دهشة :: الموسوعة العربية
الصفحة الأولى عن دهشة شجرة الموقع تسجيل للإتصال بنا
اسم المستخدم     كلمة السر مستخدم جديد؟ سجل الأن

الأكثر قراءة
بحث

للبحث في دهشة بطريقة أخرى




إنسان الحضارة في فكر ابن نبي - د. مصطفى عشوي doc text

ناشر الموضوع : الشريف

إنسان الحضارة في  فكر ابن نبي  - د. مصطفى عشوي




- مقدمة:

سافر مالك بن نبي إلى باريس ليختص في الهندسة الكهربائية وبلاده ماتزال تحت الاحتلال الفرنسي. ولكن دراسته في الهندسة لم تصرفه عن قضايا أمته التي كانت تعاني الاحتلال منذ عشرات السنين؛ فاهتم بالمشكلات الفكرية في البلاد المستعمرة وبالقضايا المرتبطة بالحضارة بصفة عامة. واهتم بصفة أخص بقضايا الإنسان ودوره في بناء الحضارة.

 ومن خلال تراكم معارفه واتساع مجال ملاحظاته من العالم الغربي إلى العالم الإسلامي استنتج ابن نبي أن مشكلات الإنسان مرتبطة بمشكلة الحضارة التي يرى بأنها تنحل إلى ثلاث مشكلات أولية: مشكلة الإنسان، مشكلة التراب، مشكلة الوقت. فلكي نقيم بناء حضارة لا يكون ذلك بأن نكدس المنتجات وإنما بأن نحل المشكلات الثلاث من أساسها . 

وكما أن مشكلات الإنسان مرتبطة أساسا بمشكلة حضارته فإن الأمر كذلك بالنسبة لمشكلة كل شعب حيث يقرر ابن نبي أن: "مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارته. ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلته ما لم يرتفع بفكرته إلى الأحداث الإنسانية، وما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها" .

وإذا كانت العوامل الأساسية للحضارة من إنسان وتراب ووقت متوفرة في كل مكان كرأسمال لكل الشعوب؛ فإن هذه العوامل المادية -كما يسميها ابن نبي- تحتاج إلى ما يطلق عليه (مركب الحضارة) أي العامل الذي يؤثر في مزج العناصر الثلاثة بعضها ببعض. ويؤكد ابن نبي أن الفكرة الدينية هي التي رافقت دائما تركيب الحضارة خلال التاريخ .   

ويلاحظ ابن نبي أن للتاريخ دورة وتسلسلا، فهو تارة يسجل للأمة مآثر عظيمة ومفاخر كريمة، وهو تارة أخرى يلقي عليها دثارها ليسلمها إلى نومها العميق. ويرى ابن نبي أن معرفة الإنسان لمكانه في دورة التاريخ مما يسهل عليه معرفة عوامل النهضة أو السقوط في حياته.  ويؤكد أن "التاريخ يبدأ بالإنسان المتكامل الذي يطابق دائما بين جهده وبين مثله الأعلى وحاجاته الأساسية والذي يؤدي رسالته المزدوجة بوصفه ممثلا وشاهدا. وينتهي التاريخ بالإنسان المتحلل؛ بالجزيء المحروم من قوة الجاذبية، بالفرد الذي يعيش في مجتمع منحل، لم يعد لوجوده أساس روحي أو أساس مادي" .

ويربط ابن نبي بين الحضارة وقيمة الإنسان؛ ويؤكد "أن الحضارة الإسلامية انتهت منذ الحين الذي فقدت في أساسها قيمة الإنسان. وليس من التطرف في شيء القول بصفة عامة أن الحضارة تنتهي عندما تفقد في شعورها معنى الإنسان" .

ويتبين بوضوح من قراءة فكر ابن نبي مدى جرأته في الإشارة إلى زوال الحضارة الإسلامية، وربط ذلك بانحطاط إن لم يكن انعدام قيمة الإنسان في العالم الإسلامي. ولعل في هذا التأكيد إشارة إلى الحديث الشريف الذي يصف المسلمين كغثاء السيل؛ وهل لغثاء السيل (الزبد) من قيمة ؟ . وقد أكد ابن نبي أن الإنسان المسلم فقد قيمته التاريخية والحضارية منذ أن خرج من الحضارة بعد عهد الموحدين في شمال إفريقيا. ولا يزال هذا الإنسان "في السن النفسانية المتطابقة مع الأشياء؛ وفي هذه السن يكون المجتمع مجردا من ثقته في الأفكار؛ فالفكرة لا يتم تقييمها لديه كوسيلة للنشاط الاجتماعي، أو السياسي، وإنما هي مجرد حيلة للفكر المتميز وترف زائد. وعالم ما بعد العهد الموحدي يمثل عالما ذا بعدين هما: الشيء، والشخص؛ فهو عالم  فاقد لبعد الفكرة…والاتصال بيننا لا يتم عن طريق الأفكار" .

ونظرا للأهمية القصوى التي يحتلها الإنسان وقيمة الإنسان بالذات في أي مشروع حضاري، فإن ابن نبي لم يتوان في التأكيد على أن المشكلة الأساسية في العالم الإسلامي هي مشكلة الإنسان إلى جانب مشكلتي التراب والوقت. ووصف ابن نبي الإنسان المسلم في علاقته بالحضارة بعد عصر الموحدين بإنسان "ما بعد الحضارة". وقد بنى ابن نبي هذا الوصف على تصنيفه للإنسان بصفة عامة في علاقته بالحضارة حسب التصنيف التالي: إنسان ما قبل الحضارة، وإنسان الحضارة، وإنسان ما بعد الحضارة. وقال في هذا المعنى في كتابه "شروط النهضة" : "وقبل بدء دورة من الدورات أو عند بدايتها يكون الإنسان في حالة سابقة للحضارة أما في نهاية الدورة فإن الإنسان يكون قد تفسخ حضاريا وسلبت منه الحضارة تماما. فيدخل في عهد ما بعد الحضارة" . وأضاف إلى ذلك أن "الإنسان الذي تفسخ حضاريا مخالف تماما للإنسان السابق على الحضارة أو الإنسان الفطري. فالأول ليس مجرد إنسان خارج عن الحضارة فحسب كما هي الحال مع الثاني الذي سميناه فيما سلف الإنسان الطبيعي إذ الإنسان المسلوب الحضارة لم يعد قابلا لإنجاز أي عمل متحضر إلا إذا تغير هو نفسه عن جذوره الأساسية. وعلى العكس من ذلك فإن الإنسان السابق على الحضارة يظل مستعدا كما هي الحال مع البدوي المعاصر للنبي للدخول في دورة حضارة" .

وهكذا يشخص ابن نبي حالة الإنسان في العالم الإسلامي؛ فهو إنسان متفسخ حضاريا في حاجة إلى تغيير جذري وإلى إعادة بناء من جديد لروحه وعقله ووجدانه وسلوكه. وعلى هذا الأساس، فقد اهتم ابن نبي في محاضراته وكتبه المختلفة بمشكلات الأفكار في العالم الإسلامي وبشروط النهضة وبمشكلة الثقافة وبالشروط القاعدية لميلاد المجتمع وبناء الحضارة. وغني عن البيان التأكيد على أن إعادة بناء إنسان متفسخ أصعب من بناء إنسان فطري (طبيعي) لم تتطرق إليه عوامل التفسخ بعد. ولكن هذه الصعوبة لا تعني بأي حال من الأحوال استحالة إعادة البناء والصياغة من جديد؛ وذلك لما يتمتع به الإنسان من طاقات متنوعة قد تحقق المستحيل عندما تجند حسب خطة واضحة بعيدة المدى مبنية على الوعي بسيكولوجية الشخصية والمجتمع وبشروط البناء الحضاري. 

وفيما يأتي استعراض لأفكار ابن نبي في الجوانب المختلفة التي تشكل الإنسان: الروحية والجسمية والعقلية والوجدانية والسلوكية، حسب نموذج تحليلي اقترحه لهذا الغرض. وسنلاحظ أن ابن نبي قد أولى أهمية قصوى للجوانب الروحية والعقلية والسلوكية ضمن إطار تتكامل فيه هذه الجوانب في تناغم بديع دون إهمال للجوانب الجسمية والوجدانية التي تتفاعل وتتكامل أيضا مع الجوانب الأخرى.

1- الجانب الروحي:

تحدث ابن نبي عن فلسفة الإنسان في الإسلام، وركز في ذلك على الجانب الغيبي حيث قال: "...حتى الضمير الإسلامي لا يمكنه أن يفصل مفهوم الإنسان عن هذا الأساس الغيبي دون أن ينفصل هو عن الإسلام الذي قرن هذا المفهوم بتكريم الله (ولقد كرمنا بني آدم). وهذا التكريم ليس خاصا بالعربي أو بالمسلم بل بنوع (ذي اليدين) كله من ذرية آدم" . ويضيف ابن نبي لهذا: "أما الإسلام فقد أعطى للإنسان كل حجمه في ضمير المسلم لأنه وضع قيمته في هذا الضمير، لا على تقدير الكم ولكن على أساس غيبي يجعلها قيمة لا متناهية" . 

شرح ابن نبي في كتابه "ميلاد مجتمع" المراحل الثلاثة التي مرت بها الحضارة الإسلامية التي تصلح أن تكون نموذجا للحضارات الأخرى؛ فبين أن هذه المراحل تكون حسب التسلسل الآتي:

1-  المرحلة الأولى: وهي المرحلة الروحية، وتعتبر عند ابن نبي "المرحلة الكاملة" حيث تكون جميع الخصائص تحت سيطرة (الروح)، ومتصلة بالاعتبارات ذات الطابع الميتافيزيقي.

2-  المرحلة الثانية: وهي المرحلة العقلية حيث تكون جميع الخصائص والملكات تحت سيطرة (العقل)، وتتجه أساسا نحو حل المشكلات المادية.  

3-  المرحلة الثالثة: تصور هذه المرحلة نهاية الدورة الحضارية وتحللها تحت سلطان (الغرائز) المتحررة من وصاية الروح والعقل، وعند هذه الحالة يصبح النشاط المشترك مستحيلا، ضاربا بأطنابه في أغوار الفوضى والاضطراب .

ويرى ابن نبي أن الدين عامل أساسي في البناء الحضاري، ويشرح أن للدين في بناء الحضارة تأثيرا كبيرا، وأن تطور الحضارة المسيحية مثلا لا يختلف عن تطور الحضارة الإسلامية إذ هما ينطلقان من الفكرة الدينية التي تطبع الفرد بطابعها الخاص وتوجهه نحو غايات سامية. ويزيد الأمر وضوحا عندما يقرر أن الحضارة: "لا تنبعث -كما هو ملاحظ- إلا بالعقيدة الدينية (بمعناها العام) وينبغي أن نبحث في حضارة من الحضارات عن أصلها الديني الذي بعثها، ولعله ليس من الغلو في شيء أن يجد التاريخ في البوذية بذور الحضارة البوذية وفي البراهمية نواة الحضارة البراهمية" .

