دهشة :: الموسوعة العربية
الصفحة الأولى عن دهشة شجرة الموقع تسجيل للإتصال بنا
اسم المستخدم     كلمة السر مستخدم جديد؟ سجل الأن

الأكثر قراءة
بحث

للبحث في دهشة بطريقة أخرى




الإنسان في فكر مسكويه - د. مصطفى عشوي doc text

ناشر الموضوع : الجويري

الإنسان والكمال في فكر مسكويه


د. مصطفى عشوي

أستاذ مشارك


قسم الإدارة والتسويق

جامعة الملك فهد للبترول والمعادن

الظهران


 


- مقدمة:

تعد أفكار مسكويه في فلسفة الأخلاق والتربية بالمفهوم الشامل للكلمة من الأفكار الرائدة في الفكر الإسلامي والإنساني. وقد تناول هذا الفكر عدة باحثين آخرين ليس هنا مجال تعداد ذلك. ولكن موضوع هذا البحث هو مفهوم الإنسان والكمال؛ وقد حاولت دراسة هذا الموضوع الخاص بالإنسان بأبعاده المتعددة في فكر مسكويه من خلال نموذج اقترحه أدناه زاعما أن هذا التناول من خلال هذا النموذج لم يسبق إليه حسب علمي. وعلى هذا الأساس قد تعد هذه الدراسة إضافة متواضعة في فهم الفكر الإسلامي التربوي من منظور نفسي حديث.

أشار مسكويه في كتابه "تهذيب الأخلاق"  إلى أن الفلاسفة والعلماء قد اختلفوا حول مفهوم النفس؛ فقال قوم بأن النفس واحدة ولها قوى كثيرة، وقال آخرون بل هي واحدة بالذات كثيرة بالعرض وبالموضوع.

ولكن الأهم في اعتقاد مسكويه ليس هو تعريف النفس بل العلم بقابلية النفوس للأدب ومدى اتصافها بها. وعليه، فقد صنف مسكويه النفوس بناء على هذا التحديد إلى ثلاثة أصناف:

1- بعض النفوس كريمة أديبة بالطبع.

2- بعض النفوس عادمة الأدب بالطبع؛ وليس فيها استعداد لقبول الأدب.

3- بعضها عادمة الأدب إلا أنها تقبل التأديب (51).  

 وقد أوضح مسكويه أن جوهر النفس هو ذات الإنسان ولبه وخلاصته وأن هذا الجوهر ليس بجسم ولا يلزمه شيء من أعراض الجسم، "أي لا يتزاحم في المكان لأنه لا يحتاج إلى مكان، ولا يحرص على البقاء الزماني لاستغنائه عن الزمان. وإنما استفاد بالحواس والأجسام كمالا ما، فإذا كمل بها ثم خلص منها صار إلى عالمه الشريف القريب إلى بارئه ومنشئه تعالى وتقدس …" (216). واعتبر مسكويه الموت الطبيعي الذي هو مفارقة النفس للبدن تمام الإنسان، "فالموت تمامه وكماله وبه يصير إلى الأفق الأعلى".  

وعليه، فالكمال الذي يحققه اشتباك النفس بالبدن كمال نسبي في نظر مسكويه، ولا يتم الكمال للإنسان إلا بعد تحرر النفس من البدن والتحاقها بالرفيق الأعلى. وفي الواقع، فإن قراءة أفكار مسكويه لا تبين أنه يطلق هذا الحكم أي كمال الإنسان بعد الموت بدون شرط بل يقيده بالالتزام بالفضيلة والحكمة والشريعة كما سيتضح ذلك.

ورغم التزام مسكويه في كتابه بالشريعة الإسلامية حيث أشار إلى ذلك مرارا، فإنه قد تأثر كثيرا بأفكار أرسطو وأفلاطون في تحديد النفس وتقسيمها، حيث بين أن للنفس قوى، وأن لهذه القوى مراتب، وأن مراتب الناس بحسب هذه القوى؛ وأن النفس تنقسم إلى ثلاث قوى وهي: النفس البهيمية وتعتبر أدنى القوى، والنفس السبعية (الغضبية) وهي أوسطها والنفس الناطقة وهي أشرفها وبها صار الإنسان إنسانا وبها شارك الملائكة وبها باين البهائم على حد تعبير مسكويه.

وقد وصف مسكويه من وصل هذه المرتبة العليا بأنه أشرف الناس دون أن يوضح مفهوم الشرف في هذا المقام. أما من غلبت عليه إحدى النفسيين الأخريين انحط عن مرتبة الإنسانية بحسب غلبة تلك النفس عليه" (26).

ويعتمد احتلال أية مرتبة من المراتب المذكورة أعلاه على اختيار الإنسان؛ فإن شاء نزل في منازل البهائم أو في منازل السباع أو في منازل الملائكة. وكما بين مسكويه فإن في كل واحدة من المراتب المذكورة مقامات كثيرة.

وقد تعرض مسكويه هنا إلى قضية هامة تتعلق بما سماه بالتأديب؛ وهو القابلية للأدب أو التعلم بالمفهوم المعاصر، وإلى العلاقة بين التعلم والتطور أو التدرج بتعبير مسكويه.

وعليه، فإن بعض البهائم -كما شرح مسكويه- "أشرف من بعض وذلك لقبول التأديب، لأن الفرس إنما شرف على الحمار لقبوله الأدب، وكذلك البازي في فضله على الغراب. وإذا تأملت الحيوان كله وجدت القابل للتأديب الذي هو أثر النطق؛ أعني النفس الناطقة، أفضل من سائره. وهو يتدرج في ذلك إلى أن يصير إلى الحيوان الذي هو في أفق الإنسان، أعنى الذي هو أكمل البهائم وهو في أخس مرتبة الإنسانية، وذلك أن أخس الناس هو من كان قليل العقل قريبا من البهيمة، وهم القوم الذين في أقاصي الأرض المعمورة وسكان آخر ناحية الجنوب والشمال، لا ينفصلون عن القرود إلا بشيء يسير من التمييز، وبذلك القدر يستحقون اسم الإنسانية. ثم يتميزون ويتزايدون في هذا المعنى حتى يبلغوا إلى وسط الأقاليم، ويعتدل فيهم المزاج القابل لصورة العقل، فيصير فيهم العاقل التام والمميز العالم، ثم يتفاضلون أيضا في هذا المعنى إلى أن يصيروا إلى غاية ما يمكن الإنسان أن يبلغ إليه من قبول قوة العقل والنطق فيصير حينئذ في الأفق الذي بين الإنسان والملك، ويصير فيهم القابل للوحي والمطيق لحمل الحكمة، فتفيض عليه قوة العقل ويسنح له نور الحق. ولا حالة للإنسان أعلى من هذه مادام إنسانا (46-47).

لقد اقتبست هذا النص على طوله لكي تفهم فلسفة مسكويه في التدرج (التطور) بعباراته الواضحة جدا حيث بين الفروق بين مختلف الكائنات وبين الناس أنفسهم على أساس التباين في القدرة على النطق والتفكير، والقابلية للتعلم (التأديب). وقد جعل مسكويه القدرة على النطق (الاتصال) والتفكير أساس تدرج الكائنات.

وليزيد الأمر وضوحا، اعتمد مسكويه منهجية معاكسة في الاتجاه للمنهجية السابقة؛ حيث عمد إلى القيام بملاحظة الكائنات الراقية (الإنسان) والحيوان أولا ثم عاد إلى الوراء لملاحظة الكائنات الدنيا. وقد قال في هذا المعنى: "ثم ارجع القهقرى إلى النظر في المرتبة الناقصة التي هي أدون مراتب الإنسانية فإنك تجد القوم الذين تضعف فيهم القوة الناطقة، وهم القوم الذين ذكرنا أنهم في أفق البهائم، تقوى فيهم النفس البهيمية، فيميلون إلى شهواتها المأخوذة بالحواس كالمأكول والمشروب والملبوس وسائر اللذات الشبيهة بها. وهؤلاء هم الذين تجذبهم الشهوات القوية بقوة نفوسهم البهيمية حتى يرتكبوها ولا يرتدعوا عنها، وبقدر ما يكون فيهم من القوة العاقلة يستحيون منها حتى يستتروا بالبيوت ويتواروا بالظلمات إذا هموا بلذة تخصهم. وهذا الحياء منهم هو الدليل على قبحها، فإن الجميل بالإطلاق هو الذي يتظاهر به ويستحب إخراجه وإذاعته. وهذا القبح ليس بشيء أكثر من النقصانات اللازمة للبشر، وهي التي يشتاقون إلى إزالتها، وأفحشها هو أنقصها، وأنقصها أحوجها إلى الستر والدفن" (48).

