخصني وحدي" فما الذي سيكتبه جيلنا وقد عاش ومات أسير المخاوف والهواجس والتقارير الأمنية والقصف والحصار والموت المجاني منذ أن فتح عينيه على الدنيا. كان الموت مرادفاً للكثير من أحلامي وغالباً ما كنت أراه ساطعاً في النص بديلاً أو تأويلاً وكيف لا وعلى مقربة من طفولتي تترامى أكبر مقبرة في العالم هي مقبرة وادي السلام في النجف. ففي الليالي الصافية تهيم تلك الأرواح المعذبة في سماء المدينة وتقترب من الشاعر تهدهده وتسامره.. وأذكر في طفولتي أن أبي كان يصحبني إلى شاطئ الكوفة لنجلس في أحد المقاهي، وأظل مشدوداً إلى الجسر أحصي عدد الجنائز العابرة، وأعود منهكاً بالأرقام. ثم صارت اللافتات السود والنعوش والتوابيت المغطاة بالأعلام العراقية منظراً يومياً ومألوفاً في حياة العراق بشكل عام والنجف بشكل خاص أثناء الحرب العراقية الإيرانية ومن ثم خلال عاصفة الصحراء وما بعدها من رياح وعجاج وفصول ومشاهد، لم تترك لجيلنا أن يلتقط أنفاسه وأن يلتفت للحياة والتفاصيل الشعرية الأخرى وأذكر أن الشاعر الكبير سعدي يوسف حين التقيته أول مرة في مهرجان جرش عام 1993 نبهني إلى ضرورة إزاحة هذا الركام لأنطلق إلى رؤية الحياة من جانبها الآخر، أن أنظر إلى الزهرة في ارتعشتها الأولى، في تفتحها الخلاب، أن أكتب عن طائر أو نجمة أو.. "في كل ليلة يرفع الموتى غطاء قبورهم ويتحسسون برؤوس أصابعهم ما إذا كان أحد قد مسح الاسم من الشاهدة" - فيجيسلاف كرينانوف – لكن صوت الناعي المولول "أبو أصيبع" لم يترك لي أي فسحة بين جنازتين، كان يتقدمني حتى وأنا سائر بقصيدتي هناك، بين أحراش بساتين الكوفة، أو بين حقول الألغام في طريق الفاو، أو بين صفوف الكراسي المحتشدة في قاعة شومان متجهاً إلى المنصة، أو إلى المقبرة - لا أدري -. بينما الشاعر فاضل العزاوي يشير في نصه سخراً: "هذه الجنازة الصامتة التي تتبعها هي جنازتك أيها الغافل". وغوته يلوّح بما كتبه بخط يده أسفل إحدى لوحاته: "ما دام الموت هو النهاية المحتومة لكل كائن حي فما أنت سوى ظل عابر فوق هذه الأرض المعتمة" لقد كان الموت في مواجهة الشاعر دائماً مهما حاول الإفلات منه. كان ينط عليه من شاشة التلفزيون، أو يندلق إليه من صنبور الماء، أو يتسلل إليه من شوارع المدينة، بقناع مخبر، أو استمارة معلومات، أو تقرير صديق، أو علبة بقول فاسدة، ليفسد مناخ الحياة ويتركها مثل إسفنجة مشبعة بالماء الآسن. فبدا نصنا مسربلاً بالفجيعة وأن حاولت معطيات الحداثة أن تنعطف به بعيداً أو قريباً عن مجرى البكائيات التي طبعت القصيدة العربية على امتداد تأريخها. كان الشاعر يهيم في الشوارع مفتوناً بفورة الحياة والحب بينما طبول الحرب وأعلامه تدق على بعد أمتار من طاولته. فلم يكن باستطاعته أن يتخلص من هذا الإرث الضاغط من جهة ولا من موار اللحم والشظايا الذي وجده يغطي مساحات حياته، فلم يكن الشعر بمعزل عن الحرب الطويلة ولا عن الحصار والجوع والكبت والاضطهاد لكن له رؤيته الخاصة في تناول المشهد من زواياه الفنية المختلفة كما يلاحظ في نصوص جيلنا التي اكتنزت مفاهيم عدة منها ما كان يراه سارتر: "إن مهمة الكاتب الوحيدة اليوم هي أن يكون نوعاً من الشهادة الموجزة عن موت الإنسان"، أو في ما يعتقده آراغون: "إن الكتابة أثناء الحرب كانت نوعاً من التحدي للحرب"، أو ما ذهبت إليه المدارس الجمالية والصوفية والثورية والواقعية والرمزية والسريالية وإلخ وإلخ بعيداً عن إعلام الحرب الذي أرادوا فرضه بشتى الوسائل. أمشي في مقبرة النجف قبل أن أغادر الوطن لزيارة قبر أبي وأنا أتذكر مقولة الكاتب الروسي سولجنستين: "يا أخوتي أرجوكم ألا تموتوا. ابقوا فوق هذه الأرض، لأن موتانا كثيرون".


 


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


*عدنان الصائغ: شاعر عراقي يقيم في السويد. www.adnan.just.nu


alwah.com







يجب أن تكون مسجلا لتتمكن من الرد     يجب أن تكون مسجلا لتتمكن من التعليق    










عدد القراءات : 630


منتديات دهشة | سوقك إعلانات مبوبة مجانية | منتديات سعودي زووم | بلوج عربي مدونات إنشاء مدونة مجانا | تكتكات مقاطع و كليبات فيديو | بحثك دليل المواقع العربية الشامل | سوقك الدليل التجاري دليل المواقع التجارية | Islamic blogs | جريدة المعلن : إعلانات مبوبة مجانية | Adsriver Classifieds & Free Ads | منتديات أوطاني | جوابك : سين جيم - سؤال و جواب| جريدة الوسيط إعلانات مبوبة مجانية | اليمام إعلانات مبوبة مجانية تجارية

إدارة دهشة غير مسؤولة عن المواد التي ينشرها الأعضاء. إذا وجد المالك لأي مادة خرقا لحقوق الملكية والنشر فالرجاء إبلاغنا على بريد دهشة لنتحقق من ذلك ونقوم بالإجراءات اللازمة.
The administration of Dahsha is not responsible for what users post. If the owner of any content finds a copyright infringement and wants it removed, we expect him/her to contact us with the details upon which we can take the proper action.
سياسة الخصوصية