وربط ابن نبي بين ظهور الحضارة في أمة من الأمم واكتشاف الإنسان لأسمى الأشياء؛ وقال في هذا: "فالحضارة لا تظهر في أمة من الأمم إلا في صورة وحي يهبط من السماء يكون للناس شرعة ومنهاجا، أو هي -على الأقل- تقوم أسسها في توجيه الناس نحو معبود غيبي بالمعنى العام، فكأنما قدر للإنسان ألا تشرق عليه شمس الحضارة إلا حيث يمتد نظره إلى ما وراء حياته الأرضية أو بعيدا عن حقبته إذ حينما يكشف حقيقته الكاملة يكتشف معها أسمى الأشياء التي تهيمن عليها عبقريته وتتفاعل معها" .

وبدون العامل الروحي أو المركب الروحي فإن الإنسان والتراب والوقت لن تعدو أن تكون ركاما راكدا أو كومة مكدسة لا تؤدي دروا في التاريخ. ولكن تجلي الروح في غار حراء (بالنسبة للإسلام)، أو في الوادي المقدس بالنسبة لليهودية أو بمياه الأردن بالنسبة للمسيحية هو الذي أنشأ بين هذه العناصر الثلاثة المكدسة حضارة جديدة .

وشرح ابن نبي منحى صعود الحضارة الإسلامية وربطه بالمرحلة الأولى (الروحية) التي امتدت من غار حراء بنزول كلمة (اقرأ) إلى معركة صفين حيث تمت في هذه المرحلة عملية تركيب للعناصر الأخرى: الإنسان والتراب والوقت. وفي هذه المرحلة "ظلت روح المؤمن هي العامل النفسي الرئيسي من ليلة حراء إلى أن وصلت القمة الروحية للحضارة الإسلامية وهو ما يوافق واقعة صفين عام 38" .      

ولقد تعجب ابن نبي من إهمال المؤرخين لواقعة صفين إذ تعتبر هذه الواقعة بالنسبة إليه منعطفا تاريخيا خطيرا حيث قال: "ولست أدري لماذا لم ينتبه المؤرخون إلى هذه الواقعة التي حولت مجرى التاريخ الإسلامي إذ أخرجت الحضارة الإسلامية إلى طور القيصرية الذي يسوده العقل وتزينه الأبهة والعظمة في الوقت الذي بدأت فيه بوادر الفتور الدالة على أفول الروح" .

ويعتبر ابن نبي تغلب الجانب العقلي على الجانب الروحي مؤشرا لانحطاط حضارة ما. ويضرب مثلا لذلك الحضارة الإسلامية التي فجرتها الطاقة الروحية التي حملها القرآن الكريم، ولكن تغلب العقل وسيطرة الغريزة بعد ذلك على الجانب الروحي أدى إلى خلود هذه الحضارة إلى الأرض بسبب فقدانها للقوة الدافعة لها؛ وهي الطاقة الروحية .

ولقد حاول ابن نبي تطبيق منهج التحليل النفسي في شرح منحى صعود وسقوط الحضارات؛ ويتبين ذلك بصفة أوضح عندما يتعرض لعوامل سقوط الحضارة الإسلامية حيث أكد أن منحنى السقوط تخلفه عوامل نفسية أحط من مستوى الروح والعقل؛ وهذه العوامل هي الغرائز التي تظل ضعيفة ومتوارية عندما تكون الجوانب الروحية والعقلية قوية وظاهرة (متغلبة). وفي هذا يقول ابن نبي: "…وطالما أن الإنسان في حالة يتقبل فيها توجيهات الروح والعقل المؤدية إلى الحضارة ونموها، فإن هذه العوامل النفسية تختزن بطريقة ما فيما وراء الشعور وفي الحالة التي تنكمش فيها تأثيرات الروح والعقل تنطلق الغرائز الدنيا من عقالها، لكي تعود بالإنسان إلى مستوى الحياة البدائية. وكذلك كان شأن المسلم فقد بعث فيه الدين روحا محركا للحضارة فلم يلبث بعد مرحلة قضاها في الخلافات والحروب أن عاد إلى حيث هو الآن" .

إن طغيان وسيطرة الجانب الوجداني -ممثلا أساسا بالغرائز- على الجوانب العقلية والروحية ناجم أساسا عن ضعف هذه الجوانب لما يعتريها من ضعف داخلي جراء مغريات الحياة، والتشتت في الرأي والعمل بالإضافة إلى تعرضها إلى ضغوط خارجية مثل الحروب والكوارث الطبيعية.

ويؤكد ابن نبي أن التدهور الروحي يؤدي حتما إلى التدهور السياسي؛ ويضرب مثلا لذلك في التاريخ الإسلامي بواقعة صفين التي "فصمت الوحدة الشاملة التي بناها محمد (ص) بأمر ربه، فحطت بذلك من مستوى المعركة التي بدأت يوم بدر، وهذا التخطيط أو الهبوط الايديولوجي لم يلبث أن أتى بنتائجه المشؤومة في الميدان السياسي مصداقا لقوله عز وجل (وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين) " .

وقد اتبع ابن نبي طريقة بزوغ الحضارات وميلادها فأشار إلى "أن الحضارة تولد مرتين، أما الأولى فميلاد الفكرة الدينية وأما الثانية: فهي تسجيل هذه الفكرة في الأنفس، أي دخولها في أحداث التاريخ" . ويرى ابن نبي أن "القوى الروحية هي التي تجعل من النفس المحرك الجوهري للتاريخ ". وغاية التاريخ أن يسير بركب التقدم نحو شكل من أشكال الحياة الراقية التي يسميها ابن نبي بالحضارة.

ويلخص ابن نبي دور الفكرة الدينية كوسيلة تقوم بتركيب مختلف العناصر التي تشكل الحضارة في قوله: "وجملة القول إن الوسيلة إلى الحضارة متوفرة ما دامت هنالك فكرة دينية تؤلف العوامل الثلاثة: الإنسان والتراب والوقت لتركب منها كتلة تسمى في التاريخ حضارة" .    

 وللدين في جانبه الغيبي وظيفة مهمة أخرى تتمثل قي قدرتها عن إعطاء تفسير واضح للظواهر التي تعجز عنها القوانين الطبيعية؛ وبذلك ينتج عن الحتمية الغيبية "مذهب كامل متسق متجانس لا نقص فيه ولا تعارض، مما لزم المذهب المادي. وفي الوقت الذي يعبر فيه المذهب الغيبي عن المطالب الفلسفية للعقل، الذي يرمي إلى ربط الأشياء والظواهر ربطا منطقيا في تأليف متسق، نجده ينصب علاوة على ذلك جسرا يتجاوز حدود المادة إلى مثال أعلى للكمال الروحي، إلى الهدف الأساسي الذي لا تكف الحضارة عن الاتجاه نحوه…" .

ويقيم ابن نبي علاقة وثيقة ين الجانب الروحي والجانب السلوكي حيث يؤكد دور العلاقة الروحية في إقامة العلاقات الاجتماعية؛ وذلك في قوله: "فالعلاقة بين الله والإنسان هي التي تلد العلاقة الاجتماعية، وهذا بدوره يربط ما بين الإنسان وأخيه الإنسان…فعلى هذا يمكننا أن ننظر إلى العلاقة الاجتماعية والعلاقة الدينية معا من الوجهة التاريخية على أنهما حدث، ومن الوجهة الكونية على أنهما عنوان على حركة تطور اجتماعي واحد" .

ويؤكد ابن نبي أن دور الفكرة الدينية لا يتوقف عند إنجاز رسالة حضارية (متحضرة) بل تتعدى ذلك إلى الحفاظ على استمرار الحضارة لأن الفكرة الدينية تجعل المجتمع والإنسان على بصيرة من هدف جهوده مما يكون لديه قوة دافعة . ولا يتوقف الهدف الذي تنشئه الفكرة الدينية على ما يحققه المجتمع في الحياة الدنيا بل تشكل لدى المجتمع والإنسان غائية أبعد من ذلك؛ وترتبط هذه الغائية بالآخرة مما يعطي للحياة دلالة ومعنى. وعندما تمكن الفكرة الدينية لهذا الهدف من جيل لجيل ومن طبقة لأخرى، فإنها حينئذ تكون قد مكنت لبقاء المجتمع ودوامه وذلك بتثبيتها وضمانها لاستمرار الحضارة .

ولا يتوقف ابن نبي عند تأكيد دور الدين في البناء الحضاري والحفاظ عليه بل يؤكد أن نفسية الفرد في المجتمعات التاريخية على الأقل مفعمة بالنزعة الدينية، ويعدها جزءا من طبيعته. وعليه، فالدين يتدخل في تحديد العناصر الشخصية للفرد أو الأنا . ويزيد ابن نبي الأمر وضوحا عندما يقرر أن تأثير الدين تأثير عام سواء كان ذلك في تحديد عناصر الشخصية الأساسية التي تكون الأنا الواعية في الفرد وما يرتبط بذلك من دوافع وقواعد للسلوك، وفي تنظيم الطاقة الحيوية التي تضعها الغرائز في خدمة هذه الأنا .

ونظرا لتدخل العنصر الديني في تكوين الطاقة النفسية الأساسية للفرد، وفي تنظيم الطاقة الحيوية الواقعة تحت تصرفه، وفي توجيه هذه الطاقة تبعا لمقتضيات النشاط الخاص بهذه (الأنا) داخل المجتمع، وتبعا للنشاط المشترك الذي يؤديه المجتمع في التاريخ؛ فإن الفكرة الدينية تحدث تغييرا في الفرد وفي المجتمع من الناحية النفسية والسلوكية والجمالية.

وأهم تغيير يحدثه الدين في المجتمع هو قيامه بتركيب يهدف إلى تشكيل قيم تمر من الحالة الطبيعية إلى وضع نفسي زمني، ينطبق على مرحلة معينة لحضارة. وبهذا التشكيل يجعل الدين من الإنسان العضوي وحدة اجتماعية ويجعل من الوقت الذي ليس سوى مدة زمنية مقدرة بساعات تمر وقتا اجتماعيا مقدرا بساعات عمل، ومن التراب -الذي يقدم بصورة فردية مطلقة غذاء الإنسان في صورة استهلاك بسيط- مجالا مجهزا مكيفا تكييفا فنيا يسد حاجات الحياة الاجتماعية الكثيرة، تبعا لظروف عملية الإنتاج. ويتجلى دور الدين الفعال المتمثل في تركيب القيم الاجتماعية وبقية عناصر الحضارة عندما يكون الدين في حالة قوته وانتشاره، وعندما يعبر عن فكرة جماعية، أما حينما يصبح الدين إيمانا جذبيا في شكل نزعة فردية دون إشعاع فإن رسالته التاريخية تنتهي على الأرض؛ إذ يصبح عاجزا عن دفع الحضارة وتحريكها .     

وكما أن للدين علاقة بالجانب السلوكي، فإن له أيضا علاقة بالجانب العقلي حيث يسهم إلى حد كبير في تشكيل وتجديد المناخ العقلي لمجتمع ما. وهذا ما يوجزه ابن نبي في قوله: "إن القرآن الكريم لم يأت قطعا، وبصورة مباشرة، لا بالحساب العشري ولا بالجبر، ولكنه أتى بالمناخ العقلي الجديد الذي يتيح للعلم أن يتطور" .