وفي الواقع، فقد أجاد مسكويه في وصف نشوء قوى الموجودات وارتقائها ابتداء بالجماد والنبات والحيوان وانتهاء بالإنسان ودائرة الوجود. ونزعم أنه قد سبق بهذا الوصف علماء النشوء والارتقاء بل وتجاوزهم في وصفه للتدرج الإنساني في مراتب الذكاء، ومراتب الإلهام.

ويتبين هذا الزعم من وصف مسكويه لعملية النشوء والارتقاء الذي نورد نصه فيما يأتي رغم طوله، حيث قال مسكويه: "فنحن واصفون جميع القوى التي تحدث للحيوان أولا أولا إلى أن ينتهي إلى أقصى الكمال في الإنسانية…إن الأجسام الطبيعية كلها تشترك في الحد الذي يعمها، ثم تتفاضل بقبول الآثار الشريفة والصور التي تحدث فيها. فإن الجماد منها إذا قبل صورة مقبولة عند الناس، صار بها أفضل من الطبقة الأولى التي لا تقبل تلك الصورة، فإذا بلغ إلى أن يقبل صورة النبات صار بزيادة هذه الصورة أفضل من الجماد…وهذه الحال الزائدة في النبات، التي شرف بها على الجماد تتفاضل؛ وذلك أن بعضها يفارق الجماد مفارقة يسيرة كالمرجان وأشباهه، ثم يتدرج فيها فيحصل له من هذه الزيادة شيء بعد شيء…ولا يزال يشرف ويفضل بعضه على بعض حتى يبغ إلى أفقه، ويصير في أفق الحيوان، وهي كرام الشجر كالزيتون والرمان والكرم وأصناف الفواكه، إلا أنها بعد مختلطة القوى أعنى أن قوتي ذكورها وإناثها مختلطتان غير متميزتين، فهي تحمل وتولد المثل، ولم تبلغ غاية أفقها الذي يتصل بأفق الحيوان. ثم تزداد وتمعن في هذا الأفق إلى أن تصير في أفق الحيوان فلا تحتمل زيادة، وذلك أنها إن قبلت زيادة يسيرة صارت حيوانا، وخرجت عن أفق النبات …فإذا تحرك النبات وانقلع من أفقه وسعى إلى غذائه..وكونت له آلات أخر يتناول بها حاجاته التي تكمله، فقد صار حيوانا. وهذه الآلات تتزايد في الحيوان من أول أفقه وتتفاضل فيه، فيشرف بعضها على بعض…ثم لاتزال هذه الأحوال تتزايد في الحيوان حتى يقرب من أفق الإنسان، فحينئذ يقبل التأديب ويصير بقبوله الأدب ذا فضيلة يتميز بها من سائر الحيوانات الأخر. ثم تتزايد هذه الفضيلة في الحيوانات حتى تشرف بها ضروب الشرف كالفرس المؤدب والبازي المعلم، ثم تصير من هذه المرتبة إلى مرتبة الحيوان الذي يحاكي الإنسان من تلقاء نفسه ويتشبه به من غير تعليم كالقردة وما أشبهها، ويبلغ من ذكائها أن تكتفي في التأديب في أن ترى الإنسان يعمل عملا فتعمل مثله، من غير أن تحوج الإنسان إلى تعب ورياضة لها. وهذه غاية أفق الحيوان التي إن تجاوزها وقبل زيادة يسيرة خرج بها عن أفقه، وصار في أفق الإنسان الذي يقبل العقل والتمييز والنطق، والآلات التي تستعملها والصور التي تلائمها. فإذا بلغ هذه المرتبة تحرك إلى المعارف واشتاق إلى العلوم، وحدثت له قوى وملكات ومواهب من الله عز وجل يقتدر بها على الترقي والإمعان في هذه المرتبة، كما كان ذلك في المراتب الأخر التي ذكرناها.

وأول هذه المراتب من الأفق الإنساني المتصل بآخر ذلك الأفق الحيواني مراتب الناس الذين يسكنون في أقاصي المعمورة من الشمال والجنوب: كأواخر الترك من بلاد يأجوج ومأجوج، وأواخرالزنج وأشباههم من الأمم التي لا تتميز عن القرد إلا بمرتبة يسيرة، ثم تتزايد فيهم قوة التمييز والفهم إلى أن يصيروا إلى أوسط الأقاليم، فيحدث فيهم الذكاء وسرعة الفهم وقبول الفضائل. وإلى هذا الموضع ينتهي فعل الطبيعة التي وكلها الله عز وجل بالموجودات المحسوسة، ثم يستعد بهذا القبول لاكتساب الفضائل واقتناء الآداب بالإرادة والسعي والاجتهاد الذي ذكرناه فيما تقدم حتى يصل إلى آخر أفقه" (64-71).

فما هو آخر الأفق الإنساني ؟

قال مسكويه: "فإذا صار إلى آخر أفقه اتصل بأول أفق الملائكة، وهذا أعلى مرتبة الإنسان. وعندها تتأحد (تتناهى) الموجودات ويتصل أولها بآخرها وآخرها بأولها؛ وهو الذي يسمى دائرة الوجود لأن الدائرة هي التي قيل في حدها إنها خط واحد يبتدىء بالحركة من نقطة وينتهي بعينها".

وقد واصل مسكويه شارحا دائرة الوجود بقوله: "ودائرة الوجود هي المتأحدة (المتناهية) التي جعلت الكثرة وحدة، وهي التي تدل دلالة صادقة برهانية على وحدانية موجدها وحكمته وقدرته وجوده، تبارك اسمه وتعالى جده وتقدس ذكره" (69).

فانظر كيف ربط مسكويه بين الترقي في المراتب من أدنى مرتبة إلى أعلاها وأكملها، وكيف ربط بين هذا الترقي وبين القابلية للتأديب والتأدب. فكيف نظر مسكويه إلى الإنسان من خلال نموذج خماسي الأبعاد: البعد الجسمي، البعد الروحي، البعد العقلي، البعد الوجداني والبعد السلوكي؟

قبل استعراض فكر مسكويه فيما يتعلق بالأبعاد المذكورة أعلاه، تجدر الإشارة إلى أن هذا النموذج ليس إلا إطارا للتحليل يقترحه الكاتب بهدف تحليل فكر مسكويه فيما يتعلق بهذه الأبعاد ثم تشكيل صورة كلية أو ملمح للإنسان في فكر مسكويه من خلال فهم هذه الأبعاد. ولا يخفى ما لهذا الفهم لفكر مسكويه وغيره من العلماء الأفذاذ من جوانب تطبيقية في مجال العلوم النفسية والتربوية وغيرها.

وينبغي أن يذكر أيضا أنه وبالرغم من اهتمام مسكويه أساسا في كتابه المذكور أعلاه بفلسفة الأخلاق إلا أنه لم يهمل فلسفة المعرفة وفلسفة الوجود كما يتبين ذلك بوضوح من خلال تحليل النصوص المذكورة أعلاه.  

1- الجانب الجسمي:  

لم يهتم مسكويه كثيرا بالجانب الجسمي في كتابه "تهذيب الأخلاق"، ولكنه اعتبر معرفة الإنسان لأوجه النقص في جسمه ضرورة وأساسا لبلوغ الكمال. فكيف يبلغ الإنسان الكمال حسب مسكويه؟

لكي يبلغ الإنسان الكمال فإنه: "يجب على العاقل أن يعرف ما ابتلي به الإنسان من هذه النقصانات التي في جسمه، وحاجاته الضرورية إلى إزالتها وتكميلها: إما بالغذاء الذي يحفظ اعتدال مزاجه وقوام حياته، فينال منها قدر الضرورة في كماله، ولا يطلب اللذة بعينها بل قوام الحياة الذي تتبعه اللذة…؛ وإما باللباس الذي يدفع به أذى الحر والبرد ويستر العورة…؛ وإما بالجماع الذي يحفظ نوعه وتبقى به صورته، أعنى طلب النسل، فإن تجاوز ذلك فبقدر ما لا يخرج عن السنة ولا يتعدى ما يملكه إلى ما يملك غيره، ثم يلتمس الفضيلة التي في نفسه العاقلة..وينظر إلى النقصانات التي في هذه النفس خاصة، فيروم تكميلها بطاقته وجهده، فإن هذه هي الخيرات التي لا تستر…وهي التي بها يكون بعض الناس أفضل من بعض، وبعضهم أكثر إنسانية من بعض. ويغذو هذه النفس بغذائها الموافق لها المتمم لنقصاناتها، كما يغذ تلك بأغذيتها الملائمة لها، فإن غذاء هذه هو العلم والزيادة في المعقولات، والارتياض بالصدق في الآراء وقبول الحق حيث كان ومع من كان، والنفور من الباطل والكذب كيف كان ومن أين جاء" (49).

يلاحظ هنا تأكيد مسكويه على تفاضل الناس في "الإنسانية" وتفاوتهم فيها ليس بسبب فروق جسمية أو عرقية أو اقتصاديية وإنما بالفضائل القائمة على العلم والأخلاق وعلى بذل الجهد.