وهذا المناخ نفسه هو الذي يبين حدود العقل في تفسير كل الظواهر مما يفتح المجال لدور الفكرة الدينية لتؤدي دورها في هذا المجال، ويشرح هذا ابن نبي بقوله: "الحتمية الغيبية (الميتافيزيقية) تسعفنا حين تعجز القوانين الطبيعية عن إعطاء تفسير واضح للظواهر. وبذلك ينتج عنها مذهب كامل متسق متجانس لا نقص فيه ولا تعارض، مما لزم المذهب المادي. وفي الوقت الذي يعبر فيه المذهب الغيبي عن المطالب الفلسفية للعقل، الذي يرمي إلى ربط الأشياء والظواهر ربطا منطقيا في تأليف متسق، نجده ينصب علاوة على ذلك جسرا يتجاوز حدود المادة إلى مثال أعلى للكمال الروحي، إلى الهدف الأساسي الذي لا تكف الحضارة عن الاتجاه نحوه…" .   

وبالإضافة إلى الدور الحضاري الذي تقوم به الفكرة الدينية على المستوى الفردي والاجتماعي، فإن للدين دورا أخلاقيا وإن كان يرتبط بالمنفعة الشخصية فإنه يمتاز عن الأخلاق "اللادينية" برعاية منافع الآخرين؛ وهي بذلك تدفع الفرد إلى أن ينشد دائما ثواب الله قبل أن يهدف إلى فائدته .وعلى هذا الأساس، فإن للأخلاق بعدان: بعد يرتبط بالمنفعة الشخصية سواء كانت مادية أم معنوية، وبعد روحي يتجاوز المنفعة في هذا العالم الفاني، ويرجو منفعة دائمة، ونعيما خالدا في الدار الآخرة. ولاشك أن هذا الإدراك مرتبط بالإيمان وبالجانب الروحي أساسان إلا أنه مرتبط أيضا بالجانب العقلي في الإنسان، إذ أن هذا الجانب هو الذي يكمل الجانب الروحي وبقية جوانب الشخصية في الإنسان. وقبل التعرض للجانب العقلي بشيء من التفصيل إذ أولى ابن نبي أهمية قصوى لهذا الجانب، فإنه يستحسن عرض موقف ابن نبي من الجانب البيولوجي أو الجسمي عند الإنسان.  

2- الجانب الجسمي:

يرى ابن نبي أن للفرد بصفته عاملا أوليا للحضارة قيمتان: الأولى منها خام، والأخرى صناعية؛ أي أن الأولى طبيعية والثانية اجتماعية. أما القيمة الأولى فهي موجودة في التكوين البيولوجي لكل فرد، وتتمثل في استعداده الفطري لاستعمال عبقريته وترابه ووقته…وأما القيمة الثانية فإنه يكتسبها من وسطه الاجتماعي؛ وتتمثل هذه القيمة في الوسائل التي يجدها الفرد في إطاره الاجتماعي لترقية شخصيته وتنمية مواهبه وتهذيبها. وتتمثل وظيفة الهيئة الاجتماعية في الواقع في هذه الترقية أو التنمية .

ويرى ابن نبي أن للفرد كيانا ماديا ومجالا روحيا؛ فإذا كان الأول يشكل مجاله الحيوي (البيولوجي) ويمنحه منذ ميلاده العناصر الضرورية لنموه بواسطة عمليات الهضم والتمثيل ودوران الدم والتنفس، فإن المجال الروحي هو الذي ينميه من الناحية النفسية. وعليه، فإذا ما فقد الفرد صلته بالمجال الحيوي فإنه يموت موتا ماديا، وكذلك الأمر إذا فقد صلته بالمجال الثقافي فإنه يموت موتا ثقافيا .

وبالإضافة إلى دور الإنسان في حفظ حياته ونموه (الفردية) نتيجة قيامه بمختلف الوظائف الحيوية من شرب وأكل، فإنه يعمل "بداع من طبيعته من أجل الحفاظ على النوع، وبوحي من ضميره من أجل تقدمه، فهو إذن مزود بسلطة مزدوجة. ولكن التكليف هو الذي ينظم العلاقة الداخلية لهذه السلطة المزدوجة، بحيث يكون عمل الغرائز واندماجها مطابقا لرسالته الاجتماعية" . وإذا كان الإنسان يشرب ويأكل وينسل ويملك ويكافح من أجل استمرار النوع فإنه يجب عليه أن يراقب هذه النشاطات الأولية، وأن يوجهها لغايات تتفق وتقدم النوع. ويعتبر "الضمير" المحدد الذي يعطي لعمل الإنسان معنى تاريخيا وأخلاقيا . وليس هذا الضمير إلا العنصر الديني الذي يغذي الجذور النفسية للفرد، والذي يتدخل مباشرة في العناصر الشخصية التي تكون "الأنا" الواعية في الفرد، وفي تنظيم الطاقة الحيوية التي تضعها الغرائز في خدمة هذه "الأنا" .

والغريب أن ابن نبي يجاري علماء مدرسة التحليل النفسي، ويقرر أن دور العنصر الديني ليس عامل تنظيم نفسي رئيسي فقط، ولكن دور هذا العنصر يتجلى أيضا "في صورة تحريم مانع في بعض الظروف المرضية، كما في حالة الكبت" .

ويقيم ابن نبي علاقة واضحة بين مراحل الدورة الحضارية والتحكم في الطاقة الحيوية؛ وذلك حسب التوضيح التال ي:

- المرحلة الأولى (الروحية): وتكون الطاقة الحيوية في أم حالات تنظيمها، ويكون نظام الأفعال المنعكسة للفرد في أقصى فاعليته الاجتماعية. وهذا هو العصر الذهبي لأي مجتمع.

- المرحلة الثانية (العقلية): لا يتحكم الفرد في هذه المرحلة في كل طاقته الحيوية حيث إن جانبا من غرائزه لا تصبح تحب رقابة نظام أفعاله المنعكسة.

- المرحلة الثالثة (الغرائز): وفي هذه المرحلة تتفكك الغرائز فلا تعمل بشكل منسجم متوافق، ولكن بصورة فردية مما يؤدي إلى اختلال نظام الطاقة الحيوية وفقدان قيمته الاجتماعية، وفي هذه المرحلة، تسود الفردية تبعا لتحرر الغرائز، وتتفسخ شبكة العلاقات الاجتماعية نهائيا، وتمثل هذه المرحلة عصر الانحطاط، وعصر القابلية للاستعمار والاستعمار؛ وهو عصر يتميز بالتدهور الروحي والعقلي وتفكك الطاقة الحيوية، وتفكك شبكة العلاقات الاجتماعية. وفي هذه الحالة الأخيرة، فإن الغرائز هي التي تسيطر على مصير الإنسان. 

3- الجانب الوجداني:

لم يهتم ابن نبي بالجانب الوجداني بصفة مباشرة، إلا أنه لم يغفله عند تحليله لمشكلة الثقافة حيث اعتبر عنصر الجمال وما يرتبط به من حسن وقبح عنصرا أساسيا في تشكيل الثقافة وفي حل المشكلات التي تواجه مجتمعا ما. ولذا فقد خصص في كتابه "مشكلة الثقافة" محورا تحت عنوان "التوجيه الجمالي" لدراسة تأثير الجمال في الوجدان والإدراك والسلوك، فقال: "لا يمكن لصورة قبيحة أن توحي بالخيال الجميل أو بالأفكار الكبيرة، فإن لمنظرها القبيح في النفس خيالا أقبح، والمجتمع الذي ينطوي على صور قبيحة، لابد أن يظهر أثر هذه الصور في أفكاره وأعماله ومساعيه" . ويرى ابن نبي أن تصور الجمال لا ينفصل عن عمل الخير، وأنه منبع الأفكار. ولكونه كذلك، فإنه ذو أهمية اجتماعية حيث تصدر عنه أعمال الفرد في المجتمع. ويؤكد ابن نبي أن للجمال علاقة واضحة حتى بأزهد الأعمال؛ ذلك لأن "الشيء الواحد قد يختلف تأثيره في المجتمع باختلاف صورته التي تنطق بالجمال، أو تنضح بالقبح، ونحن نرى أثر تلك الصورة في تفكير الإنسان، وفي عمله وفي السياسة التي يرسمها لنفسه، بل حتى في الحقيبة التي يحمل فيها ملابس سفره" .

 ونظرا لتأثير الجمال في جميع جوانب الحياة (الألوان، الروائح، الأصوات، الإدراك والسلوك)، فإن ابن نبي يعتبره الدستور "دستور الجمال في النفس الإنسانية" الذي يطبع صورة "الحسن" أو "القبح" في النفس الإنسانية، والذي يوحي بالحلول الممكنة للمشكلات حسب ما تنطبع في الذهن من الناحية الجمالية. والجمال ليس قضية فردية بل هي قضية وطنية أيضا فهو "وجه الوطن في العالم، فلنحفظ وجهنا لكي نحفظ كرامتنا، ونفرض احترامنا على جيراننا الذين ندين لهم بالاحترام نفسه" .

ومن القضايا المرتبطة بالوجدان التي عالجها ابن نبي قضية المشاعر السلبية كالكراهية والحقد اللذين ينشئان في النفس ( في البلاد المستعمرة مثلا) بفعل عوامل خارجية كالاستعمار. إن نزعة معاداة الاستعمار -بعد الاستقلال وبعد مرور المرحلة الحماسية- "لا تصلح أن تكون دافعا ساميا يحرك حضارة ويعطيها مثلها الأعلى ووثبتها الضرورية. وفضلا عن ذلك فإن هذه النزعة إذا ما صفي مضمونها من (المشاعر الإيجابية) عبر الزمن، فقد لا تدع هذه التصفية سوى (مشاعر سلبية)، تقوم على حقد الشعوب التي قاست ظلم طغاتها بينما القضية ليست أن ننتزع العالم من موجة احتقار الكبار لنسلمه إلى حقد الصغار" .

إن التحرر الحقيقي هو التحرر الداخلي من المشاعر السلبية إلى جانب التحرر السياسي والقومي؛ ذلك لأن التحرر الداخلي هو الذي يمكن الفرد والمجتمع من التخلص من التأثير العميق الذي أحدثه المستعمر في أعماق وضمائر الشعوب المستعمرة في شكل حالات حرمان وحالات ذهان (اضطرابات عقلية). وعليه، فمشكلة التحرر الشامل "يجب أن توضع إذن في الإطار النفسي، وسنكون قد صفينا هذه الحالات الذهانية وصنوف الحرمان -بعض التصفية على الأقل- إذا ما خلصنا الرجل الأفرسيوي من المشاعر السلبية التي أصابته بها نزعته المعادية للاستعمار، وأصابه بها حقده عليه" .

وهكذا نلاحظ أن تحرير الوجدان عملية مكلمة لتحرير الأرض من المستعمر بل إن عملية تحرير الأرض لا تتم ولا تكتمل إلا بتحرير الوجدان من المشاعر السلبية نحو الذات الفردية والجماعية ونحو الآخر. ولكن لماذا هذه الدعوة لتحرير النفس من المشاعر السلبية نحو المستعمر الذي خرب البلاد ودمر الوجدان في البلدان المستعمرة ؟

كان ابن نبي يتمنى أن تتمخض عن مؤتمر باندونغ -الذي عقدته دول عدم الانحياز سنة 1955- اتجاه ثقافي (افريقي- آسيوي) يجد إلهامه الجوهري في روحها الأخلاقي المتمثل في مجموع القيم الروحية والتاريخية التي تقرها الشعور (الأفرسيوية) بوصفها نوعا من التراث. وهذا التراث يمكن -حسب ابن نبي- أن يجد عناصره أولا في المركبات النفسية التي أدت دورا في الصراع من أجل التحرر، وهي مشتركة بين جميع الشعوب التي خاضت هذا الصراع، ثم أنه سيجدها في الاتجاه الذي يختط للفكرة الأفرسيوية وجهتها الخاصة بها في العالم، وجهة المصير المشترك بين الشعوب السائرة تحت لواء خطر الحرب" .

ويرى ابن نبي أن أهم المشكلات التي تواجه الثقافة الأفرسيوية هي: مشكلة البقاء في عالم تحكمه القوة، ومشكلة الاتجاه المستقبلي لهذه الثقافة لإنقاذ البشرية. ونظرا لاهتمام ابن نبي بوضع الإنسانية ككل، فقد رأى أن الثقافة الأفرسيوية "ملزمة بسبب مأساة هذا القرن العشرين، بأن تتجه أولا نحو الأخلاق وفلسفتها لتحديد مثلها الأعلى، ثم نحو الصناعة لخلق وسائلها إلى هذا المثل الأعلى. فإنقاذ الإنسان من البؤس والفاقة على محور واشنطن - موسكو، هما بالنسبة لنا الضرورتان المحددتان للمشكلة كلها: مشكلة بقائه، ومشكلة اتجاهه، وهذه الضرورة المزدوجة تسيطر بصورة طبيعية على تحديد ثقافته، وبالتالي تسيطر على تحديد منهجه الأخلاقي" .     

وكان ابن نبي يؤكد أن مبدأ (عدم العنف) قد يشكل مبدأ ثانيا للفكرة الأفرسيوية نظرا للدور الذي أداه هذا المبدأ في تحرير الهند، ونظرا لكون هذا المبدأ لا يزال -حسب تعبير ابن نبي- : "يلهم حتى يومنا الحوار الدولي بوصفه قانونا لا يقبل الانفكاك عن المحاولات الإنسانية في الميدان السياسي" .

ولكن تطور الأحداث التي أعقبت مؤتمر باندونغ، والتي تركت بصمات عميقة في النصف الثاني من القرن العشرين قد بينت فشل فكرة "الأفرسيوية" على مستوى التطبيق، وإن نشأت مؤسسات سياسية كثيرة لتحقيقها. وأعتقد أن فشل هذه الفكرة موضوع جدير ببحوث موضوعية لتحديد مختلف العوامل النفسية والسياسية وغيرها التي أدت إليه، وهل هذه العوامل داخلية أم خارجية أم عبارة عن مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية مجتمعة ؟ وأعتقد أن هذا الموضوع يستتبع سؤالا آخر يتعلق بمدى تفاؤل ابن نبي عندما كان يتابع عمليات تحرر "العالم الثالث: الأفرسيوي"، ومؤتمر زعماء هذا العالم في باندونغ ؟

ومهما يكن، فإن ابن نبي قد لفت الأنظار إلى أن قضايا الإنسانية الكبر مثل السلام والحرب تتطلب قرارات واضحة وصريحة، أما نزعة الحقد وغيرها من الانفعالات السلبية فهي عمياء، وهي بذلك -كما يؤكد ابن نبي- لن تشجع المساعي التي ينبغي أن تكون نزيهة لكي تكون فعالة .          

4- الجانب العقلي:

 أولى ابن نبي اهتماما كبيرا للجانب العقلي عند الإنسان كما يتجلى في عالم الأفكار الذي درسه دراسة مستفيضة وخاصة في علاقته بالبناء الحضاري، كما درس الصراع الفكري وأساليبه في البلاد المستعمرة (بفتح الميم)، ودرس أنواع الأفكار: القاتلة والميتة…

وكما اهتم ابن نبي بعالم الأفكار ودوره في البناء الحضاري فقد اهتم بعملية التفكير وبعلاقتها بالجوانب الأخرى في عملية البناء الحضاري: الجوانب الروحية والسلوكية. ويؤكد ابن نبي أن القوة الدافعة والأساسية في عملية البناء الحضاري هي الطاقة الروحية ولا تأتي الطاقة العقلية إلا في الدرجة الثانية.

ويقرر ابن نبي من البداية أن "الحضارة لا تصنعها كومة من الأشياء المستوردة، وإنما هي بناء تطبعه فكرة معينة". وبدون الجانب الروحي والجانب العقلي فإن عالم الأشياء ليس إلا عبارة عن تراكم أبله جامد لا معنى ولا طعم له مهما كان بريقه وإغراؤه ظاهريا.

ولكي يكون الجانب العلي فعالا فعليه أن يرتكز على المنطق العملي و "هو كيفية ارتباط العمل بوسائله ومعانيه وذلك حتى لا نستسهل أو نستصعب شيئا بغير مقياس يستمد معاييره من واقع الوسط الاجتماعي وما يشتمل عليه من إمكانيات، إنه ليس من الصعب على الفرد المسلم أن يصوغ مقياسا نظريا يستنتج به نتائج من مقدمات محددة، غير أنه من النادر جدا أن نعرف المنطق العملي أي استخراج أقصى ما يمكن من الفائدة من وسائل معينة" .

يلاحظ أن ابن نبي لا يتناول الجانب العقلي تناولا مجردا بل يركز أساسا على الجانب العملي منه (المنطق العملي). ويرى أن العقل التطبيقي الذي يتكون في جوهره من الإرادة والانتباه شيء يكاد يكون معدوما في العالم الإسلامي.

ولا يمض ابن نبي دون تشخيص سبب نقص المنطق العملي في البلدان الإسلامية حيث يشخص ذلك بقوله: "إن المنطق العملي ينقص البلاد الإسلامية عموما؛ فهذا أمر متوقع، لأن العجز في الأفكار يخلق أو ينتج في المجال النفسي عجزا في المراقبة الذاتية، وفي مراجعة النتائج. ففكرنا لا يقيم علاقات بين النشاطات والجهود والوسائل من ناحية، ونتائجها من ناحية أخرى. ومفهوم المحصول لا وجود له في تربيتنا الأولى، إذ هو لا يكون جزءا من عالم أفكارنا. بينما المجتمع هو جهاز التحويل، الذي يحول الطاقات الاجتماعية إلى نتائج مختلفة" .         

فالنقص في المنطق العملي والعجز في فعالية المجتمع عاملان أساسيان للتخلف إذ يرتبطان بالشلل الفكري وضعف الشخصية وتدهور السلوك الشيء الذي يلخصه ابن نبي في مفهوم "اللافعالية". وقد نجمت "اللافعالية" في المجتمع الإسلامي عن إصابة عالم الأفكار أساسا بالعجز؛ فالداء في عالم الأفكار -كما يشير إلى ذلك ابن نبي-: "إننا في كل مرة نقف فيها أمام مظهر من مظاهر

"اللافعالية" في المجتمع الإسلامي، نرى أنفسنا على رابطة بعالم أفكارنا لأنه في هذا العالم تكمن أدواؤنا" . ويربط ابن نبي في مكان آخر بين "اللافعالية" وضعف الجانب الروحي على مستوى العلاقات الاجتماعية، فيقول: "وعليه، فليست المشكلة أن نعلم المسلم عقيدة هو يملكها، وإنما المهم أن نرد إلى هذه العقيدة فاعليتها وقوتها الإيجابية وتأثيرها الاجتماعي" .

ويزيد ابن نبي التشخيص وضوحا ليقترب من تقديم الحلول للداء المشخص "اللافعالية" عندما يقرر : "إن الذي ينقص المسلم ليس منطق الفكرة ولكن منطق العمل والحركة، فهو لا يفكر ليعمل بل ليقول كلاما مجردا بل أكثر من ذلك فهو يبغض أولئك الذين يفكرون تفكيرا مؤثرا، ويقولون كلاما منطقيا من شأنه أن يتحول في الحال إلى عمل ونشاط" . وهذا العجز على مستوى العمل والحركة يعوض بآليات دفاعية سلبية تعتمد أساسا على أحلام النوم وأحلام اليقظة. ولذا فإن ابن نبي يصف حالة المسلمين بسبب عجزهم على مستوى المنطق العملي قائلا: "فنحن حالمون ينقصنا المنطق العملي" .  

ولكن لماذا هذا البغض للمنطق العملي ؟

إن البغض للمنطق العملي قد يجد له تبريرا في التفسير النفسي للظاهرة؛ إذ يقتضي الأمر في المنطق العملي عمليتين أساسيتين:

أولا: بذل الجهد على مستوى التصور؛ وذلك باستعمال ملكة الخيال المبدع.

ثانيا: بذل الجهد على المستوى التطبيقي مما يتطلب جهدا أكبر من الجهد الذي يتطلبه التصور المجرد فقط.

إن المنطق العملي يتطلب جهدا ذهنيا وجهدا سلوكيا بالإضافة إلى الجهد الذي يبذل لإخراج الفكرة في قالب جمالي مقبول. وهذا عكس ما هو ملاحظ عند أصحاب الذهن الخامل الذين يعتمدون أساسا على ما يسمى "الطرق المختصرة" للوصول إلى فكرة  أو هدف ما. وإني أرى أن العجز عند المسلمين لا يقتصر على العجز على مستوى "المنطق العملي" فقط بل وعلى مستوى "الفكرة" أيضا. وهذا ما يدعمه ابن نبي نفسه في كتاب آخر (فكس) حيث أشار " أن الفكرة ليس لها فعاليتها في العالم الإسلامي، أو هي لا تلعب دورها فيه. ولا ريب أن فحص كل العوامل التي كان لها مفعول ما في هذا القصور سيكون ذا أهمية بالغة" .  

وللتغلب على هذه الظاهرة الخطيرة فلا بد من فهم العلاقة بين عالم الأفكار وعالم الثقافة (السلوك) و إقامة علاقة وثيقة بين عالم الأفكار وعالم الثقافة أو عالم السلوك. وفي هذا يقول ابن نبي: "فليست الثقافة سوى تعلم الحضارة، أعني استخدام جميع ملكاتنا الضميرية والعقلية في عالم الأشخاص. وليس العلم سوى بعض نتائج الحضارة، أي أنه مجرد جهد تبذله عقولنا حين تستخدم في عالم الأشياء. فالأولى تحركنا وتقحمنا كلية في موضوعها وأما الثاني فإنه يقحمنا في مجاله جزئيا. والأولى تخلق علاقات بيننا وبين النظام الإنساني والآخر يخلق علاقات بيننا وبين نظام الأشياء" .

وليس فهم العلاقة بين عالم الأفكار والثقافة  -في نظر ابن نبي - كافيا بل ينبغي أن يدرك أيضا أن "الثقافة تبدأ متى تجاوز الجهد العقلي الذي يبذله الإنسان حدود الحاجة الفردية" .

وبالإضافة إلى فهم هذه العلاقة وإدراك البعد الفعال للثقافة، ينبغي للمسلم أن يدرك أن المجتمع الإسلامي مجتمع فقير فكريا وبالتالي فهو مجتمع أعزل من الناحية الإديولوجية (المفاهيم)؛ وذلك في الوقت الذي يتعين فيه أن تسوى كل المشكلات والمنازعات في العالم المعاصر بالأفكار وليس بالأسلحة. إن هذا التأكيد قائم على الاعتقاد بأن عالم الأفكار هو الذي يدعم عالم الأشياء، ودون عالم الأفكار فإن عالم الأشياء لا يقف على قدميه عندما تنتابه النوائب .