وقد نعى مسكويه وسفه رأي الذين ظنوا "أن كمال الإنسان وغايته هما في اللذات الحسية، وأنها هي الخير المطلوب والسعادة القصوى، وظنوا أن جميع قواه الأخر إنما ركبت فيه من أجل هذه اللذات والتوصل إليها، وأن النفس الشريفة التي سميناها ناطقة إنما وهبت له ليرتب بها الأفعال ويميزها، ثم يوجهها نحو هذه اللذات لتكون الغاية الأخيرة هي حصولها له على النهاية والغاية…" (42).                         

وقد اعتبر مسكويه "السعادة الكاملة" أقصى مراتب الإنسانية حيث قال: "فمن اتفق له في الصبا أن يربى على أدب الشريعة، ويؤخذ بوظائفها وشرائطها حتى يتعودها، ثم ينظر بعد ذلك في كتب الأخلاق حتى تتأكد تلك الآداب والمحاسن في نفسه بالبراهين، ثم ينظر في الحساب والهندسة حتى يتعود صدق القول وصحة البرهان فلا يسكن إلا إليها، ثم يتدرج كما رسمناه في كتابنا الموسوم بترتيب السعادات ومنازل العلوم حتى يبلغ إلى أقصى مرتبة الإنسان، فهو السعيد الكامل" (49).

أما من لم ينشأ منذ الصغر على المنهج التربوي الذي وصفه مسكويه أعلاه بل على عكسه من مجون وفجور ومغالاة في إشباع اللذات، فعليه أن يعتبر ذلك شقاء لا نعيما وخسرانا لا ربحا؛ مما يتطلب منه أن يجتهد إلى فطام نفسه منها بالتدريج. ورغم صعوبة هذه السبيل، فإن ذلك خير على كل حال من التمادي في الباطل (50).

وقد أورد مسكويه حالة إنسان تنطبق عليه شروط الشخص الذي تعود اللذات والشهوات ثم تدرج في فطام نفسه منها وجاهدها جهادا عظيما للتخلص منها. وليست هذه الحالة إلا مسكويه نفسه. ولا يسعنا في هذا المقام إلا الإشادة بموقف مسكويه وبتواضعه حيث أورد نفسه كمثال ونموذج عملي ليستفيد منه الناس في عملية الفطام النفسي التدريجي. ولعل مسكويه كان من السباقين إلى اكتشاف هذه المنهجية في العلاج النفسي وتطبيقها على نفسه بصورة عملية؛ وإن كانت هذه المنهجية مقتبسة من القرآن الكريم في موضوع تحريم الخمر، وفطام الناس عنها تدريجيا. وبهذا الأسلوب يكون مسكويه أيضا قد سبق رواد علم النفس الحديث الذين يعمدون إلى كشف جوانب من حياتهم الخاصة لتصبح مادة للدراسة العلمية، ونموذجا للإستفادة منها بشتى الطرق.

وهكذا يعلمنا مسكويه أن بلوغ الكمال لا يكون إلا بعد معرفة أوجه النقص الجسماني والنفساني عند الشخص المعني أولا، وبعد تكميل أوجه النقص هذه بأسلوب تدريجي والرقي في مدارج الأخلاق ثانيا. 

2- الجانب الروحي:

اعتبر مسكويه الإنسان كائنا مركبا من جانبين : جسماني وروحاني؛ حيث قال: "إن الإنسان ذو فضيلة روحانية يناسب بها الأرواح الطيبة التي تسمى ملائكة، وذو فضيلة جسمانية يناسب بها الأنعام، لأنه مركب منهما…"(83). ومادام الإنسان إنسانا أي مركبا من هذين الجانبين "فليس تتم له السعادة إلا بتحصيل الحالين جميعا، وليس يحصلان على التمام إلا بالأشياء النافعة في الوصول إلى الحكمة الأبدية"(83).

وعندما يتخلص الإنسان من شهوات بدنه، ويصبح في صحبة الأرواح الطيبة فإنه لا يحتاج إلى أي شيء من السعادات البدنية، ويكتفي بسعادة النفس فقط المتمثلة في المعقولات الأبدية المتمثلة في الحكمة (83). ويقيم الإنسان الذي يبلغ هذه الرتبة بين الملأ الأعلى ويستمد منهم لطائف الحكمة ويستنير بالنور الإلهي، ويستزيد من فضائله،ولذلك يكون أبدا خاليا من الآلام والحسرات التي لا يخلو منها الإنسان المركب من النفس والبدن. وتعتبر هذه الرتبة آخر السعادات وأقصاها حيث يشتاق فيها صاحب هذه الرتبة إلى مصاحبة أشكاله وملاقاة ما يناسبه من الأرواح الطيبة والملائكة المقربين، وهو الذي لا يفعل إلا ما أراده الله منه، ولا يخالفه إلى شيء من هواه وشهواته الرديئة، ولا ينخدع بخدائع الطبيعة، ولا يحزن على فقدان محبوب ولا يتحسر على فوت مطلوب. وهذه الرتبة وإن كانت أخيرة إلا أن الناس يتفاوتون فيها تفاوتا عظيما (85-86).

وقد أشار مسكويه إلى أنه نقل هذه الأفكار عن أرسطو من كتابه المسمى "فضائل النفس". وقد تبين تأثر مسكويه بأفكار أرسطو تأثرا كبيرا في تأكيده أن بلوغ السعادة التامة لا يكون إلا بعد أن يعلم الإنسان أجزاء الحكمة كلها علما صحيحا، ويستوفيها أولا بأول. ومن ظن أنه يصل إليها بطريق غير تلك الطريقة وعلى غير ذلك المنهاج، فقد ظن باطلا وبعد عن الحق بعدا كثيرا (91).

3- الجانب العقلي:

اعتبر مسكويه "النفس العاقلة" أو الناطقة أعلى مراتب النفس؛ وهي التي تمسك بزمام الأمور، وتقوم النفس الغضبية وتوجهها وتستعين بها على قمع سلطة النفس البهيمية (الغضبية). كما اعتبر مسكويه أن تعلم المنطق هو بداية التدرج في العلوم الشريفة، وهو آلة تقويم الفهم والعقل الغريزي، وبها يتم الوصول إلى معرفة الخلائق وطبائعها، ثم التعلق بها والتوسع فيها والتوصل منها إلى العلوم الإلهية (70).

وأكد مسكويه أن الإنسان لا يتم كماله إلا بعد أن يحصل له ما قبله، وأنه إذا بلغ الإنسان مرتبة الكمال وبلغ غاية أفقه أشرق نور الأفق الأعلى عليه، وصار حكيما تاما يأتيه الإلهام، وإما نبيا مؤيدا يوحى إليه؛ فيصير حينئذ واسطة بين الملأ الأعلى والملأ الأسفل، وذلك بتصوره حال الموجودات كلها. ولا يكفى هذا التصور لحال الموجودات كلها بل الوعي أيضا بالحال التي انتقل إليها (الإنسان) من حال الإنسية وبلوغه غاية أفقه مما يمكنه من فهم قوله تعالى: "فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين" (70).

وقد بين مسكويه أن بلوغ هذه المنزلة العالية إنما يكون أولا بالشوق إلى المعارف والعلوم حسب "منهاج قويم وقصد صحيح، حتى يتأدى إلى غاية كماله، وهي سعادته التامة" (71). ولكن هذه المنزلة وذلك المنهاج لا يتحققان لكل واحد؛ وذلك راجع لما يحدث من الآفات للإنسان مما يعوقه دون بلوغ الكمال.

والآفات التي تصيب الإنسان في جانبه المعرفي آفات عقلية تصيب النفس الناطقة، وآفات جسمانية؛ ولذا فقد عقد مسكويه مقارنة بين هذه الأنواع من الآفات فقال: "…فكما أن الطبيعة المدبرة للأجسام ربما شوقت إلى ما ليس بتمام للجسم الطبيعي، لعلل تحدث به وآفات تطرأ عليه…كذلك أيضا النفس الناطقة ربما اشتاقت إلى النظر والتمييز الذي لا يكمله ولا يشوقه نحو سعادته، بل يحركه إلى الأشياء التي تعوقه وتقصر به عن كماله، فحينئذ يحتاج إلى علاج نفساني روحاني، كما احتاج في الحالة الأول إلى طب طبيعي جسماني" (71).

ونظرا لوجود هذه العلل والآفات في الجانب النفساني الروحاني (على مستوى النفس الناطقة)؛ "تكثر حاجات الناس إلى المقومين والمثقفين، وإلى المؤدبين والمسددين، فإن وجود تلك الطبائع الفائقة التي تنساق بذاتها من غير توقيف إلى السعادة عسرة الوجود، ولا توجد إلا في الأزمنة الطوال والمدد البعيدة" (71).