- أنماط الأفكار:

يعتبر ابن نبي عالم الأفكار كأسطوانة لها أنغامها الأساسية ونماذجها المثالية، وللأفكار توافقاتها الخاصة بالأفراد والأجيال، ويسميها بالأفكار المطبوعة. وعندما تبدأ الأفكار المطبوعة تنمحي عن أسطوانة حضارة ما يخرج منها في البداية نشاز النغم ! صفير وحشرجة ثم الصمت أخيرا. ومن علامات تدهور عالم الأفكار: ظهور الأفكار الميتة والأفكار المميتة، ضعف الكلمة أو انعدامها، سيطرة التشويش الفكري واضطراب النشاط وتدهور الأعمال .

 يصنف ابن نبي "الأفكار" إلى أفكار قاتلة وأفكار ميتة، وإلى أفكار صحيحة وأفكار فعالة :

1-  الأفكار القاتلة: وهي الأفكار التي يستعيرها الإنسان من ثقافة أخرى، ويركن إليها تبنيا وتقليدا. ومثال ذلك استعارة السلم لأفكار من الغرب وتقليدها، ويرجع ذلك إلى موقف المسلم غير الصحيح من مشكلة الثقافة من الناحية الفكرية ومن الناحية الاجتماعية؛ ذلك لأن استيراد الأفكار من العالم الغربي مثلا يؤدي إلى سلخ هذه الأفكار عن هويتها وقيمتها الثقافية وبالتالي فصلها عن جذورها الحيوية مما يؤدي إلى فقدان فعاليتها بعد أن تشوه شخصية الذي استوردها وتبناها وقلدها.

2-  الأفكار الميتة: وهي ما يجول في بالنفس من أفكار فقدت الحياة. ويرى ابن نبي أن كل مجتمع يصنع الأفكار التي ستقتله، لكنها تبقى بعد ذلك في تراثه الاجتماعي (أفكارا ميتة)؛ وهي أشد خطرا من (الأفكار القاتلة) لأنها تبدو وكأنها منسجمة مع عادات المجتمع وتقاليده بينما تفعل مفعولها السلبي من الداخل حيث تخدع وتحطم جهاز المناعة الذاتية.

 ويرى ابن نبي أن الأفكار الميتة قد تجاورت في العالم الإسلامي مع الأفكار القاتلة أو المميتة مما يزيد صعوبة التصدي لها بفعالية؛ إذ يؤكد ابن نبي أنه "ما إن نبدأ بمعالجة الأفكار الميتة التي لم يعد لها جذور في بوتقة الثقافة الأصيلة للعالم الإسلامي حتى نصطدم بالأفكار المميتة التي خلفت في عالمها الثقافي جذورها ووفدت إلى عالمنا" . 

3-  الأفكار الصحيحة: عندما تخرج فكرة ما إلى النور فإنها تكون إما: صحيحة أو باطلة. وعندما تكون الفكرة صحيحة فإنها تحتفظ بأصالتها حتى آخر الزمان. لكن هذا لا يعني أنها لا تفقد فعاليتها وهي في طريقها حتى ولو كانت صحيحة .

4-  الأفكار الفعالة: قد تكون فكرة ما فعالة؛ وهذا لا يعني أنها بالضرورة صحيحة على الإطلاق؛ فقد تكون فكرة ما فعالة في فترة ما ليس لأنها صحيحة بل لأن مناخا ثقافيا مناسبا قد هيأ لها شروط الفعالية. ولكن هذه الفعالية لا يمكن أن تدوم إلى الأبد بل هي عرضة  لانكشاف زيفها، وتصبح بالتالي عرضة للأفول. ويضرب ابن مثلا لذلك بالفكرة الماركسية التي كانت فعالة إلى حد ما عند بدايات تطبيقها في المعسكر الشيوعي ثم انهارت انهيارا فظيعا. ومع الأسف، فإن ابن نبي لم يشهد هذا الانهيار الذي كان يتنبأ به. 

ولا شك أن سيطرة الأفكار القاتلة والأفكار الميتة على المجتمع الإسلامي قد أدى به إلى الخروج من الحضارة بسبب التدهور الروحي والأفول الفكري. وقد شرح ابن نبي عواقب الأفول الفكري كما شرح عواقب التدهور الروحي في قوله: "وحينما يكون الفكر الإسلامي في أفوله كما هو شأنه اليوم فإن المغالاة تدفعه إلى التصوف والمبهم والغامس، وعدم الدقة والتقليد الأعمى والافتتان بأشياء الغرب. لكن هذا ليس مداره الأصلي. ففي الأصل حينما أعطاه القرآن اندفاعه الأولي اتخذ الفكر الإسلامي مداره أساسا حول فكرة تكون حينا حب الخير، وحينا آخر كره الشر. تلك هي رسالة الفكر الإسلامي عبر عنها القرآن الكريم بقوله (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله..* )  ".

ويذهب ابن نبي أبعد من التأكيد على أفول الفكر الإسلامي حيث يصف خصائص المجتمع المسلم المتخلف؛ ذلك لأن تخلف المجتمع "ليس موسوما حتما بنقص الوسائل المادية (الأشياء) وإنما بافتقار للأفكار، يتجلى بصفة خاصة في طريقة استخدامه للوسائل المتوفرة لديه؛ بقدر متفاوت من الفاعلية، وعجزه عن إيجاد غيرها، على الأخص في أسلوبه في طرح مشاكله أو عدم طرحها على الإطلاق" .

وعليه ، فالداء في المجتمع الإسلامي -كما يشخصه ابن نبي- داء نفسي قبل أن يكون داء اجتماعيا، "وهو لا يكمن في درجة إشباع مجتمع لأنه يستهلك؛ ولكنه في اتجاه علاقة الفكرة بالشيء في وعيه، وذلك الاتجاه الذي يستطيع أن يتحول نحو الفكرة أو نحو الشيء" .           

هذا هو الداء فما هو الدواء ؟

يكمن الدواء في:

- تقوية الجانب الروحي وعدم التفريط فيه.

- بذل الجهد الفكري.

- ربط الجانب الفكري (العقلي) بالجانب الروحي وبالجانب السلوكي.

- تكوين مناخ عقلي ينبذ فيه التفكير الخرافي وما يمت به من صلة، وينشر فيه العلم على كل مستويات المجتمع، وتتبادل فيه المعرفة  بين كل أفراد المجتمع ومؤسساته.

ويلح ابن نبي على ضرورة احترام علاقات الأفكار بالمقاييس الثابتة للنشاط وإلا أصبح النشاط دون جدوى يسوده العبث ويسيطر الشلل عليه ويكبله إلى درجة يصبح فيها النشاط مستحيلا؛ وذلك ما يقابل الجمود والركود والتخلف في كل المجالات.

و -كما يوضح ابن نبي- فإن علاقات الأفكار بالمقاييس الثابتة تقع في ثلاث مراتب:

1-  المرتبة الأخلاقية الإديولوجية والسياسية بالنسبة لعالم الأشخاص.

2-  المرتب المنطقية الفلسفية، العلمية بالنسبة لعالم الأفكار.

3-  المرتبة التقنية الاقتصادية الاجتماعية بالنسبة لعالم الأشياء.

ويلح ابن نبي في التأكيد على أن فساد أي واحد من هذه العلاقات الثلاث للفكرة بتأثير أي عامل من العوامل يؤدي إلى توقع فساد في أحكام ونشاطات المجتمع وسلوك أفراده . وهذا ما سنعرض إليه بالتفصيل في المحور التالي المتعلق بالجانب السلوكي.

5- الجانب السلوكي:

يؤكد ابن نبي أن أي تفكير في مشكلة الحضارة هو أساسا تفكير في مشكلة الثقافة ؛ فالمشكلة السلوكية لا يطرحها ابن نبي على المستوى الفردي فقط بل يحاول تشخيصها على مستوى المجتمع وعلى مستوى الحضارة. ولذا فإن ابن نبي يقرن التحضر بتعلم الإنسان للعيش في جماعة وبإدراكه في نفس الوقت للأهمية الرئيسية لشبكة العلاقات الاجتماعية في تنظيم الحياة الإنسانية من أجل وظيفتها التاريخية .

ويربط ابن نبي بين مصير الإنسان ومصير الثقافة عندما يؤكد أن مصير الإنسان مرهون دائما بثقافته. ولا يكتفي ابن نبي بإقامة علاقة بين الإنسان و الثقافة إذ يوضح أيضا أن أي تفكير في مشكلة الإنسان بالنسبة إلى حظه في الحياة هو في أساسه تفكير في مشكلة الحضارة. والحضارة هي "مجموعة الشروط التي تكون في المكان وفي الزمان حضارة معينة، أي الحضارة التي تطبع جميع حقائقها الثقافية، وخصائصها الأخلاقية والجمالية والصناعية في أسلوب حياة يشمل المنظر الإنساني ويحدد سلوك النموذج الاجتماعي الذي يتحرك فيه" .

والحضارة -في فكر ابن نبي- لا تصنعها كومة الأشياء المستوردة مهما كان إغراؤها التكنولوجي وإنما هي بناء تطبعه فكرة مميزة. وقضية الحضارة ليس مشكلة فقر في الأشياء أو جهل أو مرض وإنما هي التفكير في المشكلات الأساسية للإنسان أو في جذورها والتي تتلخص في بناء الحضارة بدلا من تكديس منتجاتها؛ فالبناء وحده هو الذي يأتي بالحضارة لا التكديس. وبناء الحضارة يتطلب حلا علميا لمشكلة الإنسان والتراب والوقت مما يؤدي إلى بناء الإنسان بناء متكاملا والاعتناء بالتراب والزمن مما ينتج عنه بالتالي بناء المجتمع الأفضل، وبناء الحضارة التي هي الإطار الذي فيه تتم للفرد سعادته لأنه يقدم له الضمانات الكافية الاجتماعية .

ونظر لأهمية الثقافة كمنظومة سلوكية ترتبط ببناء المجتمعات والحضارات، فقد خصص ابن نبي فصلا كاملا لمسألة الثقافة في كتابه "شروط النهضة"، وألف كتابا بعنوان: "مشكلة الثقافة". وفيما يلي شرح لمفهوم الثقافة وخصائصها في فكر ابن نبي.

- مفهوم الثقافة:

بعد أن يورد ابن نبي مفهوم الثقافة في إطار الفكر الغربي وينتقده، يقيم علاقة وثيقة بين الثقافة والحضارة؛ فيعرف الثقافة بأنها "مجموعة من الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التي يلقها (؟) الفرد منذ ولادته كرأسمال أولي في الوسط الذي ولد فيه. والثقافة على هذا هي المحيط الذي يشكل الفرد فيه طباعه وشخصيته" . وعليه، فالحضارة في فكر ابن نبي هي المحيط الذي يعكس حضارة معينة، وهو المحيط الذي يتحرك فيه الإنسان المتحضر. ونتيجة الربط بين الثقافة والحضارة فإن الثقافة عبارة عن نظرية في السلوك أكثر من أن تكون نظرية في المعرفة .

وبهذا التحديد، فإن الثقافة ليست علما بل هي محيط ووسط ذو بعد روحي في الدرجة الأول تتكون فيه جميع خصائص المجتمع المتحضر، وتتشكل فيه كل جزئياته وفقا للغاية التي رسمها المجتمع لنفسه. وفي هذا الإطار يتحرك الإنسان بفعالية ليغذي مجرى الحضارة .

والثقافة بهذا التحديد هي إطار "بما تتضمنه من عادات متجانسة وعبقريات متقاربة وتقاليد متكاملة وأذواق متناسبة وعواطف متشابهة وعبارة جامعة: هي كل ما يعطي الحضارة سماتها الخاصة…هذا هو معنى الثقافة في التاريخ" . 

- عناصر الثقافة:

تتمثل العناصر الجوهرية للثقافة في: الدستور الخلقي والذوق الجمالي والمنطق العملي والصناعة بتعبير ابن خلدون . وهذه العناصر هي التي تشكل السلوك وتؤثر فيه، وهي العناصر التي تميز السلوك المتحضر عن السلوك غير المتحضر.

- طرح مشكلة الثقافة:

يقرر ابن نبي أولا "أن السلوك الاجتماعي للفرد خاضع لأشياء أعم من المعرفة وأوثق صلة بالشخصية منها بجمع المعلومات وهذه هي الثقافة" . وبناءا عليه، فإن التعريف العملي الذي يقدمه ابن نبي للثقافة هو أنها: "مجموعة من الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية، التي تؤثر في الفرد منذ ولادته وتصبح لاشعوريا العلاقة التي تربط سلوكه باسلوب الحياة فيي الوسط الذي ولد فيه" .

وعليه، فإن طرح مشكلة الثقافة هو طرح لمشكلة الحضارة، وطرح لمشكلة السلوك ليس على المستوى الفردي فقط بل وعلى مستوى المجتمع أيضا.

وبهذا التحديد، "فمشكلة الثقافة لا تخص طبقة دون أخرى بل تخص مجتمعنا كله، بما فيه المتعلم والصبي الذي لم يبلغ مرحلة التعلم إنها تشمل المجتمع كله من أعلاه إلى أسفله" . وكما يربط ابن نبي بين الثقافة والمجتمع فإنه يقيم علاقة بينها وبين التاريخ؛ ويحددها كعامل تاريخي؛ ذلك لأنه لا يمكن أن يتصور تاريخ بلا ثقافة، فالشعب الذي فقد ثقافته فقد تاريخه. وإذا فهمت مسألة الثقافة بهذا الأسلوب، فإن هذا يسهل عملية طرحها كنظام تربوي تطبيقي لنشرها بين طبقات المجتمع .

والثقافة عملية وحركة شاملة تتدخل في شئون الفرد وفي بناء المجتمع وتعالج مشكلة القيادة فيه كما تعالج مشكلة الجماهير . وعليه، فالثقافة عملية اجتماعية-تركيبية ينبغي أن تتبلور في برنامج تربوي. ويتألف هذا البرنامج من أربعة عناصر يتخذ منها الشعب (المجتمع) دستورا لحياته الثقافية وهي :

1-  عنصر الأخلاق: وهذا العنصر ضروري لتكوين العلاقات أو الصلات الاجتماعية؛ وتشكل الأخلاق قوة تماسك بالنسبة للأفراد في مجتمع يريد تكوين وحدة تاريخية. ويؤكد ابن نبي أن الأساس الخلقي هو الصرح الذي تقوم عليه الحضارات. ومن الخطأ أن نتصور أن المدنية الغربية نتاج علوم وفنون وصناعات وننسى أن هذه العلوم والفنون والصناعات ما كان لها أن توجد لولا علاقات اجتماعية خاصة لا تتصور هذه الصناعات والفنون بدونها؛ فهذه العلاقات الاجتماعية هي الأساس الذي قلم عليه صرح المدنية الغربية في علومه وفنونه وصناعاته بحيث لو ألغي هذا الأساس لسرى الإلغاء على جميع ما يشاهد اليوم من علوم وفنون . وكأني بابن نبي هنا يردد مقولة ماكس فيبر أن الأخلاق البروتستانتية هي الأساس الذي قامت عليه الروح الرأسمالية.

2-  عنصر الجمال: يشكل عنصر الجمال الذوق العام لمجتمع ما؛ وذلك بما يشتمل عليه هذا العنصر من ألوان وأصوات وروائح وحركات وأشكال مما يشكل إطار عاما للذوق. ويؤثر هذا الإطار في عالم الأفكار ويطبعها بطابعه الخاص من الذوق الجميل أو السماجة القبيحة. فبالذوق الجميل الذي ينطبع فيه فكر الفرد يجد الإنسان في نفسه نزوعا إلى الإحسان في العمل وتوخيا للكريم من العادات . والجمال في فكر ابن نبي ليس قضية ذات أهمية على المستوى الفردي فحسب بل للجمال أهمية اجتماعية قصوى إذا ما اعتبر المنبع الذي تنبع منه الأفكار وتصدر عنه بواسطة تلك الأفكار أعمال الفرد في المجتمع . وترجع هذه الأهمية إلى التأثير العام لهذا العنصر الذي يمس كل دقيقة من دقائق الحياة، كذوقنا في الموسيقى وفي الملابس والعادات وأساليب الضحك والعطاس، وكطريقة تنظيم بيوتنا، وتمشيط أولادنا، ومسح أحذيتنا وتنظيف أرجلنا.

 وعليه، فالجمال هو الإطار الذي تتكون فيه أي حضارة، فينبغي أن ننتبه إلى ذلك في نفوسنا، وأن نتمثل في شوارعنا ومقاهينا مسحة الجمال نفسها. والجمال عند ابن نبي هو وجه الوطن في العالم، مما يتطلب حفظ الوجه لحفظ الكرامة، ولفرض الاحترام على الجيران الذين ينبغي أن يدان لهم بنفس الاحترام .   

3-  المنطق العملي: وهو كيفية ارتباط العمل بوسائله ومعانيه؛ وذلك حتى لا يستصعب أو يستسهل أي شيء بغير مقياس يستمد معاييره من واقع الوسط الاجتماعي وما يشتمل عليه هذا الوسط من امكانيات. وليكون المنطق العملي فعالا فلا بد من استخراج أقصى ما يمكن من الفائدة من وسائل معينة، وهذا ما ينقص العالم الإسلامي . وهذا راجع حسب تشخيص ابن نبي إلى افتقاد العالم الإسلامي للضابط الذي يربط بين عمل وهدفه، بين سياسة ووسائلها، بين ثقافة ومثلها، بين فكرة وتحقيقها: فسياستنا -كما يؤكد ابن نبي- "تجهل وسائلها وثقافتنا لا تعرف مثلها العلي، إن ذلك كله ليتكرر في كل عمل نعمله وفي كل خطوة نخطوها" . 

4-  الفن التطبيقي: ويشمل كل الفنون والمهن والقدرات وتطبيق العلوم في مختلف المجالات، وكل ما يدخل تحت مفهوم الصناعة بتعبير ابن خلدون الذي يستعيره ابن نبي في هذا المقام. وإذا كانت الصناعة للفرد وسيلة لكسب معيشته، وربما لبناء مجده، فإنها للمجتمع وسيلة للمحافظة على كيانه واستمرار نموه .     

ويرى ابن نبي ضرورة تآلف هذه العناصر وتكاملها في إطار عملية تركيبية تقوم بها الثقافة لبناء الحضارة؛ إذ ليست الثقافة إلا تعلم الحضارة؛ أي استخدام جميع الملكات الضميرية والعقلية في عالم الأشخاص .

ولتأكيد أهمية العلاقة بين الجانب الأخلاقي والجانب الجمالي في أي ثقافة، يوضح ابن نبي أن "المجتمع ينتج مهما تكن درجة تطوره بذورا أخلاقية وجمالية نجدها في عرفه وتقاليده. أي فيما يصطلح على تسميته ب(ثقافة) في أوسع معاني هذه الكلمة…وطبيعي أنه بقدر ما تكون هذه الثقافة متطورة فإن البذور الأخلاقية والجمالية تكون أقرب إلى الكمال حتى تصبح بالتالي القوانين المحددة التي يخضع لها نشاط المجتمع والدستور الذي تقوم عليه الحضارة . 

ويميز ابن نبي بين الثقافة الحية والثقافة الميتة؛ فيقرر بأن "الثقافة في صورتها الحية، هي وحدة ذات أجزاء متماسكة ومترابطة فيما بينها بروابط داخلية تحددها عبقرية الشعب الذي وضعها مطابقة لأخلاقه وأذواقه وتاريخه. والروابط هذه هي التي تضع على الثقافة طابعها الخاص؛ فتضع طابعا خاصا لأسلوب الحياة في المجتمع ولسلوك الأفراد فيه بمعنى أنها تحدد كل الميزات الإنسانية والتاريخية بتلك الثقافة" .

ولفهم طابع الثقافة السائد في مجتمع ما واتجاه الحضارة فيه، ينبغي إدراك العلاقة الموجودة بين المبدأ الأخلاقي وذوق الجمال حيث يرى ابن نبي  أن العلاقة بينهما في الواقع علاقة عضوية ذات أهمية اجتماعية كبيرة؛ ذلك لأن هذه العلاقة تحدد طابع الثقافة كله واتجاه الحضارة حينما تضع هذا الطابع الخاص على أسلوب الحياة في المجتمع وعلى سلوك الأفراد فيه .

ويضع ابن نبي هذه العلاقة في شكل معادلة على النحو التالي:

مبدأ أخلاقي + ذوق الجمال = اتجاه حضارة

ويوضح ابن نبي أن اتجاه الحضارة "تتغير ميزاتها وتتجه بوجه خاص طبقا لعلاقة المبدأ الأخلاقي وذوق الجمال في المعادلة الرياضية. أي طبقا لترتيب هذين العنصرين في تلك المعادلة. وعليه فإنه يمكننا القول بأن هناك، بصورة عامة، نموذجين من المجتمع نموذج يقوم فيه النشاط أساسا على الدوافع الجمالية ونموذج يقوم فيه النشاط على الدوافع الأخلاقية أولا" .

ولا تخلو أي ثقافة من عنصري الجمال والأخلاق أو الحقيقة إلا أن الأهمية التي تعطى لأحدهما قد تختلف من حضارة لأخرى تبعا لنوع العبقرية السائد في مجتمع معين مما يطبع اتجاه التاريخ في هذا المجتمع حسب سيطرة أحد العنصرين على الآخر. فكل ثقافة سيطرة هي في أساسها ثقافة تنمو فيها القيم الجمالية على حساب القيم الأخلاقية .

ويؤكد ابن نبي على ضرورة الاهتمام الكبير بعناصر الثقافة؛ وليس ذلك بالنظر فقط بالنسبة لقيمتها الفردية في مركب الحضارة ولكن بالنسبة لعلاقاتها في هذا المركب . ولا ينبغي أن يقف الأمر عند القول بان الثقافة تحتوي عددا من العناصر أو الفصول وهي: الأخلاق والجمال والمنطق العملي والصناعة الفنية بل يقتضي الأمر أن يتساءل: كيف ينبغي أن تدرك الثقافة كبرنامج تربوي يصلح لتغيير الإنسان الذي لم يتحضر بعد في ظروف نفسية زمنية معينة أو لإبقاء الإنسان المتحضر في مستوى وظيفته الاجتماعية وفي مستوى أهداف الإنسانية . 