ولذا اهتم مسكويه بأفعال الإنسان واعتبر أعلى الأفعال هي الأفعال الإلهية الصادرة عن عقله الإلهي، وربط ذلك بمراتب السعادة مما يتطلب معرفة رتب السعادة عند مسكويه حيث رتبها بالشكل الآتي:

1- ضرورة اهتمام الإنسان بمصالحه وأموره المحسوسة سواء كانت تابعة للنفس أو للبدن.

2-  الاهتمام بالأمر الأفضل من صلاح أمر النفس والبدن من غير أن يتلبس مع ذلك بشيء من الأهواء والشهوات.

3- تحكم العقل في أعالي رتب الفضيلة حيث بتم صرف الفكر إلى الأمور الإلهية لذاتها دون طلب عوض. 

4- أن تكون كل أفعال الإنسان أفعالا إلهية؛ وهذه الأفعال هي أفعال خير محض، "والفعل إذا كان خيرا محضا فليس يفعله فاعله من أجل شيء آخر غير الفعل نفسه…فأفعال الإنسان إذا صارت كلها إلهية فهي كلها إنما تصدر عن لبابه وذاته الحقيقية التي هي عقله الإلهي الذي هو ذاته بالحقيقة…" (88).

وقد أكد مسكويه أن هذه المراتب لا تحصل لصاحب السعادة التامة "إلا بعد أن يعلم أجزاء الحكمة كلها علما صحيحا، ويستوفيها أولا أولا…ومن ظن من الناس أنه يصل إليها بغير تلك الطريقة وعلى غير ذلك المنهاج، فقد ظن باطلا وبعد عن الحق بعدا كثيرا"…(91).

واعتبر مسكويه تعطيل القوة العالمة وإهمالها وترك النظر الخاص بالعقل خطأ عظيما؛ وهو ما وقع فيه قوم ظنوا أنهم يدركون الفضيلة بتعطيل القوة العالمة وإهمالها، وتركوا النظر الخاص بالعقل واكتفوا بأعمال ليست مدنية، وقد سمي هذا القوم بالعاملة الناصبة (91).

وقد أوضح مسكويه أن الفضائل التي تحت الحكمة أقسام وهي: الذكاء، الذكر، التعقل، سرعة الفهم وقوته، صفاء الذهن، وسهولة التعلم، كما قدم تعريفا لكل مفهوم من هذه المفاهيم (19).  

وإذا كانت "سيرة الحكمة" أشرف وأتم السير إذا قورنت بسيرة اللذة وسيرة الكرامة؛ فإنها -كما نقل ذلك مسكويه عن أرسطو- "محتاجة إلى السعادات الأخر الخارجية لأن تظهر بها، وإن كانت كامنة غير ظاهرة. وإذا كانت كذلك، كان صاحبها كالفاضل النائم الذي لا يظهر فعله، وحينئذ لا يكون بينه وبين غيره فرق …"(94).

ولبلوغ الإنسان الكمال ينبغي له أن يدرك بأن له "كمالين"، وأن له أيضا قوتين. وفي هذا قال مسكويه: "فالكمال الخاص بالإنسان كمالان، وذلك لأن له قوتين إحداهما العالمة والأخرى العاملة، فلذلك يشتاق بإحدى القوتين إلى المعارف والعلوم، ويشتاق بالأخرى إلى نظم الأمور وترتيبها" (39).

وقد اقترب مسكويه من فلسفة الوجود عندما قرر "أن الإنسان يصير إلى كماله، ويصدر عنه فعله الخاص به، إذا علم الموجودات كلها أي يعلم كلياتها وحدودها التي هي ذواتها لا أعراضها، وخواصها التي تصيرها بلا نهاية…لأنك بهذا الكمال مستعد لقبول الفيض من المولى دائما أبدا، وقد قربت منه القرب الذي لا يجوز أن يحول بينك وبينه حجاب" (41). 

4- الجانب الوجداني: 

تقوم "السعادة" في أعلى مراتبها عند مسكويه على وجوب سيادة الانفعالات الإيجابية كالسرور بدلا من سيادة الانفعالات السلبية كالحزن والخوف. ومهما يكن، فقد خلص مسكويه إلى أن السعادة ألذ الأشياء وأفضلها وأجودها وأصحها؛ حيث قال الحكماء: إن اللذة إذا كانت صحيحة ساقت البدن من النقص إلى التمام، ومن السقم إلى الصحة، وكذلك أيضا تسوق النفس من الجهل إلى العلم، ومن الرذيلة إلى الفضيلة (101).

أقام مسكويه علاقة وثيقة بين الجانب الوجداني كالشعور باللذة والجانب العقلي (التحلي بالحكمة)من جهة، وبين هذين الجانبين والجانب السلوكي من جهة أخرى. فقد ربط بين الفضيلة واللذة وبين السعادة واللذة القصوى حيث قال: "فالأفعال الفاضلة والغايات التي ينتهى إليها بالفضائل لذيذة محبوبة، فالسعادة ألذ من كل شيء" (94). وهذه اللذة ذاتية لا عرضية وعقلية لا حسية وفعلية لا انفعالية وإلهية لا بهيمية (101).

وتنقسم اللذة -حسب مسكويه- إلى قسمين؛ لذة انفعالية ولذة فعلية أي فاعلة؟ فأما اللذة الانفعالية فهي -كما يقول- شبيهة بلذة الإناث، اللذة الفاعلة تشبه لذة الذكور‍‍‍‍‍‍.

وإذا كانت اللذة الانفعالية مقترنة بالشهوات ومحبة الانتقام فإن اللذة الفاعلة لذة تامة؛ فهي ذاتية لأنها لا تصير في وقت آخر غير لذيذة، وثابتة لأنها لا تنتقل عن حالتها. أما اللذة الانفعالية فلذة ناقصة وعرضية أي أنها تزول سريعا لأنها مقترنة بالشهوات بل قد تنقلب عن حالتها فتصير آلاما أو مكروها مستقبحا" (101).

أما التعرض للآلام والأحزان والمحن فشيء طبيعي بالنسبة للشخص الذي بلغ درجة السعادة، ولكن هذه المصائب والمحن والشدائد مهما بلغت لا تخرجه عن حد السعادة البتة؛ وذلك لما يجد في نفسه من المحافظة على شروط الشجاعة والصبر على ما يجزع منه أصحاب خور الطباع، فيكون سروره أولا بذاته ثم بالأحاديث الجميلة التي تنقل عنه. وعندما يقارن نفسه مثلا بالمصارعين الذين يتعرضون للشدائد وتقطيع أعضائهم وترك شهواتهم كلبا للغلبة والشهرة، فإنه يرى نفسه أحرى وأولى منهم بالصبر إذ أن غرضه أشرف وصيته في الفضلاء أبلغ وأشهر، ولأنه يسعد في نفسه ثم يصير قدوة لغيره (26).

ومهما يكن، فقد خلص مسكويه إلى أن السعادة ألذ الأشياء وأفضلها وأجودها وأصحها؛ حيث قال الحكماء: إن اللذة إذا كانت صحيحة ساقت البدن من النقص إلى التمام، ومن السقم إلى الصحة، وكذلك أيضا تسوق النفس من الجهل إلى العلم، ومن الرذيلة إلى الفضيلة (101).

- المحبة: أوضح مسكويه أن هناك أربعة أنواع من المحبة:

1- محبة تنعقد سريعة وتنحل سريعة؛ وسبب هذه الحبة اللذة، ذلك أن اللذة سريعة التغير.

2- محبة تنعقد سريعا ةتنحل بطيئة، وهذه سببها الخير.

3- محبة تنعقد بطيئة وتنحل سريعة؛ وهذه سببها النافع (المنفعة).

4- محبة تنعقد بطيئة وتنحل بطئية، وسببها المتركب من السباب المذكورة، وهي اللذة والخير والمنفعة.

وقد أكد مسكويه أن هذه الأنواع من المحبة كلها تحدث بين الناس، وأنها تكون بإرادة وروية ويكون فيها مجازاة ومكافأة (136). و اعتبر مسكويه "المحبة" أساس ونظام الموجودات كلها وصلاح أحوالها. وأكد أن الناس قد اضطروا إلى اقتناء فضيلة العدالة في معاملاتهم لما فاتهم شرف المحبة، ولو كان المتعاملون أحباء لتناصفوا ولم يقع بينهم خلاف (133).

وقد زاد مسكويه الأمر توضيحا عندما أشار إلى ضرورة التعاون والائتلاف بين الناس حيث قال: "..أن الناس مطبوعون على النقصانات ومضطرون إلى تماماتها…فالحاجة صادقة، والضرورة داعية إلى حالة تجمع وتؤلف بين أشتات الأشخاص ليصيروا بالاتفاق والائتلاف كالشخص الواحد الذي تجتمع أعضاؤه كلها على الفعل الواحد النافع له" (135). ويلاحظ في هذا القول إشارة واضحة للتفاعل الاجتماعي وللأساس الذي يقوم عليه، ولغاياته التي يرمي إليها.