- التكامل الخلقي:

عندما يسيطر التشويش الفكري، وانعدام التماسك الخلقي فإن ذلك يؤدي حتما إلى التأثير السلبي في كل الأعمال وأنماط السلوك التي يقوم بها الإنسان . وهذا ما يبين العلاقة القوية بين الجوانب:الروحية والعقلية والسلوكية؛ فكل منها يؤثر في الآخر ويتفاعل معه.

يؤكد ابن نبي أن الشلل الأخلاقي الذي ورثه المجتمع الإسلامي بعد عصر الموحدين هو أخطر داء يواجهه هذا المجتمع؛ إذ أن هذا الداء قد جعله عاجزا عن زيادة بذل الجهد الضروري لنهوضه. وما الشلل الفكري إلا عاقبة من عواقبه الخطيرة: فالكف عن التكامل الخلقي ينتج حتما كفا عن تعديل شروط الحياة وعن التفكير في هذا التعديل (التغيير)… وهكذا يتجمد الفكر ويتحجر في عالم لم يعد يفكر في شيء، لأن تفكيره لم يحتو صورة الهم الاجتماعي" . 

إن التقليد الخلقي يفضي بالإنسان المقلد إلى الخمول والكسل وتفضيل الحياة السهلة وعدم بذل أي جهد فكري لإبداع أنماط سلوكية جديدة. ويلاحظ ابن نبي العلاقة الوثيقة بين الجانب السلوكي والجانب الفكري حيث قال: "إن التقليد الخلقي يقتضي التخلي عن الجهد الفكري حتما، أي عن الاجتهاد الذي كان الوجهة الأساسية للفكر الإسلامي في عصره الذهبي…فلكل نشاط عملي علاقة بالفكر، فمتى انعدمت (هذه العلاقة) عمي النشاط واضطرب، وأصبح جهدا بلا دافع. وكذلك الأمر حين يصاب الفكر أو ينعدم فإن النشاط يصبح مختلا مستحيلا، وعندئذ يكون تقديرنا للأشياء ذاتيا، هو في عرف الحقيقة خيانة لطبيعتها وغمط لأهميتها، سواء كان غلوا في تقويمها أو حطا من قيمتها" .

- الفاعلية الاجتماعية:

للقضاء على الشلل الخلقي والخمول والكسل وتفضيل الحياة السهلة، ولتحقيق "الفاعلية الاجتماعية" فلا بد أن تواجه مشكلة الثقافة بصفة جذرية مما يستدعى إعادة النظر في أسلوب الحياة ومشكلة السلوك. ولابد من إدراك العلاقة الموجودة بين الثقافة والسلوك؛ فالثقافة هي التي تحدد السلوك الاجتماعي لدى الفرد بأسلوب الحياة في المجتمع، كما تحدد أسلوب الحياة بسلوك الفرد .  

ولكي تبلور الثقافة في صورة عملية، ينبغي أن توضع في إطار نظام تربوي اجتماعي. ولبناء هذا النظام "ينبغي أن تكون لدينا أفكار جد واضحة عن العلاقات والانعكاسات التي تنظم استخدام الطاقة الحيوية في مستوى الفرد وفي مستوى المجتمع" .

وتبعا لهذا التحديد لدور الثقافة، فإنها بمثابة الحياة للمجتمع وبدونها فإن الموت مصيره.

ولكن ما هو المنهج لتحقيق فعالية الثقافة ؟

يجيب ابن نبي عن هذا السؤال في كتابه "مشكلة الثقافة" حيث يقترح تنظيم العناصر الثقافية في وحدة عضوية مما يستدعي وضع "خطة تربوية صالحة لتحقيق هذه الوحدة، وبذلك نكون قد تصورنا منهج تحقيق مشروعنا بصورة فنية. لقد بينا في ثنايا تحليلنا السابق عددا من العوامل الثقافية، فتحدثنا عن عالم الأشخاص وعن عالم الأفكار وعن عالم الأشياء وعن عالم العناصر والظواهر الطبيعية …وإذن فلكي نستحدث تركيب العناصر الثقافية ينبغي أولا أن يتحقق شرط جوهري، هو أن نخلق وأن نوثق الصلة الضرورية بين الفرد وبين العوالم الأربعة التي أحصيناها. ولعالم الأشخاص في هذا الميدان حق التقدم والسبق، لا من أجل امتياز شخص الإنسان فحسب، بل لأنه يمثل الرصيد الثقافي الذي يزود الفرد منذ ولادته بالمقاييس الذاتية التي تحدد سلوكه، وتؤكد انتسابه إلى ثقافة معينة" .       

ويلاحظ هنا الأهمية التي أولاها ابن نبي لكل من منهج العمل ودور الإنسان في تشكيل الثقافة والبناء الحضاري. ويؤكد ذلك مرة أخرى بقوله:  "فأساس كل ثقافة هو بالضرورة (تركيب) أو (تأليف) لعالم الأشخاص، وهو تأليف يحدث طيقا لمنهج تربوي يأخذ صورة فلسفة أخلاقية. وإذن فالأخلاق أو الفلسفة الأخلاقية هي أولى المقومات في الخطة التربوية لأية ثقافة" . ولا يمكن لعالم الأشخاص أن يكون فعالا إذا كان مجرد كم من الأفراد دون أية رابطة أو صلة. ولذا فابن نبي ما ينفك يؤكد "أن عالم الأشخاص لا يمكن أن يكون ذا نشاط اجتماعي فعال، إلا إذا نظم وتحول إلى (تركيب)" .ويؤكد ابن نبي مرة أخرى في كتابه "مشكلة الثقافة" ما كان أكده من قبل في كتابه "شروط النهضة" دور الثقافة في تركيب مختلف العناصر التي تتشكل منها الثقافة، وهذه العناصر هي: الأخلاق والجمال والمنطق العملي والصناعة (الفنون). ويقرر أنه إذا كان العنصر الأخلاقي مثلا يحدد شكل السلوك فإن العنصر الجمالي أسلوب الحياة في المجتمع. ولا يقف الأمر عند هذه العلاقة بين الأخلاق والجمال بل لابد من إقامة علاقة وثيقة في عملية تركيبية بين العناصر الأربعة المذكورة بحيث تكون هذه العلاقة علاقة حركة ونشاط وديناميكية.

أما دور الثقافة فيتمثل في مهمة خطيرة يسميها ابن نبي بالمهمة التاريخية للثقافة حيث تقوم هذه الأخيرة بالنسبة للحضارة بوظيفة الدم للكائن الحي، فالدم ينقل الكريات البيضاء والحمراء التي تصون الحيوية والتوازن في الكائن، كما تكون جهاز مقاومته الذاتية. والثقافة تنقل أفكار الجمهور الشعبية، وأفكار القادة التقنية، وهذان العنصران هما اللذان يغذيان عبقرية الحضارة" .

وينتقل ابن نبي ليشخص مشكلة الثقافة في إفريقيا وآسيا (الأفروسيوية)، فيعتبر هذه المشكلة من الناحية التربوية مشكلة تركيب العناصر الأربعة للثقافة المشار إليها أعلاه؛ إذ كل واقع اجتماعي هو في جوهره مركب من هذه العناصر الأربعة .

 وللقيام بالبناء الثقافي في أي مجتمع يقترح ابن نبي تحديد المستوى الاجتماعي التاريخي للثقافة باعتبارها منهجا وليس نتيجة، وبعد ذلك يتم الانطلاق لبناء ثقافة تتمتع بالأصالة والعالمية آن معا . ولا يعتقد ابن نبي أن في إمكان المدرسة وحدها حل مشكلة الثقافة وإن كانت عاملا مساعدا من عوامل الثقافة…ذلك لأن الثقافة تمثل ظاهرة بيئة قبل أن تكون ظاهرة مدرسة" . وفي هذا المعنى يشير ابن نبي إلى دور المدرسة باعتبارها "عامل مساعد من عوامل الثقافة، ولكننا نخطىء في تقدير وظيفتها عندما نعتقد أن في إمكانها أن تحل مشكلة الثقافة وحدها" .

وهذه الالتفاتة من مالك بن لدور المدرسة في البناء الثقافي التفاتة رائعة؛ ذلك لأن النظام التربوي في مجتمع ما لا يقتصر على المدرسة بل ينبغي أن يشمل باقي المؤسسات مثل الأسرة والمسجد ووسائل الإعلام…وذلك عكس ما يعتقده بعض الآباء الذين ينفضون أيديهم من العملية التربوية بمجرد دخول أبنائهم المدرسة، وكأن المدرسة وحدها مصنع سحري لتخريج الأجيال المثقفة والمتحضرة.

وإذا كانت البيئة بمثابة الرحم بالنسبة للقيم الثقافية، فإن الثقافة نفسها عبارة عن بيئة مكونة من الألوان والأصوات والأشكال والحركات والأشياء المأنوسة والمنظر والصور والأفكار المتفشية في كل اتجاه. والثقافة هي الوسط الذي يتشكل داخله الكيان النفسي للفرد بالصورة نفسها التي يتم بها تشكل كيانه العضوي داخل المجال الحيوي الذي ينتظمه. فنحن لا نتلقى الثقافة وإنما نتنفسها ونتمثلها بالطريقة نفسها التي يتم بمقتضاها تنفسنا وتمثلنا لأكسجين الهواء .

وتأكيد دور البيئة في تشكيل الثقافة لا يعني أن البيئة تقدم صورة منظمة لعناصر الثقافة إذ أن ترتيب وتركيب عناصر الثقافة في إطار واحد عملية ينبغي القيام بها من طرف الأفراد والمجتمع؛ ذلك لأن التركيب المتآلف لعناصر الثقافة ينتج نشاطا متبادلا بين أسلوب الحياة و السلوك بطريقة تجعل أحدهما يرمي إلى الاحتفاظ بالآخر في خط مطلبه واقتضائه الخاص. وهذا يعني أن المجتمع يقتضي سلوكا معينا من الأفراد. وهؤلاء يقومون برد الفعل عن طريق اقتضائهم الخاص في أسلوب معين للحياة بحيث يتم هذا التبادل الذي يتولى تعديل الإطار الثقافي بطريقة ذاتية في صورة إرغام اجتماعي من ناحية، وعملية نقدية من ناحية أخرى .

- وظيفة الثقافة:

يرى ابن نبي أن القيام بعملية الإرغام الاجتماعي وممارسة النقد من علامات المجتمع المتحضر حيث يقع كل خطأ في الأسلوب تحت طائلة النقد، ويقع كل خطأ في السلوك تحت إرغام المجتمع.

وبواسطة هذه الوظيفة الثنائية يحتفظ المجتمع على نقاوة أسلوبه، وعلى الصفات المميزة لفعاليته. وهذه الوظيفة -كما يؤكد ابن نبي- هي على وجه الدقة وظيفة الثقافة بالذات: كما أن كل ثقافة تحدد في أصلها هذه القاعدة من الضمانات المتبادلة بين الجسم الاجتماعي والفرد .

وبالإضافة إلى هذه الوظيفة الثنائية الجانب للثقافة، فإن ابن نبي يخصص وظيفة أخرى للثقافة وتتمثل في تشكيل عالم الأفكار وتحديد علاقة الأفراد بهذا العالم. كما أن من وظائف الثقافة: "توجيه الطاقات الفردية لتحقيق بناء الفرد في الداخل بالنسبة لمصلحته ولتحقيق مكانه في المجتمع بانسجام تلك المصلحة مع مصلحة المجتمع" .