- الصداقة: بعد عرض أنواع المحبة وأسبابها وضرورتها، تطرق مسكويه لموضوع "الصداقة" وأنواعها، وشرح كيفية وقوعها بين مختلف فئات الأعمار ( الأحداث والشيوخ). وقد عرف مسكويه "الصداقة" بأنها نوع من المحبة إلا أنها أخص منها وهي المودة بعينها، ولا يمكن أن تقع بين جماعة كثيرين كما تقع المحبة (137).

وأما العشق فهو إفراط في المحبة، وهو أخص من المودة، ولا يمكن أن يقع إلا بين اثنين. ولا يقع في النافع ولا في المركب من النافع وغيره، إنهما يقع لمحب اللذة بإفراط ولمحب الخير بإفراط، وأحدهما مذموم ويعني به اللذة، والآخر محمود ويعن به الخير.

وأما العلاقة بين الصداقة والعمر، فقد عمم مسكويه حكمه عليها دون دليل حيث قال: "فالصداقة بين الأحداث، ومن كان في مثل طباعهم، إنما تحدث لأجل اللذة، فهم يتصادقون سريعا ويتقاطعون سريعا…والصداقة بين المشايخ ومن كان في مثل طباعهم إنما تقع لمكان المنفعة، فهم يتصادقون بسببها…والصداقة بين الأخيار تكون لأجل الخير، وسببها هو الخير، ولما كان الخير شيئا ثابتا غير متغير الذات صارت مودات أصحابها باقية غير متغيرة" (138).

وبعد هذا، تعرض مسكويه لموضوع "المحبة الإلهية" حيث بين أن سببها إفراط لذة ناتجة عن جوهر إلهي في الإنسان غير مخالط لشيء من الطبائع الأخرى المتضادة التي يتركب منها الإنسان. ويؤدي هذا الإفراط إلى أن تصبح المحبة عشقا تاما خالصا شبيها بالوله؛ وهي المحبة الإلهية الموصوفة التي يدعيها بعض المتألهين (138).

ولكن، ما هو مبدأ المحبة عموما؟ وما الذي ينمي هذا المبدأ؟

أجاب مسكويه عن هذين السؤالين بالتأكيد أولا على أن الأنس هو مبدأ المحبة؛ وذلك أن الإنسان آنس بالطبع وليس بوحشي ولا نفور، ومنه اشتق اسم الإنسان في اللغة العربية (140). أما السؤال الثاني، فقد أجاب عنه بالإشارة أولا إلى أن هذا الأنس الطبيعي في الإنسان ينبغي الحرص عليه، وعلى اكتسابه، ثم بين مسكويه أن الشريعة هي التي تنمي هذا الأنس؛ وذلك لأنها أوجبت على الناس الاجتماع في المساجد كل يوم خمس مرات، وفضلت صلاة الجماعة على صلاة الآحاد، كما أوجبت عليهم الاجتماع كل أسبوع مرة واحدة (صلاة الجمعة) في اجتمع أكبر، وأوجبت عليهم اجتماعين أكبر مما سبق كل سنة (صلاة العيدين)، وأوجبت عليه الاجتماع الأكبر مرة واحدة في العمر أثناء الحج. وإلى جانب الشريعة، لم يغفل مسكويه الإشارة إلى دور العادات والتقاليد الجميلة في اتخاذ الدعوات واجتماع الناس في المآدب ليحصل لهم هذا الأنس (140).

- الغضب: عرف مسكويه الغضب بأنه "حركة للنفس يحدث بها غليان دم القلب شهوة الانتقام. فإذا كانت هذه الحركة عنيفة، أججت نار الغضب وأضرمتها، فاحتد غليان دم القلب وامتلأت الشرايين والدماغ دخانا مظلما مضطربا يسوء منه حال العقل ويضعف فعله" (193). أهم ما يلفت الانتباه في هذا التعريف هو العلاقة التي أقامها مسكويه بين الجانب الوجداني من جهة و الجانبين العقلي والسلوكي من جهة أخرى، وكيفية تأثير الجانب الوجداني في هذين الجانبين.

وقد أوضح مسكويه أيضا أن درجات الغضب متفاوتة باختلاف أمزجة الأشخاص. أما أسباب الغضب التي أوردها مسكويه فهي: العجب والافتخار والمراء واللجاج والمزاح والتيه والاستهزاء والغدر والضيم وطلب الأمور التي فيها عزة ويتنافس فيها الناس ويتحاسدون عليها.

ومن عواقب الغضب التي أشار إليها مسكويه: الندامة وتوقع المجازاة بالعقاب عاجلا وآجلا، وتغير المزاج وتعجل الألم…وربما كان سببا لمراض صعبة مؤدية إلى التلف. ومن عواقبه أيضا مقت الأصدقاء، وشماتة الأعداء واستهزاء الحساد والأرذال من الناس.

ويتمثل علاج الغضب بعلاج أسبابه المذكورة أعلاه، ويقوم العلاج الذي ذكره مسكويه على حسم وإزالة عوامل الغضب ومسبباته كالعجب والافتخار وغيرهما، وكيفية دفع أضرارها عن النفس بالإدراك الجيد لهذه العوامل كمقدمة وشرط لإزالتها (195-202).

- الخوف: الخوف -كما عرفه مسكويه- هو: "سكون للنفس عندما يجب أن تتحرك فيه، وبطلان شهوة الانتقام. وهذا هو سبب الجبن والخور، ويتبعه مهانة النفس وسوء العيش…وقلة الثبات والصبر في المواطن التي يجب فيها الثبات" (205).

ومن عواقب الخوف الكسل ومحبة الراحة اللذين هما سببا كل رذيلة كما أكد مسكويه ذلك. ومن عواقبه أيضا الاستخذاء لكل أحد، والرضى بكل مذلة وضيم، والدخول تحت كل فضيحة في النفس والأهل والمال، وسماع كل قبيحة وفاحشة من الشتم والقذف، واحتمال كل ظلم من كل معامل، وقلة الأنفة مما يأنف منه الناس الأحرار (206).

وعلاج أسباب الخوف وعواقبه إنما يكون بأضدادها؛ وذلك بأن توقظ النفس المريضة بهذا المرض بالهز والتحريك. أما علاج الخوف الذي يعرض من توقع مكروه وانتظار محذور فيكون بإدراك أن التوقع والانتظار إنما يكونان للحوادث في الزمان المستقبل. وهذه الحوادث ربما كانت عظيمة أو يسيرة، وربما كانت ضرورية أو ممكنة… وجميع هذه الأقسام ليس ينبغي للعاقل أن يخاف منها. والأمور الممكنة ربما كنا نحن أسبابها، وربما كان غيرنا سببها.

أما الأمور الممكنة فهي بالجملة مترجحة بين أن تقع وبين ألا تقع، ولا ينبغي للإنسان أن يجزم على أنها تقع، فيستشعر الخوف منها، ويتعجل مكروه التألم بها، وهي بعد لم تقع ولعلها لا تقع. وقد أحسن مسكويه عندما استشهد بهذا البيت من الشعر:

وقل للفؤاد إن نزا بك نزوة

                            من الروع أفرخ أكثر الروع باطله

وإلى هذا فقد ألح مسكويه على ضرورة التفاؤل والتمسك بالأمل والظن الجميل، وترك التفكر في كل ما يمكن ألا يقع من المكاره (207).

وأما الأمور الضرورية -التي لا يمكن إلا أن تقع- كالهرم (الشيخوخة) وتوابعه، فإن علاج الخوف منه (الهرم) أن يعلم الإنسان أنه إذا أحب الحياة فقد أحب لا محالة الهرم، واستشعره استشعار مالا بد منه. ومع الهرم تحدث مشكلات صحية مثل سقوط الأسنان وسوء الهضم وغير ذلك من أمراض الشيخوخة التي يليها الموت. وليست الأمراض والآلام شيئا غير هذا الأشياء التي ينبغي للإنسان أن يتوقعها ويتجاوز عواقبها وآثارها السلبية ويدعو الله أن يعينه عليها (208).

   


- الخوف من الموت وعلاجه:  

وصف مسكويه الخوف من الموت بأنه "أشد وأبلغ من جميع المخاوف". ولم يقف مسكويه عند حد التعريف بل قدم أسبابا للخوف من الموت، وكيفية علاج هذا الخوف (209).

    - أسباب الخوف من الموت:

         1- يقع الخوف من الموت للشخص الذي لا يعرف حقيقة الموت.

         2- يقع الخوف من الموت للشخص الذي لا يعلم أين تصير نفسه بعد الموت.

         3- يقع الخوف من الموت للشخص الذي يعتقد أنه إذا انحل جسمه فقد انحلت ذاته وبطلت نفسه،    

         وصار إلى العدم بينما يبقى العالم بعده موجودا؛ وهذا ظن من يجهل بقاء النفس وكيفية المعاد.

        4- يقع الخوف من الموت للشخص الذي يظن أن للموت ألما عظيما غير ألم الأمراض التي ربما سبقته

        وأدت إليه.

           5- يقع الخوف من الموت للشخص الذي يعتقد أن عقوبة تحل به بعد الموت.

           6- يقع الخوف من الموت للشخص الذي يقع في حيرة لا يدري على أي شيء يقدم بعد الموت.

          7- يقع الخوف من الموت للشخص الذي يأسف على ما يخلفه من المال والممتلكات والأهل والولد.

وقد أكد مسكويه أن هذه الأسباب كلها ظنون باطلة لا حقيقة لها. وعليه، فإنه قد اقترح علاجا لهذه الظنون. ويقوم هذا العلاج على التبيين والتبصير وشحذ معارف الشخص، وتقوية إدراكه بهدف إزالة هذه الظنون الباطلة، وتكوين صورة حقيقية عن الموت وما بعد الموت وفق نموذج معرفي واضح.

- علاج الخوف من الموت:

         1- ينبغي أن يبين لمن يجهل الموت ولا يدري ما هو أن الموت ليس بشيء أكثر من ترك النفس

         استعمال آلاته؛ وهي الأعضاء التي تكون البدن كما يترك الصانع استعمال آلاته.

        2- ينبغي أن يوضح للخائف من الموت أن النفس جوهر غير جسماني، وأنها غير قابلة للفساد والعدم

       عندما تفارق البدن. وقد ضرب مسكويه مثالا لطيفا لتغير خواص جوهر ما دون أن يصير إلى عدم؛ 

       وهذا المثال هو تحول الماء إلى بخار وهواء، وتحول الهواء إلى ماء أو نار، ولكن الجوهر باق دائما مهما 

       تغيرت خواصه؛ وهذا مبدأ فيزيائي معروف. وإذا كان الأمر كذلك حتى في الجواهر الجسمانية 

       (المادية)، فغن الجوهر الروحاني (النفس) الذي لا يقبل التغير والاستحالة في ذاته إنما يقبل كمالاته وتمام

       صوره؛ فكيف يتوهم فيه العدم والتلاشي؟

      3- ينبغي أن يبين للشخص الذي يخاف الموت لأنه لا يعلم مصير نفسه، أو لأنه يجهل بقاء النفس

      وكيفية المعاد، أنه لا يخاف الموت على الحقيقية، وإنما يجهل ما ينبغي أن يعلمه؛ فالجهل إذن هو المخوف

      مما يتطلب بذل الجهد في طلب العلم وتحصيل المعرفة للقضاء على الجهل.

وعلاج هذا الجهل يتطلب -كما شرح مسكويه- أن يعرف الإنسان بأن "من خاف الموت الطبيعي فقد خاف ما ينبغي أن يرجوه؛ وذلك أن هذا الموت هو تمام حد الإنسان لأنه حي ناطق مائت، فالموت تمامه وكماله وبه يصير إلى أفقه الأعلى…فإذن يجب على العاقل أن يستوحش من النقصان، ويأنس بالتمام، ويطلب كل ما يتممه ويكمله ويشرف ويعلى منزلته…، ويثق بأن الجوهر الشريف الإلهي إذا تخلص من الجوهر الكثيف الجسماني خلاص نقاء وصفو، لا خلاص مزاج وكدر، فقد سعد وعاد إلى ملكوته وقرب من بارئه، وفاز بجوار رب العالمين، وخالط الأرواح الطيبة من أشكاله وأشباهه، ونجا من أضداده وأغياره (212-213).

    4- ينبغي أن يوضح للذي يظن أن للموت ألما عظيما غير ألم الأمراض التي ربما تقدمته وأدت إليه أن هذا 

    ظن كاذب؛ لأن الألم إنما يكون للحي، والحي هو القابل أثر النفس، فأما الجسم الذي ليس فيه أثر النفس 

    فإنه لا يألم ولا يحس. وعليه، فالموت الذي هو مفارقة النفس البدن لا ألم له؛ لأن البدن إنما كان يألم

    ويحس بالنفس وحصول أثرها فيه، فإذا صار جسما لا أثر فيه للنفس فلا حس له ولا ألم (213).

      5- ينبغي أن يبين للذي يخاف من الموت لأجل العقاب الذي يوعد به بعده أنه ليس يخاف الموت بل

      يخاف العقاب، والعقاب إنما يكون على شيء باق بعد البدن الداثر…فهذا الشخص في الواقع خائف من

      ذنوبه وآثامه وليس من الموت. ومن خاف عقوبة على ذنب، فالواجب عليه أن يحذر ذلك الذنب 

     ويجتنبه ويبتعد عن الرذائل ويلتزم بالفضائل (214). والخائف من الموت بهذا الأسلوب جاهل بما ينبغي

     أن يخاف منه وخائف مما لا أثر له ولا خوف منه، وعلاج الجهل يكون بالعلم (214).

    6- ينبغي أن يبين للذي يخاف الموت لأنه لا يدري على ما يقدم عليه (مصيره) بعد الموت بأنه شخص

    جاهل يخاف بجهله، وعلاجه أن يتعلم ليعلم ويثق ومن وثق فقد عرف سبيل السعادة وعرف كيف

    يسلكها، ومن سلك طريقا مستقيما إلى غرض صحيح أفضى إليه لا محالة؛ وهذه الثقة التي تكون بالعلم

   هي اليقين؛ وهي حال المستبصر في دينه المتمسك بحكمته (214).

   7- أما الشخص الذي يزعم بأنه لا يخاف الموت وإنما يحزن على من يخلف من أهل ومال وولد وممتلكات، 

   ويأسف على ما يفوته من ملاذ الدنيا وهواتها؛ فينبغي أن يبين له أن الحزن تعجل ألم ومكروه على ما لا

   يجدي الحزن عليه شيئا. ويدخل هذا العلاج في باب علاج الحزن الذي أفرد له مسكويه بابا خاصا به.     

   ولا يختم مسكويه اقتراحاته الخاصة بعلاج الخوف من الموت إلا بإيراد الآراء الفلسفية في الإنسان حيث

   أشارت هذه الآراء " أن كل كائن فاسد لا محالة، فمن أحب أن لا يفسد فقد أحب أن لا يكون ومن   

   أحب أن لا يكون فقد أحب فساد نفسه، فكأنه يحب أن يفسد ويحب أن لا يفسد، ويحب أن يكون

   ويحب أن لا يكون، وهذا محال لا يخطر ببال عاقل" (215).

  وبعد هذا أورد مسكويه الحجة الأخيرة في هذا الباب وهي حجة متداولة عن الموت مفادها أنه :لو لم يمت 

  أسلافنا وآباؤنا لم ينته الوجود إلينا، ولو جاز أن يبقى الإنسان لبقي من تقدمنا ولو بقي الناس على ما هم 

  عليه من التناسل ولم يموتوا لما وسعتهم الأرض…" (215).

 - الحزن وعلاجه: عرف مسكويه الحزن بأنه: "ألم نفساني يعرض لفقد محبوب أو فوت مطلوب، وسببه  

 الحرص على القنيات الجسمية، والشره إلى الشهوات البدنية، والحسرة على ما يفقده أو يفوته منها. وإنما 

 يحزن…من يظن أن ما يحصل له من محبوبات الدنيا يجوز أن يبقى ويثبت عنده، وأن جميع ما يطلبه من 

 مفقوداتها لابد أن يحصل له ويصير في ملكه" (217).

ويتمثل علاج الحزن الذي اقترحه مسكويه فيما يأتي:

1- ينبغي للإنسان أن يعلم أن جميع ما في الكون غير ثابت ولا باق وبالتالي فلا ينبغي له أن يطمع فيي المحال أو أن يطلبه. وإذا لم يطمع فيه لم يحزن لفقد ما يهواه ولا لفوت ما يتمناه في هذا العالم.

2- ينبغي أن يقتصر الإنسان على طلب المحبوبات الباقية، والإعراض عما ليس في طبعه البقاء والثبات. وقد أكد مسكويه أن الثابت الباقي هو ما يكون في عالم العقل.

3- إذا حصل الإنسان على شيء من المحبوبات ينبغي له أن يأخذ منها بمقدار الحاجة إلى دفع آلام الجوع والعري والضرورات التي تشبهها، وترك الادخار والاستكثار، والماس المباهاة والافتخار، ولم يحدث نفسه بالمكاثرة بها والتمني لها. فإذا فارقته لم ياسف عليها ولم يبال بها، فإن من فعل ذلك أمن فلم يجزع وفرح فلم يحزن وسعد فلم يشق.

4- أن يستشعر الإنسان بالعادة الجميلة الرضى بكل ما يجده وعدم الحزن لشيء يفوته مما يجعله مسرورا سعيدا.