وإذا راعينا كل هذه الوظائف التي تقوم بها الثقافة في بناء الإنسان وتشكيل محيطه، فإننا نؤكد مع ابن نبي أن تغيير الإنسان يقتضي تغيير وسطه الثقافي؛ وذلك بإنشاء محيط جديد. ولكن ابن نبي لا يقف عند هذا الحد بل ويؤكد أيضا أن تغيير الإنسان يقتضي تغيير ما بداخله (تغيير النفس)، وتغيير محيطه الخاص ومحيطه العالمي.

وتعتبر عملية التغيير عملية أساسية في البناء الاجتماعي، إذ أن "كل جماعة لا تتطور ولا يعتريها تغيير في حدود الزمن تخرج بذلك من التحديد الجدلي لكلمة مجتمع" . والمجتمع الذي يقصده ابن نبي هنا هو "المجتمع التاريخي" الذي يحقق النموذج المتحرك أعن المجتمع الذي يخضع لقانون التغير، الذي يعدل معالمه من جذورها" . وعليه فالتغيير الذي يقصده ابن نبي هو التغيير الجذري للمجتمع بأفراده وشبكة علاقاته الاجتماعية والأهداف التي يصبو إلى تحقيقها.

يولي ابن نبي أهمية قصوى للعلاقات التي تنشأ بين العوالم الثلاثة : عوالم الأشخاص والأفكار والأشياء. ولا يمكن تصور فاعلية للأفكار مثلا ولا عملا متجانسا بين هذه العوالم دون شبكة العلاقات الاجتماعية. وكلما كانت شبكة العلاقات أوثق، كان العمل فعالا ومؤثرا .

ويقيم ابن نبي علاقة وثيقة بين تطور مجتمع ما وتطور شبكة العلاقات الاجتماعية كما وكيفا. وفي هذا يقول: "فإذا ما تطور مجتمع ما على أي صورة، فإن هذا التطور مسجل كما وكيفا في شبكة علاقاته. وعندما يرتخي التوتر في خيوط الشبكة، فتصبح عاجزة عن القيام بالنشاط المشترك بصورة فعالة، فذلك أمارة على أن المجتمع مريض، وأنه ماض إلى نهايته. وأما إذا تفككت الشبكة نهائيا فذلك إيذان بهلاك المجتمع" .

ويلاحظ ابن نبي أن أي انفصال في شبكة العلاقات الاجتماعية مؤشر لتحلل المجتمع وتفككه وبالتالي فساده؛ ذلك لأن العلاقات الاجتماعية تكون فاسدة عندما تصاب الأنا بالتضخم، فيصبح العمل الجماعي المشترك صعبا أو مستحيلا . وتضخم الأنا أو أي إصابة للأنا بالعقد النفسية يؤدي إلى أمراض تتجلى في "لا فعالية" شبكة العلاقات الاجتماعية، وإلى ما أسماه ابن نبي (المأساة الاجتماعية) .          

ويربط ابن نبي بين أصالة التفكير وأصالة السلوك بتطور المجتمع وببناء الحضارة. و "كل مجتمع فقد حضارته يفقد كل أصالة في التفكير، أو في السلوك أمام الآخرين" . ونلاحظ هنا أن العلاقة قد تكون عكسية أيضا؛ أي عندما يفقد مجتمع ما أصالته في التفكير والسلوك فإن ذلك يؤدي حتما إلى فقدان الحضارة. ويرجع هذا -كما يوضح ذلك ابن نبي نفسه في موضع آخر- إلى "أن الخصائص التي تميز مجتمعا ما إنما تكمن في شعوره وذاتية قراراته" .

-أهمية العمل:

من الأمور التي اهتم بها ابن نبي في مختلف كتبه قضية العمل كجانب سلوكي هام في عملية نمو المجتمع حيث تعمل السواعد كلها وتأكل الأفواه كلها، وتنحصر الأعباء غير المنتجة فيه إلى أقل مقداره: الطفل والمريض والعجوز أما بقية السواعد فهي تعمل . ويرى ابن نبي أن نقطة الانطلاق في كل إصلاح اجتماعي هي توفير القوت والملبس ثم تطرح بقية القضايا على بساط البحث . وفي الواقع، فإن سلم الأولوية تحدده وضعية المجتمع؛ فقد يكون استتباب الأمن وتوفيره في مرحلة من المراحل أولى من توفير القوت والملبس لأفراد المجتمع. ولا يكون توفير هذه الشروط الأولية للإصلاح الاجتماعي إلا بالعمل الشاق؛ ذلك لأن العمل الشاق الذي يقوم به الجيل الحاضر هو الذي يضمن إنقاذ ذريته من الأجيال القادمة. ولكي تتحقق معجزة البناء الحضاري لا بد من الانتصار على النفس وعلى أهوال الطبيعة وحمل رسالة لبناء حياة جديدة على أساس الجهود الجماعية بدلا من الجهود الفردية.  ويركز ابن نبي على ضرورة بذل الجهد الجماعي والجهد المشترك، فيقول: "فالعمل المشترك يستلزم بالضرورة: تنظيم وتنسيق جميع المعطيات، وخاصة جميع الأفكار التي تنهض بالنشاطات الفردية" . ويشير ابن نبي إلى أن العمل المشترك يستدعي إيقاعا ووزنا يؤديان إلى توتر في الجهود الفردية، ويفرغان هذه الجهود في الوقت نفسه داخل الجهد الجماعي . ويرى ابن ني أن العمل المشترك عبارة عن مدرسة يتكون فيها المسلم الجديد الذي يستطيع كل الحالات الاستثنائية مثل التخلف؛ ذلك لأن مدرسة العمل المشترك تعلمه أن الإرادة إذا حركت الإنسان تجعله يكتشف الإمكان. فالإرادة هي التي تكشف الإمكان كقانون اقتصادي يقابله في المجال النفسي ما تشير إليه الآية الكريمة :إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" (الرعد11-13)، ويقابل ذلك في المجال الاجتماعي القول بأن الإرادة الحضارية تصنع الإمكان الحضاري .

والعمل الذي يشير إليه ابن نبي هو العمل القائم على منهج معين إذ أن العمل العفوي لا يعطي نتيجة ثابتة . وهو العمل الموجه في مرحلة التكوين الاجتماعي مما يضمن سير الجهود الجماعية في اتجاه واحد. وهذا التوجيه هو الذي يضمن تأليف الجهود لتغيير وضع الإنسان وخلق بيئته الجديدة ومن هذه البيئة يشتق العمل معناه الآخر (كسب العيش لكل فرد) .

ويعتبر ابن نبي يد الإنسان مصدر كل عمل؛ "فهي التي شقت الطريق لفكره في عالم الأشياء التي صنعتها، وكأنها كانت بذلك تخلق فكره وتعد مهده وإطاره والمحيط الملائم لتطوره" . وإذا كان دور اليد في العمل والصناعة لا ينكر، فإن تفسير كل عمل الإنسان بالجهد اليدوي فيه شيء من المبالغة.

- أهمية الوقت:

يرتبط الوقت بالحياة؛ فهو الحياة بالنسبة للأفراد والمجتمعات. وكلما كان استغلال الوقت فعالا كلما دل ذلك على حياة مجتمع ما؛ أما المجتمع الراكد الميت فهو المجتمع الذي لا قيمة فيه للوقت، ولكيفية تنظيمه واستغلاله بل "يقتل فيه الوقت قتلا" في المقاهي وعلى أرصفة الشوارع أو في أحلام اليقظة أو في النوم الطويل والعميق دون اعتبار للواجبات والمسئوليات التاريخية والحضارية.

ويعتبر الوقت ركنا من أركان البناء الحضاري في فكر ابن نبي. ويرتبط الوقت بالسلوك ارتباطا وثيقا فلا يكفي تمجيد أهمية الوقت والتغني بذلك في الخطب والمحاضرات بينما تخلف المواعيد أو تبدأ الأعمال متأخرة عن مواعيدها ساعات أو أيام أو شهور وربما سنوات ! ولذا فقد اقترح ابن نبي في كتابه "شروط النهضة" ضرورة تعليم المسلم "علم الزمن". وليس هذا التعليم تعليما مجردا بل هو تعليم عملي مرتبط بالإنتاج وبالتاريخ.

ومن القضايا السلوكية التي أثارها ابن نبي أيضا قضية استيراد "الأفكار" و "القيم" و "التكنولوجيا" فيؤكد أن "التنمية لا تشترى من الخارج بعملة أجنبية غير موجودة في خزينتنا، فهناك قيم أخلاقية اجتماعية ثقافية لا تستورد وعلى المجتمع الذي يحتاجها أن يلدها" . وهكذا، فإن السلوك لا يشترى ولا يستورد؛ وإذا حدث واستورد فلن يعدو أن يكون تقليدا أعمى في أغلب الأحوال. وهذا يدفعنا إلى القول بضرورة بذل المزيد من الجهد الفكري والإبداع من أجل أن ينبع السلوك من ثقافة جماعية هادفة بحيث تحدد هذه الثقافة القيم والمعايير والطابع الجمالي للسلوك كما تحدد فعاليته وتـأثيره في الطبيعة والأشخاص والتاريخ.

ويلاحظ المتأمل لتناول ابن نبي للثقافة وللسلوك في إطار ثقافة ما أن هدفه تقديم "فلسفة للإنسان" و "فلسفة للجماعة"؛ أي مقومات الإنسان ومقومات المجتمع. وتتلخص هذه الفلسفة التي حاول ابن نبي صياغتها في مختلف كتبه ودراساته مثل "مشكلة الثقافة" و "شروط النهضة" و "ميلاد مجتمع" و غيرها من الكتب، في التعريف الشامل الذي قدمه للثقافة باعتبارها المحيط الذي يشكل فيه الفرد طباعه وشخصيته، وسلوكه، وأسلوب حياته، واتجاهه الحضاري.  




http://faculty.kfupm.edu.sa/MGM/mustafai/Man%20in%20Ben%20Nabi%20Thought.doc







يجب أن تكون مسجلا لتتمكن من الرد     يجب أن تكون مسجلا لتتمكن من التعليق    










عدد القراءات : 2249


منتديات دهشة | سوقك إعلانات مبوبة مجانية | منتديات سعودي زووم | بلوج عربي مدونات إنشاء مدونة مجانا | تكتكات مقاطع و كليبات فيديو | بحثك دليل المواقع العربية الشامل | سوقك الدليل التجاري دليل المواقع التجارية | Islamic blogs | جريدة المعلن : إعلانات مبوبة مجانية | Adsriver Classifieds & Free Ads | منتديات أوطاني | جوابك : سين جيم - سؤال و جواب| جريدة الوسيط إعلانات مبوبة مجانية | اليمام إعلانات مبوبة مجانية تجارية

إدارة دهشة غير مسؤولة عن المواد التي ينشرها الأعضاء. إذا وجد المالك لأي مادة خرقا لحقوق الملكية والنشر فالرجاء إبلاغنا على بريد دهشة لنتحقق من ذلك ونقوم بالإجراءات اللازمة.
The administration of Dahsha is not responsible for what users post. If the owner of any content finds a copyright infringement and wants it removed, we expect him/her to contact us with the details upon which we can take the proper action.
سياسة الخصوصية