هذه هي الانفعالات الأساسية التي عرضها مسكويه بالتفصيل تعريفا وتشخيصا وعلاجا؛ وذلك كله ضمن المقالة السادسة والأخيرة من كتابه. وقد خصصت هذه المقالة لصحة النفس من حيث حفظها، وردها إذا اختلت واضطربت.

وقد قدم مسكويه لباب صحة النفس بالتأكيد على ارتباط النفس بالبدن، وتعلق كل منهما بالآخر، وتغير كل منهما إذا تغير الآخر؛ فيصح بصحته، ويمرض بمرضه. وكما أن طب الأبدان ينقسم إلى قسمين أحدهما حفظ الصحة إذا كانت حاضرة، والآخر ردها إليها إذا كانت غائبة؛ فكذلك طب النفوس ينقسم إلى قسمين حسب هذا التحديد.

وبالإضافة إلى هذا التحديد، وضع مسكويه قواعد عديدة لحفظ صحة النفس، وشرحها بشيء من التفصيل، إلا أننا نقتصر هنا على إيراد دور "الذاكرة" في هذه الصحة لما له من أهمية من ناحية الوقاية على أساس معرفي؛ حيث قال مسكويه بهذا الصدد: "وينبغي لحافظ الصحة على نفسه أن لا يحرك قوته الشهوية ولا قوته الغضبية بتذكر ما أصاب منهما فوجد لذة بهما، بل يتركهما حتى يتحركا بأنفسهما" (185).

ولعلنا لا نجانب الصواب، ولا نبالغ إذا قلنا إن مسكويه قد سبق علماء النفس المعاصرين في اقتراح أساليب لوقاية النفس من الاضطرابات الوجدانية خاصة، وتقوم هذه الأساليب على العقاب الذاتي، والتعزيز السلبي، والإطفاء التدريجي (الفطام النفسي)، والإدراك (المعرفة).

ومن ذلك قوله: "وينبغي لحافظ الصحة على نفسه أن يلطف نظره في كل ما يفعل ويدبر، ويستعمل فيه آلات بدنه ونفسه لئلا يجري فيها على عادة تقدمت له مخالفة لما يوجبه تمييزه ورويته" (186). وكذلك قوله: "فإذا أنكر من نفسه مبادرة إلى طعام ضار أو ترك حمية قد كان استشعرها، أو تناول فاكهة غير موافقة أو حلواء كذلك عاقب نفسه بصوم لا يفطر فيه إلا على ألطف ما يقدر عليه أو أقله…" (187). ومن ذلك قوله: "وإن أنكر من نفسه كسلا وتوانيا في مصلحة به، فليعاقب نفسه بسعي فيه مشقة، أو صلاة فيها طول، أو بعض الأعمال الصالحة التي فيها كد وتعب" (187).

أما رد الصحة على النفس أي العلاج النفسي، فقد خصص له مسكويه محورا خاصا به؛ حيث أوضح أن أمراض النفس هي ثمانية رذائل لأنها ضعف الفضائل الأربع. وهذه الرذائل هي: التهور والجبن، الشره والخمود، الجهل والدهاء، والجور والمهانة. وتقابل هذا الرذائل فضائل أربع وهي: الشجاعة والعفة، والحكمة والعدالة.

وتمثل الرذائل -في نظر مسكويه- "أجناس الأمراض العالية التي تقابل الفضائل التي هي صحة النفس، وتحت هذه الأجناس أنواع لا نهاية لها" (193). 

والملاحظ أنه وبالرغم من تغلب التناول الأخلاقي على منهجية مسكويه في دراسة الصحة النفسية، إلا أنه من الرواد الأوائل الذين أشاروا وأكدوا على أهمية الجانبين: الوجداني والعقلي (المعرفي)، وعلى دورهما في حفظ الصحة وإعادتها للإنسان عند اضطرابها واختلالها. كما أن مسكويه لم يغفل تأثير هذين الجانبين في السلوك بصفة عامة، وفي الصحة النفسية بصفة خاصة وقاية وعلاجا.

5- الجانب السلوكي:

إن الهدف من تـأليف مسكويه لكتابه "تهذيب الأخلاق" هو تحسين السلوك وتهذيبه وترقيته على أساس منهاج علمي؛ ولذا قال  في مقدمة كتابه: "غرضنا في هذا الكتاب أن نحصل لأنفسنا خلقا تصدر به عنا الأفعال كلها جميلة، وتكون مع ذلك سهلة علينا لا كلفة فيها ولا مشقة، ويكون ذلك بصناعة وعلى ترتيب علمي"(2).

ويتوقف هذا المنهج أو الترتيب العلمي الذي رسمه مسكويه على "…أن نعرف أولا نفوسنا: ما هي، وأي شيء هي، ولأي شيء أوجدت فينا -أعني كمالها وغايتها، وما قواها وملكاتها التي إذا استعملناها على ما ينبغي بلغنا بها هذه الرتبة العلية، وما الأشياء العائقة لنا عنها وما الذي يزكيها فتفلح، وما الذي يدسيها فتخيب، فإن الله عز وجل يقول (ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها)"(2).

أكد مسكويه عند دراسته لموضوع المحبة وتأثيرها في السلوك على أن مقاصد الناس في مطالبهم وسيرهم ثلاثة، ويتركب منها مقصد رابع. وهذه المقاصد هي: اللذة، والخير، والنافع (المنفعة)، والمتركب من هذه المقاصد (136). وعليه، فإن سلوك الناس تتحكم فيه هذه المقاصد وتوجهه وفق الأساس الذي انطلقت منه. ولذا، أشار مسكويه إلى أنواع المحبة التي تكون بين الناس واختلافها باختلاف مقاصدها وأهدافها. 

وبعد هذا، بين مسكويه  تأثير "اللذة" في السلوك، وأشار إلى أن ميل الطبع إلى اللذة الحسية ميل قوي جدا. ومتى كانت اللذة حسية قبيحة ثم مال الطبع إليها بإفراط وانفعل منها بقوة، استحسن الإنسان فيها كل قبيح وهون على نفسه منها كل صعب، ولم ير موضع الغلط ولا مكان القبيح حتى تبصره الحكمة. فأما اللذة العقلية الجميلة، فأمرها بالضد؛ وذلك أن الطبع يكرهها، فإن انصرف الإنسان إليها بمعرفته وتمييزه احتاج إلى صبر ورياضة حتى إذا تدرب عليها انكشف له حسنها وبهاؤها، وصار بالضد مما كان في الحس (102). وعليه، فإن الإنسان في طفولته محتاج إلى سياسة الوالدين، ثم إلى الشريعة الإلهية والدين القيم حتى تهذبه وتقومه، ثم إلى الحكمة البالغة لتتولى تدبيره إلى آخر عمره (102).

ولكون السعادة ألذ الأشياء -كما أكد ذلك مسكويه عدة مرات- فإنها تؤثر في السلوك بصفة عامة، وتصبح مرتبطة به لأنها لذة فاعلة؛ ولذة الفاعل أبدا تكون في الإعطاء، ولذة المنفعل أبدا تكون في الأخذ. ولا تظهر لذة السعيد إلا بإبراز فضائله، وإظهار حكمته ووضعها في مواضعها (102).

وعلاوة على هذا، فقد أكد مسكويه العلاقة الموجودة بين "السعادة" والسلوك بصفة أوضح في المقالة الرابعة من كتابه، والتي خصصها لموضوع "العدالة" حيث قال: "إن السعادة تظهر في الأفعال من العدالة والشجاعة والعفة، وسائر ما تحت هذه الأنواع التي أحصيناها وحددناها (105). وقد استدرك مسكويه نفسه مشيرا إلى أن بعض الأفعال كالعدالة والشجاعة والعفة قد تظهر ممن ليس بسعيد ولا بفاضل. ولكن الأغراض (الأهداف) من القيام بهذه الأفعال هي التي تختلف بين السعيد وغير السعيد؛ ذلك أن السعيد يختار هذه الأفعال (الفضائل) لذاتها لا لغرض آخر غيرها، ثم إنه لا يتناول من شهواته إلا بمقدار الحاجة، ومن الوجه الذي ينبغي، وفي الوقت الذي ينبغي وعلى الحال الذي ينبغي (106).

وإلى جانب تأكيد العلاقة بين السعادة والسلوك، فقد أقام مسكويه علاقة أخرى بين السعادة والعدالة وبين العدالة والسلوك حيث أورد قول أرسطو: "وليست العدالة جزءا من الفضيلة بل هي الفضيلة كلها، ولا الجور الذي هو ضدها جزءا من الرذيلة لكن الرذيلة كلها. فبعض أنواع الجور ظاهر يفعل بالإرادة مثل ما يكون في البيع والشراء والكفالات والقروض والعواري، وبعضها خفي يفعل أيضا بالإرادة مثل السرقة والفجور…" (117).

أما أسباب المضرات التي ترتبط بالسلوك، فيرجعها مسكويه كلها إلى "أربعة أنواع: أحدها الشهوة ويتبعها الرداءة، والثاني الشرارة ويتبعها الجور، والثالث الخطأ ويتبعه الحزن، والرابع الشقاء ويتبعه الحيرة وفيها مذلة وحزن…" (118).

وقد خصص مسكويه جزء كبيرا من كتابه لتأديب الأحداث وتدريبهم على الأخلاق الفاضلة والآداب العامة فلا يثقل عليهم بعد ذلك تجنب الرذائل بل ويسهل عليهم أيضا اتباع جميع ما ترسمه الحكمة وتحده الشريعة والسنة، ويعتادون ضبط النفس عما تدعوهم غليه من اللذات القبيحة، وتسوقهم إلى مرتبة الفلسفة العالية وترقيهم إلى معالي الأمور من التقرب إلى الله ومجاورة الملائكة مع حسن الحال في الدنيا، وطيب العيش وجميل  السيرة، وقلة الأعداء، وكثرة المداح والراغبين في مودته من الفضلاء خاصة (62).

ولا تقتصر عملية التأديب على الأحداث بل وتصلح أيضا للكبار أفرادا وجماعات، وهذا ما بينه مسكويه في عدة مواضع من كتابه.


ملمح الإنسان عند مسكويه

ما هو ملمح الإنسان عند مسكويه؟

وصف مسكويه الإنسان -كما بينا ذلك أعلاه- بأنه ذو جانبين: جسماني وروحاني فقال: "إن الإنسان ذو فضيلة روحانية يناسب بها الأرواح الطيبة التي تسمى ملائكة، وذو فضيلة جسمانية يناسب بها الأنعام، لأنه مركب منهما، فهو بالجزء الجسماني الذي يناسب به الأنعام مقيم في هذا العالم الجسماني السفلي مدة قصيرة، ليعمره وينظمه ويرتبه حتى إذا ظفر بهذه المرتبة على الكمال انتقل إلى العالم العلوي، وأقام فيه دائما سرمدا في صحبة الملائكة والأرواح الطيبة" (83).

ولكن تحصيل السعادة التامة لا تتم للإنسان إلا بالجمع بين الفضائل الجسمانية والفضائل الروحانية، وفي هذا قال مسكويه: "ومادام الإنسان إنسانا فليس تتم له السعادة إلا بتحصيل الحالين جميعا، وليس يحصلان على التمام إلا بالأشياء النافعة في الوصول إلى الحكمة الأبدية. فالسعيد إذن من الناس يكون في إحدى مرتبتين: إما أن يكون في رتبة الأشياء الجسمانية متعلقا بأحوالها السفلى سعيدا بها، وهو مع ذلك يطالع الأمور الشريفة باحثا عنها مشتاقا إليها متحركا نحوها مغتبطا بها، وإما أن يكون في رتبة الأشياء الروحانية متعلقا بأحوالها العليا سعيدا بها، وهو مع ذلك يطالع الأمور الدنيئة معتبرا بها، ناظرا في علامات القدرة الإلهية ودلائل الحكمة البالغة، مقتديا بها، ناظما لها، مفيضا الخيرات عليها، سائقا لها نحو الأفضل فالأفضل بحسب قبولها وعلى نحو استطاعتها. وأي امرىء لم يحصل في إحدى هاتين المنزلتين فهو في رتبة الأنعام بل هو أضل.." (84).

ولكن الناس في الواقع يتفاوتون أيضا في مراتب السعادة حيث بين ذلك مسكويه بقوله: "وإذا قد تبين أن السعيد لا محالة في إحدى المرتبتين اللتين ذكرناهما، فقد تبين أن أحدهما ناقص مقصر عن الآخر، وأن الأنقص منهما ليس يخلو ولا يتعرى من الآلام والحسرات، لأجل الخدع الطبيعية والزخارف الحسية التي تعترضه فيما يلابسه فتعوقه عما يلاحظه وتمنعه من الترقي فيها على ما ينبغي وتشغله بما يتعلق به من الأمور الجسمانية. فصاحب هذه الرتبة غير كامل على الإطلاق ولا سعيد تام. وأن صاحب الرتبة الأخرى هو السعيد التام، وهو الذي توفر حظه من الحكمة، فهو مقيم بروحانيته بين الملأ الأعلى، يستمد منهم لطائف الحكمة ويستنير بالنور الإلهي…ولذلك يكون أبدا خاليا من الآلام والحسرات التي لا يخلو صاحب الرتبة الأولى منها، ويكون مسرورا أبدا بذاته مغتبطا بحاله وبما يحصل له دائما من فيض نور الأول…وهذه الرتبة التي من وصل إليها فقد وصل إلى آخر السعادات وأقصاها…"(85).

وكما يتفاوت الناس في مراتب السعادة التي يصلونها، فإنهم يختلفون أيضا في الطبائع والفضائل المكتسبة، وهذا ما نسميه في علم النفس الحديث بالفروق الفردية؛ وهذا ما بينه مسكويه في قوله: "ويجب أن تعلم أن اسم الإنسان، وإن كان يقع على أفضلهم وعلى أدونهم، فإن بين هذين الطرفين أكثر مما بين كل متضادين من البعد…وليس هذا في الإنسان وحده بل في أكثر الجواهر الأخر، وإن كان في الإنسان أكثر وأشد تفاوتا" (37).

وقال أيضا في هذا المعنى: "وينبغي أن تعلم أن كل إنسان معد نحو فضيلة ما فهو إليها أقرب، وبالوصول إليها أحرى، ولذلك ما تصير سعادة الواحد من الناس غير سعادة الآخر إلا من اتفقت له نفس صافية وطبيعة فائقة، فينتهي إلى غايات الأمور وإلى غاية غاياتها، أعني السعادة القصوى التي لا سعادة بعدها" (72).   

ونظرا لاختلاف الأفراد في طبائعهم واستعداداتهم وقدراتهم العقلية والجسمية والسلوكية، فإن ذلك مدعاة لمراعاة الفروق الفردية ودوافع الناس عند توجيههم وتعلميهم ليس كأفراد فقط بل كتنظيم معقد يشكل مؤسسات وتجمعات ومدنا في حاجة إلى تدبير وعناية.

وفي هذا المعنى قال مسكويه: "ولأجل ذلك (اختلاف الأفراد) يجب على مدبر المدن أن يشوق كل إنسان نحو سعادته التي تخصه، ثم يقسم عنايته بالناس ونظره لهم بقسمين: أحدهما في تسديد الناس وتقويمهم بالعلوم الفكرية، والآخر في تسديدهم نحو الصناعات والأعمال الحسية" (72). ولكن هذا التسديد ينبغي أن يكون وفق منهجية اقترحها مسكويه وتراعى فيها غايات الأفراد بحسب فروقهم الفردية؛ "وإذا سددهم نحو السعادة الفكرية بدأ بهم من الغاية الأخيرة على طريق التحليل، ووقف بهم عند القوى التي ذكرناها. وإذا سددهم نحو السعادة العملية بدأ بهم من عند هذه القوى وانتهى بهم إلى تلك الغايات" (72).

وبغض النظر عن اتفاقنا أو عدم اتفاقنا مع آراء مسكويه المتعلقة بفلسفة المعرفة والأخلاق والوجود، فإنها أفكار جديرة بالدراسة والتمحيص والاستفادة منها على ضوء العصر ومتطلباته.  




http://faculty.kfupm.edu.sa/MGM/mustafai/Man%20in%20Miskauih%20Thought.doc


 







يجب أن تكون مسجلا لتتمكن من الرد     يجب أن تكون مسجلا لتتمكن من التعليق    










عدد القراءات : 1902


منتديات دهشة | سوقك إعلانات مبوبة مجانية | منتديات سعودي زووم | بلوج عربي مدونات إنشاء مدونة مجانا | تكتكات مقاطع و كليبات فيديو | بحثك دليل المواقع العربية الشامل | سوقك الدليل التجاري دليل المواقع التجارية | Islamic blogs | جريدة المعلن : إعلانات مبوبة مجانية | Adsriver Classifieds & Free Ads | منتديات أوطاني | جوابك : سين جيم - سؤال و جواب| جريدة الوسيط إعلانات مبوبة مجانية | اليمام إعلانات مبوبة مجانية تجارية

إدارة دهشة غير مسؤولة عن المواد التي ينشرها الأعضاء. إذا وجد المالك لأي مادة خرقا لحقوق الملكية والنشر فالرجاء إبلاغنا على بريد دهشة لنتحقق من ذلك ونقوم بالإجراءات اللازمة.
The administration of Dahsha is not responsible for what users post. If the owner of any content finds a copyright infringement and wants it removed, we expect him/her to contact us with the details upon which we can take the proper action.
سياسة الخصوصية